هل الفيروس (كورونا) طوّر نفسه فِعلا  حَسب الإلهية الدستورية في الفكر اللاديني؟

تمهيد:

لدى متابعة التحليلات الطبية لمرض كورونا عبر الإعلام، يعبر بعض الأطباء بأن الفيروس طور من نفسه على طريقة دارون في النشوء والارتقاء، بينما يتلقاه بعض الإعلاميين بألسنهتم، ثم يقَرْقِرونها في أذن المستهلك الرديء للثقافة، وتمر الكلمة بالسمِّيعة دون الخضوع إلى التفتيش الجمركي العلمي الأصولي، مما يعني أننا أمام جريمة تهريب ثقافي للإلحاد في قوارير الإعلام الفاخرة، وقد نبه الشرع على خطورة التلقي دون تمحيص   بقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ  (15)سورة النور.

أولا: الرغيف لا يأكل نفسه؟

إذا سلمنا بأن الفيروس لم يكن مؤثرا من قبل أن يطور نفسه بزعمهم، فهذا يعني أن تأثيره لم يكن من ذاته، كما أنك تقول إن الهاتف لا يتكلم من نفسه، وإن الرغيف المأكول لم يأكل نفسه، بل لا بد من فاعل خارج الفيروس هو الذي جعل فيه الصفة الجديدة، ويتأكد ذلك أيضا بناء على القول بأن قوانين الطبيعية جوازية إمكانية لا ضرورية حتمية.

ثانيا: الطبيعة لا تفعل بنفسها لأنها مفعول به أصلا:

كما أن الرغيف لا يأكل نفسه لأنه مأكول، والهاتف لا يتكلم من نفسه، فإن الطبيعة لا تطبع نفسها، لأنها مطبوعة أصلا بما فيها من صفات وأسباب تحدث النتائج معها وعندها لا بها، وأما القوانين ونتائجُها  فهي خلْق اللهِ تعالى، فالله  تعالى يخلق مع القانون لا به، أي ليس مستعينا به، ولا مستعينا  بقوى مودعة في المواد لخلق نتائج المختبر، بل هو الخالق 100%، لا شريك لله في خلق الطَّور الجديد الذي دخل فيه فيروس كورونا، خلافا للعقيدة الجبرية القاسية التي يعاني منها الفكر اللاديني الإلحادي، الذي جعل للطبيعة وقوانينها تأثيرا  كما جعل العرب لأصنامهم في الجاهلية، وفرضية دارون بالنشوء والارتقاء، ليست إلا وجها كالحا لصنمية المادة.

ثالثا: خُردوات الدّهرية في وكالات الحداثة:

 وقد بين الله قصة الأولين الذين ألهَّوا القوانين، ولم يفقهوا قُدرة من أجرى القوانين وخلق آثارها: قال تعالى ( ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ،(95)، فالآيات بيِّنة لمن نظر إلى القانون ولكنه تجاهل خالق القانون، واعتبر أن السيئة والحسنة مجرد قوانين تجري بشكل آلي، لا حكمةَ ربانية وراءها، وفرقوا بين الخالق وخلقه، والله ورُسُله، ولم يفهموا العبرة من تعاقب السيئة والحسنة بسبب فكرهم الدَّهري الحداثي في ذلك الوقت، فهم يرون العصا تضرب، ولا يرون الضارب، فخافوا من العصا لا ممن يتصرف بالعصا.

رابعا: حِكمة اقتران السبب بالنتيجة لنبحث عن العلاج:

عندما جعل الله تعالى الأسباب والنتائج في الطبيعة مستقرة على نحو معتاد، فذلك ليستمر الإنسان في البحث، فاستقرار قوانين الطبيعة هو قاعدة المنهج التجريبي في البحث عن العلاج، لا لأن السبب يخلق النتيجة، فالسبب عاجز عن خلق نفسه، فكيف يخلق الأثر في غيره، بل إن تجاهلَ هذا الاستقرار الطبيعي في القوانين وأسبابها، هو هدم للطبيعة التي خلق الله الناس عليها، لذلك علينا أن نفهم أن استقرار القوانين الطبيعية لندخل المختبر، ونتحصل على ما كتب الله لنا من المنافع وندفع من المضار، وعلينا أن نحذِّر من تجاهل القوانين الطبيعة ثم العيش في الخرافة باسم الدين.

خامسا: الدَّهرية المستترة والإلهية الدستورية:

الفكر اللاديني الدَّهري في الطبيعيات هو المهيمن اليوم على مناهج البحث في العلوم الطبيعية، وعليه فإن من الطبيعي أن يقول إن الفيروس يطور نفسه، بحسب فكره الإلحادي، بأن الله خلق الكون وفق قوانين طبيعية، ثم تركه همَلا يسير بنفسه، وأصبح العالم -بزعمهم- يسير على الطيران الآلي،    وأن الله تعالى -سبحانه- يملك الفيروس، ولكن الفيروس يحكُم بالضرر، على طريقة الديموقراطية في الملكية الدستورية والأنظمة الرئاسية، وهي أن الله-سبحانه- يملك والفيروس يحكم، والأمر بيد الدهر، حسب قول سلفهم الفاسد: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  (24)سورة الجاثية.

سادسا: لا للإلهية الدستورية في الطبيعة والشريعة:

إنّ زعْم الفكر اللاديني(الدَّهرية) بأن الفيروس طوَّر نفسه هو لإلغاء الإيمان، وذلك بعزل التطورات الطبيعية عن الخالق الحكيم، وأن العبادة اليوم هي عبادة الطبيعة التي استقلّت عن الإله -سبحانه-الذي يملك ولا يحكم، وأنه إله شرَف بلا تدبير ولا تأثير، وضيفٌ على كَوْنِه وملزمٌ بالقانون كغيره من المخلوقات، ولم يكن ذلك في الطبيعة فقط، بل اعتدَوْا على شرع الله فحاربوه بالتعطيل، فكما اعتقدوا تعطيل  الله تعالى -سبحانه- عن الخلق الدائم والمباشر،  عطلوا التشريع أيضا، فجعلوا لهم الـحُكم ولله الـمُلْك بلا حُكم، ألا ساء ما يحكمون، ولا تدري هل إلحادهم يبدأ في الطبيعة ثم يتسرب للشريعة، أم يبدأ إلحادهم في الشريعة ثم يتسرب للطبيعة، وأختار الثانية لا الأولى.

سابعا: نعمل بالقانون ونؤمن بالله معًا:

 إننا نتعامل مع القوانين الطبيعية الداعية لاكتشاف العلاج بالقانون الطبيعي المستقر، ومع ذلك قلوبنا معلقة بالخالق العظيم الذي يصيب برحمته  من يشاء من عباده، ويصرفها عمن يشاء، ويدبر الأمر في كل لحظة، فنحن نعمل بالقانون الطبيعي ونؤمن بالله أيضا الذي يجري القوانين ونتائجها ضررا ونفعا، قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) سورة النساء، اللهم أسلَمْنا وجوهنا إليك ونحن في الحجر الصحي، وكل من عند ربِّنا، ونحن في المختبر نتعامل مع كوفيد 19، لا مع اللاّت والعُزّى 19.

مقالة ذات علاقة: كيف يسجُد الطبيب  في  عهد الكورونا

أ.د وليد مصطفى شاويش

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

أ.د وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

10-شعبان-1441

3-4-2020

عَمان المحروسة

2 thoughts on “هل الفيروس (كورونا) طوّر نفسه فِعلا  حَسب الإلهية الدستورية في الفكر اللاديني؟

  1. أبريل 3, 2020 - غير معروف

    لله درك دكتور وليد نحن بحالة الى قلمك وفكرك في هذا الظرف القاتم والالحاد المتراكم والاعلام التائها

  2. أبريل 4, 2020 - حوامده

    جزاك الله خيرا
    فعلا هذا الشرح يحتاجه كل مسلم فعلا أنني اعتز بك وافتخر واقول مقالتك الطريق الى السنه إجباري
    ولكن حبذا لو كان هناك مناظرات دينيه تجمع بينك وبين عدد من الملحدين الغربيين على شاشات التلفزة
    نحن فخورون بك وبعلمك وبارك الله فيك ونفع الله العباد بعلمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top