هل كانت دولة النبي صـــلى الله عليه وسلم دينية أم مدنية؟!

المُـــــلـــخـَّـص

راجعت في هذه المقالة المتواضعة السؤال المتداول في الوسط الثقافي: هل كانت دولة النبي صلى الله عليه وسلم دولة دينية أم مدنية؟ وقد أثار هذا السؤال إشكالات كثيرة، ليس بسبب صعوبة السؤال، إنما بسبب خطأ السؤال، ذلك لأن السؤال يجعل ثقافة الغرب مرجعية تحكم على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام وتصنفه بحسب معاييرها، بالرغم من اختلاف البيئة الثقافية الغربية للسؤال المطروح، عن البيئة الثقافية الإسلامية القائمة على الوئام بين الدين والعلم والدولة، ولمعالجة هذا الخطأ المنهجي في طرح السؤال، لا بد من قَلْبِه تماما، لأن الإسلام هو الميزان الذي أنزله الله ليحكم بين الناس، وليست الثقافة الغربية هي المعيار في التصنيف، ويصبح السؤال بعد التصحيح: هل يقبل الإسلام الدولة المدنية؟ وهل يقبل الإسلام الدولة الدينية؟ ثم يحدد السائل المقصود بالمدني والديني، لتنزيل الحكم الشرعي على الواقع، وفي تاريخ النصارى واليهود دولة نبوة راشدة هي دولة سليمان ودواد عليهما السلام، فكيف يكفرون بدولة النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون بدولة دواد وسليمان عليهما السلام والمنهج واحد؟!. ا.ه

تمهيد: 

تطلُع علينا الأوساط الثقافية ببعض من الأسئلة التي تضع المجتمع في حَيْرة، ليس بسبب جهل المجتمع، ولكن بسبب يرجع إلى طبيعة السؤال، الذي يصبح شكلا من أشكال الالتباس الثقافي، فتختلف النخب الثقافية في الجواب على السؤال، إلى حد يجعل الإجابات تزيد السؤال غموضا، وسبب هذا الغموض هو التعامل مع السؤال على أنه سؤال صحيح، والجوابان المطروحان هما اختيار من متعدد، لا ثالث لهما، فيشْتد الخلاف، وتَعظُم الشُّقة بين المتحاورَين، اللذَين يكون مع كل منهما بعض حق، فَلَــيْسا بمَلُومَين على الخطأ في الجواب، بقدر أنهما مَلُومَان على عدم التحقيق في صحة السؤال أصلا.

أولا: اللَّبس في طبيعة السؤال حول دينية ومدنية دولة النبي صلى الله عليه وسلم:

إن السؤال هو ثمرة إفراز تاريخي في أروبا امتد لقرون، حيث كانت تتنازعها سلطتان: سلطة الدين الكهنوتي، القائم على أن المؤسسة الدينية لها سلطة روحية، وأن القياصرة لهم سلطة أخرى هي سلطة زمنية، وتبنت الكنيسة مقولة أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، وبعد صراع السلطة الدينية مع العلم والطبيعة، بدأت بعض المؤسسات التي تستبعد السلطة الدينية وتخرجها من الحياة العامة، لتبقى حالةُ التديُّن حالة فردية خاصة، لا علاقة لها بالشأن العام، خصوصا بعد نقمة الناس في أروبا على جرائم الكنيسة في حرق العلماء، وخنق أي مقولة تتعارض مع تعاليم الكنيسة الوضعية التي وضعها بعض الأحبار والرهبان، ونسبوها إلى رب العالمين ليشتروا بها ثمنا قليلا.

ثانيا: استيراد الخلاف التاريخي في أوربا وتحكيمه على الإسلام:

بناء على أن النزاع بين الديني والدنيوي هو نتيجة صراع عالم مادي متطرف في المادة، ومحاولة إخضاع الإنسان لها، وبين دين منحرف يغالي في الحياة الروحية على نحو يصارع المادة والطبيعة، وصراع السلطة الدينية ممثلة في الكنيسة، مع السلطة السياسية الجديدة التي أفرزها المجتمع الخارج على طاعة الكنيسة، ويعقتد ضرورة الفصل التام بين الشأن العام والدين أيا كان ذلك الدين، بسبب الاضطهاد الذي مارسته الكنيسة باسم الدين ضد مخالفيها من علماء الطبيعة، وأدى هذا الفصل للدين عن الشأن العام إلى انشطار المجتمع إلى ديني كنسي، وإلى مجتمع مدني مقابل لا يقبل الدين حاكما في الشأن العام أيا كان ذلك الدين.

ثالثا: السؤال خطأ فادح بحق مرجعية الإسلام:

إن السؤال نفسه يُعدُّ خطأ فادحا بحق الإسلام، ذلك لأنه يفترض أن المرجعية في الحكم هو الثقافة الغربية التي تعاني انشطارا مدمرا بين الدين والدولة والعلم، واعتقاد أن هذا الانشطار بين الدين والحياة العامة معيارا صالحا للتصنيف، وهناك خطر أكبر من هذا الاعتبار في التصنيف، وهو أن هذا التصنيف المقلوب أصلا هو الذي يصبح مرجعا وأساسا تُصنَّف عليه مرجعية الإسلام ودولة النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أننا بهذا السؤال المقلوب: هل دولة النبي صلى الله عليه وسلم دولة دينية أو مدنية، قَــلَبْنا الميزان الذي أنزله الله تعالى بقوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) فالإسلام هو الميزان، الذي يحكم على الفكر الأوربي وليس العكس، وطبيعة السؤال تفترض أن الميزان هو الثقافة الغربية التي تتبنى القطيعة بين الدين والدولة، وهذا القلب للميزان أوقع بعض المسلمين في الاضطراب في الإجابة على السؤال: هل كانت دولة النبي صلى الله عليه وسلم دينية أم مدنية؟

رابعا: التباس مفهوم الديني والمدني:

إضافة إلى ما سبق هناك خطأ آخر، يتمثل في محاولة جرجرة الثقافة التي أنتجها التاريخ الأوروبي، وتطبيقها على بيئة مغايرة تماما في الفكر والعقيدة وله مفهومها المختلف للديني والمدني، فبيئة أوروبا تعاني من صراع مرير بين سلطة الدين القائمة على السر الإلهي والسلطة الزمنية، وصراع بين العلم والدين الكنسي الذي اصطدم بحقائق العلوم وبمناهج البحث العلمية، إن من الخطأ المنهجي “شَّحْوطة” الفكر والتاريخ الغربي، إلى ديار الإسلام التي ألِفت العلم والدين معا، وأن كليهما يؤدي إلى الآخر ويعانقه، بل إن النهضة البحثية والعلمية في المشرق الإسلامي نَبَعت من عمق الدين والإيمان، وكان الإسلام هو المَدَد الذي لا ينضب للعلم، ويعُدُّه من أعظم العبادات، وعلى ذلك لا يوجد في الإسلام صراع بين ما هو ديني ومدني، بل إن المدنية في المجتمع الإسلامي صنعها دين الإسلام نفسه، ومن هنا يتبين لنا خطورة التقليد الأعور للغرب في البيئة الإسلامية، الذي يصطنع الصراع بين الدين والمجتمع والوطن، وأدى ذلك إلى تأخير النهضة الإسلامية القادمة بإذن الله، حيث يقوم الإسلام في المجتمع بدور العلم والبناء والنهضة، بينما تقوم الأقلية اللادينية بدور الإلحاق الثقافي وتعزيز التبعية للغرب، وأَنَّى لأمة بين يدها كتاب مثل القرآن، أن تصبح ذيلا لحضارة قامت على الصراع والقطيعة بين الدنيا والآخرة، والعلم والدين، والدولة والإيمان.

خامسا: دولة داود وسليمان ومحمد عليهم السلام جميعا دولة مسلمة:

يستغرب المسلم أن يحارِب اللادينيون (العلمانيون) تلك الدولة التي تنهج نهج الإسلام، وقد كان في تاريخهم الديني سواء عند اليهود في التوراه أو عند النصارى فيما يعرف بالعهد القديم، دولة داود وسليمان عليهما السلام، فدين الأنبياء واحد، فكيف يعظمون دولة يرأسها أنبياء كداود وسليمان عليهما السلام، ثم يحاربون الدولة الأخرى التي رأسها محمد صلى الله عليه وسلم، أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، كما فعل أسلافهم من يهود في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فدولة يهود التي جاءت –في زعمها الباطل- لتقيم ملك سليمان ودواد عليهما السلام، على أرض مسروقة، تدعمهما كل الدول التي تسمي نفسها لا دينية أو مدنية، بينما تهزأ هذه الدول بدولة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أخو سليمان وداود عليهم السلام جميعا، ولو كان سليمان وداود عليهما السلام أحياء لكانا من حملة راية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهما أولى بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو أولى بهما.

وكتبه الفقير إلى عفو ربه

وليد مصطفى شاويش

في 19/8/2014

عمان المحروسة

2 thoughts on “هل كانت دولة النبي صـــلى الله عليه وسلم دينية أم مدنية؟!

  1. سبتمبر 28, 2018 - غير معروف

    بارك الله فيك

  2. يناير 24, 2020 - غير معروف

    مفيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top