هل كان أبو جهل موحِّدًا بالربوبية

تمهيد: محل البحث:

أ-محل البحث جواز وصف المشركين بتوحيد الربوبية، وليس أنهم يعتقدون بوجود إله، وإن قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) الزخرف، أكثر ما تدل عليه الآية الكريمة، هو إقرارهم بوجود إله غير قادر على البعث، وتشاركه الأصنام في إرادته، وهذا لا يسمى توحيدا، لأن توحيد الله يعني إثبات ذات لا تشبه الذوات ولا معطَّلة عن الصفات.

وهذا التعريف للتوحيد لا ينطبق على مَن نفى قدرة الله على البعث بعد الموت، وادعى أن للأصنام تأثيرا في إرادة الله تعالى، لذلك تكاثرت محكمات الكتاب والسنة على وصف العرب بالمشركين، وإذا تكاثرت الظواهر كانت في رتبة النص، ولا يجوز وصف المشركين بنقيض وصف الشارع لهم في المحكمات.

ب-ليس الحديث في تقسيم عِلمِيّ للتعليم، كما هو الحال في تقسيم توحيد الذات وتوحيد الأسماء والصفات، بل البحث في تحقق توحيد الربوبية في   المشركين فيكونون في الواقع موحدين بالربوبية مع شركهم  بقدرة الله وإرادته، التي هي أخص صفات الربوبية، ولأنهم أشركوا بالربوبية أشركوا الأصنام مع الله بالعبادة، فشرك العبادة فرع شرك الربوبية، لاعتقادهم بتأثير الأصنام في إرادة الله تعالى وقدرته.

1-الكفر بالصفة كُفْرٌ بالموصوف:

إن الكفر بالصفة كفر بالموصوف وهو ذات الله تعالى، ولا يعني أن المشرك إذا كفر بالقدرة على البعث أنه مؤمن بالخالق، لأن الكفر بالقدرة كُفر بالذات، فلا يكون كافرا بالذات ومؤمنا ببعض الصفات، لأن وجود الله واحد وهو ذاته، وذاته لا تنفك عن صفاته، ولا صفاته تنفك عن ذاته.

2-أصل الإيمان واحد لا ينقسم:

لذلك كان أصل الإيمان واحدا لا يتجزأ بإجماع، وإنَّ افتراض وجود شيء من التوحيد عند مشركي العرب في الجاهلية يتناقض مع أصل الإيمان وأنه لا يقبل التقسيط، ومنطوق القرآن وصفهم بالشرك مطلقا، المناقض للتوحيد مطلقا، فكل مَن خرج من الكفر دخل في الإسلام، ومن خرج من الإسلام دخل في الكفر، ولا توجد مرحلة انتظار (ترانزيت) بين الكفر والإسلام، فكل داخل خارج، وكل خارج داخل، مما يعني بطلان نسبية التوحيد، وأنه يقع بالتقسيط، وهذه محكمات الإيمان، ويجب رد المتشابهات للمحكمات، لا هدم المحكمات بالمتشابهات.

3-مشركو العرب لم يعرفوا ربهم ولا رسولهم:

 ومشركو العرب لم يعرفوا ربهم أصلا فكيف يوحدُونه بالربوبية؟! وقد قال تعالى فيهم: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) الفرقان، فهؤلاء لم يعرفوا إلههم ولا ربهم، بل لم يعرف رسولهم الشاهد الذي بينهم، وقال تعالى فيهم: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) المؤمنون، فهل هؤلاء يوصفون بتوحيد الربوبية الذي يُعدُّ أشرف معاني الإيمان بالله وأسمائه، آلله ذوات متعددة، كَفَر العرب ببعضها  ووحَّدُوا ببعضها، فما لكم كيف تحكمون؟

4-أبو جهل في النسخة الأخيرة:

أيكون أبو جهل في نسخته الأخيرة موحِّدا بالربوبية، وهو من المشركين الذين قال الله فيهم  يوم بدر(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) سورة الحج، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم  اختصموا في ربهم مع المشركين،  فهل يُعقل أن أهل بدر من المشركين متفقون في توحيد ربهم مع المسلمين، ولكن أقول ما لم يكن توحيدا يوم بدر، فلن يكون توحيدا اليوم.

5-لا يوجد توحيد بالتقسيط:

إن دعوى وصف المشركين بالتوحيد، وتحقُّقِ قِسطٍ من أقساط التوحيد فيهم، ولكنهم لا ينجون إلا بإكمال بقية الأقساط، فإن هذا مخالف لما عليه الأمة أن أصل الإيمان واحد لا ينقسم، وإن تفتيت أصل الإيمان في الواقع، هو إحداث في أصل معنى الإيمان، ثم تبعه الإحداث الثاني وهو إطلاق اصطلاح شرعي هو التوحيد على ذلك المعنى المحدَث، فحصل الإحداث في التوحيد لفظا ومعنى، مما أدى إلى وصف أبي جهل بأنه موحد بالربوبية، ولكنه خالد في جهنم لأنه لم يكمل بقية أقساط التوحيد، وبناء على أنه يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فإن أبا جهل تحقق فيه قسط من التوحيد، وهذا إسقاط للمحكمات بسبب تفتيت أصل التوحيد وجعله أجزاء منقسمة.

6-توحيد الربوبة للمشركين وشرك الألوهية للمسلمين:

بالرغم من بطلان تقسيم أصل التوحيد بين المسلمين والمشركين، وعدم جواز إطلاق التوحيد بأي وجه على المشركين، إلا أن التوحيد  الذي اتسع لأبي جهل في توحيد الربوبية ضاق على المسلمين في توحيد الألوهية الذي هو عبادة الله وحده، وإن التفسيرات الشاذة لتوحيد الألوهية ومعنى العبادة أخرجت المسلمين من إسلامهم، فمَن قال: يا رسول الله اشفع لي/ فهو دعاء غير الله، ودعاء غير الله عبادة غير الله، إذن أشرك بالعبادة ويكون كافرا بنقضه توحيد الألوهية، أو يكون ذلك الدعاء بدعة، وذريعة إلى الشرك بالله.

 بل إن أنشودة (يا طيبة) المشهورة بحسب تقسيم التوحيد في الواقع تعتبر شِركا بالألوهية لأنها دعاء لغير الله تعالى، وأُدْخل شرك الألوهية على البيت السني، وفُـرِّق بين أهل السنة على مستوى الكفر والإيمان، ولكن من خَرَج من حَدِّ الشارع لم يَعُد له حدٌّ ينتهي إليه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) الأنعام.

 وكيف لا يكون تفريقا في الدين ما جعل  توحيد الربوبة للمشركين وشركَ الألوهية للمسلمين، ولا تستقيم جماعة المسلمين ووحدتهم مع تفتيت أصل الجماعة وهو أصل الإيمان، بل إن  تفتيت أصل الإيمان تفتيت للمسلمين، ولو بقي التوحيد على القسمة في التعليم لما ضَرَّ المسلمين، وما جعل أبا جهل موحدا بالربوبية.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان المحروسة

   22-ربيع الآخر  -1442

 8- 12 -2020

2 thoughts on “هل كان أبو جهل موحِّدًا بالربوبية

  1. ديسمبر 8, 2020 - ابو عبد الله

    أجدت وأوجزت وأفدت
    فجزاك ربي خيرا

  2. ديسمبر 9, 2020 - غير معروف

    توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية هو توحيد الألوهية واي انفصام بينهما هو انفصام نكد وغير مسوغ له، ولا أدل على ذلك قوله تعالى: ” لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ”، فالإفساد متعلق بالخلق الذي هو من معاني الربوبية، ومع هذا لم يذكر سبحانه الربوبية في الآية بل الألوهية ثم أنبعها بتنزيه الرب سبحانه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top