ويسألونك عن فقه السلف في العمران وصناعة التمدُّن الإسلامي

أولا: الغرب والشرق ليسوا قدوة لنا:

كثيرا ما نسمع عن المجتمع المدني، ومجتمع المساواة، وفجأة نستدير عكس قبلة الصلاة ونتوجه إلى حيث المثال المعتاد، وهو أن المجتمعات الغربية هي مؤسسات المجتمع المدني، مع أنها هي التي أنتجت الاستعمار الحديث، الذي فتك بالإنسانية في حروب السيطرة، وأنتج أبشع حربين عاشتهما البشرية، من أجل الهيمنة على الشعوب المقهورة ومقدراتها، وفرض عولمة الفكر اللاديني المشبع بجشع رأس المال.

ثانيا: الصحابة في الطريق من عصبية القبيلة إلى مجتمع العُمْران:

ولكن إذا استدَرْنا باتجاه قبلتنا التي نصلي لها، نجد نماذج مشرفة في مجتمعات بدائية نقلها الإسلام من القبيلة إلى مؤسسة الدولة والمجتمع المتمدِّن، على قاعدة الإيمان بالتوحيد، وليس على هاوية الإلحاد بذات الله تعالى وأسمائه الحسنى، وقد أحببت أن أشير إلى بعض تلك النماذج وهي كثيرة، أسرد بعضها.

ثالثا:النماذج والأمثلة على فقه الأُمة والعمران عند السلف:

1-من مرجعية تنزل الوحي إلى رقابة الأمة في تنفيذ الوحي:

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حصل انتقال المجتمع من مرحلة تنزُّل الوحي، إلى مرحلة الأمة صاحبة الحق في تولية الخليفة، فظهرت مرجعية الأمة العليا بعد انقطاع انتظار الوحي، ولكن على شرط اتباع الوحي، يعني المرجعية النهائية للألوهية والنبوة، والأمة لها دور المراقب والمحاسبة، وأن مرجعيتها هي العليا في التنفيذ لما جاء في الوحي بشقيه الكتاب والسنة.

2-الشرع أكبر من الجغرافيا السكانية:

أوشك الأنصار على مبايعة سعد بن عبادة أميرا عليهم، وبعد أن أخبرهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقول النبي -صلى الله عليه وسلم:الأئمة من قريش، تنازل الأنصار عن السيادة لصالح الشرع، فالشرع أكبر من الجغرافيا، وتوازنات توزيع السكان، وتولى الخلافة المهاجر من مكة إلى المدينة، أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لذلك لا توجد لعنة للجغرافيا في توزيع السكان بل العيب هو في انحراف السكان لا في الجغرافيا.

3-لا للمحاصصة الطائفية على أساس وزن القبيلة:

اختارت القبائل القوية من أنصار ومهاجرين، الصديق الأكبر رضي الله عنه وهو من أضعف قبائل قريش، وهي قبيلة تَــيْم، التي قال فيها الشاعر:

ويُقضى الأمر حين تغيب تَيْم*** ولا يُستأمرون وهم شهود

يعني الشاعر إن قبيلة أبي بكر الصديق ضعيفة، لا يشاورون إذا حضروا، ولا يسأل عنهم إذا غابوا، وهذا أول خليفة في الإسلام، مما يدل على أن العيب ليس في القبيلة بل في الناس، وأن القبيلة هي وسيلة بناء وإصلاح، ولكن العصبية العمياء هي التي تجعلها سببا للهدم والفساد، فالعيب في عميان العصبية لا في القبيلة نفسها.

4-ميثاق الشرع هو العقد بين  الحاكم والمحكوم:

قال الصديق الأكبر في بيان الخلافة الأول: (أطيعونى ما أطعت الله فيكم)، ميثاق حقيقي بين الحاكم والمحكوم، ويمتد من الدنيا إلى الآخرة، فلسنا بحاجة للعقد الخيالي لصاحبه “روسو”وشركاه من اللادينيين، فما عندنا هو مواثيق حقيقية، وليست وهمية.

5-تولية الكفاءة ودفن التاريخ الأسوَد:

تم اختيار خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة مؤتة قائدا للمسلمين بالرغم من مصاب المسلمين على يده في يوم أحد، فالكفاءة عند الصحابة رضي الله عنهم مقدمة على غيرها، ولو كان الكُفْؤ متأخرا في إسلامه، أما غير الكفؤ لا مكان له في القيادة، ولو كان من السابقين الأولين في الإسلام، وهذا لا يقلل من قيمته عند الله تعالى، ولكن إذا ولي كان صلاحه لنفسه، وضعفه علينا.

6-مؤسسة القرار فوق مشروعية الانتصار:

عَزْل الخليفة عمر بن الخطاب  لخالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهما، دون أي فوضى بالرغم من شعبية خالد العارمة في وسط جيشه، ولكن قال الجميع:  نعَم لشرعية مؤسسة القرار، ولا لشرعية الحرب والانتصار، فكيف اليوم بمشروعية الفاشلين في محو الأمية، من مقلدة الغرب تقليدا فجًّا لا يطاق.

7-رأيك لك، ولكن عليك التزام قرارات الشرعية:

اتفقت كلمة الصحابة رضي الله عنهم على إبقاء جيش أسامة بن زيد في المدينة، وبعد أن اتخذ أبو بكر الصديق قرار حرب المرتدين وإنفاذ جيش أسامة، التزم الجميع بالقرار، ولا مجال للمناكفات السياسية والانتماءات الخادعة، القائمة على الدعاية السوداء وحرق الشخصيات، وتفريق الجماعة، فهكذا نفهم لزوم الجماعة عند أهل السنة والجماعة.

8-قيادة الصلح في المجتمع ولا لسجناء التاريخ:

أ-ما من أمة إلا ويحدث بين أفراد مجتمعها من الحروب والدماء، وإن من الخطر على الأمة أن تُوْرث الخصومة التاريخية، وأن يحمل الأحفاد والأبناء عبء التاريخ، وآلام الماضي الذي لم يكن لهم يد فيه، بل هو حقبة من الزمن وانقضت، وقد كان سادتنا الصحابة رضي الله عنهم، هم الذين يطلقون سراحنا من سجون الماضي، ويعلموننا أن دفن التاريخ الأسود بين المسلمين هو سنة من سنن السلف الصالح.

ب-ومثال على ذلك، عقد الصلح الذي استبشرت به الأمة بين سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه، وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وهو الصلح الذي رضيه النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحب الصلح بين المسلمين، وإن الذين يتحزبون فرقا وشيعا ويفرقون بين المسلمين، ليسوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) سورة الأنعام.

رابعا: السلف أكبر من أي مؤتمر أو أي  كتاب:

واضح أن السلف الصالح وهو الصحابة رضوان الله عليهم، كانت لهم سننهم في صناعة الحضارة والتمدن الإسلامي، ولم يكن اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم مجرد هيئة أو لباس، أو كتاب، أو مؤتمر، أو جملة من المسائل تشن فيها الحرب على هذه الفئة أو تلك من المسلمين، إن السلف كانوا واعين لسنن الله تعالى في الأمم، والحروب والمعارك، وسنن الانتصار وأسباب الهزيمة، وسنة إقامة العدالة في الأرض، على وفق ما جاء به ميزان الشرع، ولا يجوز لنا محاصرة السلف في مسائل بعينها، ثم نغفل عن معرفتهم بسنن الله في الحضارة، وميلاد الأمم وأسباب هلاكها، وهناك الكثير والكثير مما يمكن أن نتعلمه من السلف الصالح.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

19-6-2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top