من يَفْطِم المرجفين في الطب عن الشك بعد تجدد فشو الوباء وكلام في السياسة الشرعية وفقه المجتمع

تمهيد:

حققت لجنة الأوبئة الطبية نجاحا كبيرا في الحد من الوباء، ولكن نغص على هذا النجاح الباهر تصرفات طائشة أدت إلى تجدد فشو المرض، وأحببت أن أرسم لنفسي نموذجا صالحا يكون قابلا للتطبيق في السياسة الشرعية، حيث تلتقي الخبرة الفقهية مع الفنية الطبية، مع قرار الولايات العامة، في أمر يخلو من الشحنة الفلسفية المادية للدولة الحديثة، وراقبت جهدي ما يكتب ويقال في هذا الصدد، لإبراز كفاءة الشريعة في مجال السياسة الشرعية وفقه المجتمع، ودونت رصدا لهذ الحالة على النحو الآتي:

  أولا: سبب اختيار موضوع لجنة الأوبئة:

لجنة الأوبئة لجنة فنية طبية ليست مسيسة، والخبرة الطبية هنا كوصفة الدواء، لا علاقة لها بالحزب والجماعة، مما يجعلها موضوعية بامتياز، لاسيما أنها حققت نجاحا وتفوقا في إدارة الأزمة، وهي جهة ولاية عامة بما تملكه من صلاحية التوصية والتنسب لجهة اتخاذ القرار.

ثانيا: أوجه الخلل في التعامل مع الأزمة:

1-خطأ في العنوان:

توجه بعض النقاد إلى وزير الأوقاف، مع أن الجهة التي لها الكلمة الحاسمة هي لجنة الأوبئة، مما يعني أن هناك عدم وضوح في الجهة الأساسية في الأمر، وهذا كاف في تأكيد الجرأة والاقتحام على التخصص الشرعي والطبي معا.

2-الأقيسة الفاسدة:

تنادى بعضهم إلى أن الأسواق فتحت وكاد الناس أن يكونوا على أبوابها لبدا، وكذلك المطاعم مع المناولة، مع أن هناك صورا مشابهة أخرى مغلقة مثل المدارس والجامعات، وكان النقد يقترب من الانطباع والإعلام، ويبعد عن التخصص الدقيق في الطب والفقه، ويشكل عليه لماذا لم يقيسوا على الجامعات التي هي أقرب في الصورة من المطاعم التي تقدم الطعام بالمناولة.

3-تناقضات الولاء والمعارضة :

في الوقت الذي قررت وزارة الأوقاف في السنة الماضية صلاة التروايح عشرين ركعة وهي زيادة عبادة وشغل للمسجد، إلا أن الوزارة لم تسلم من النقد، ولما تم إغلاق المسجد بسبب الوباء لم تسلم من التجريح والشك، وهذا التناقض في النقد، يعني أن جدل الولاء والمعارضة والسياسة أقوى من التخصص العلمي في الشريعة والطب.

5-تناقضات شهوة التدين:

وتتضح شهوة التدين عندما تشير النتائج إلى انعدام أثر للمرض-بفضل الله- ويكون عدد الحالات اليومي صفر، فيزداد الطعن في الأطباء والتشكيك فيهم، والمطالبة بفتح المساجد لا الجامعات والمدارس، حتى إذا ظهرت زيادة مفاجئة للمرض تنادت المعارضة وشهوة التدين إلى أن المسؤولية تقع على لجنة الأوبئة التي لم تكن شديدة على المخالفين، ولكن ماذا لو استجابت لجنة الأوبئة إلى التدين المزاجي  ثم فشا المرض، فهل يسلم الأطباء من شهواني التدين؟ وهذا كله يشير بأصابع الاتهام إلى مخاطر شهوة التدين على الدين والعمران.

6-لا ينقض اجتهاد باجتهاد:

وكانت بعض الانتقادات تذكر أن بلدانا أبقت المساجد مفتوحة، فلماذا أغلقت المساجد في البلدان الأخرى، وجوابه أنني أكدت أن السياسة الشرعية اجتهاد، وهي خالية من القطع عارية من اليقين، ولا ينقض اجتهاد باجتهاد، وإلا أصبحنا في حالة هدمية، وتبطل الاجتهادات جميعا، فكل يتبع محل ولايته وهو عل خير في اتباعها، وهذا في كل اجتهاد معتبر، ولا ننسى أن لدينا في المدرسة الفقهية السنية أربعة مذاهب على خير وهدى من ربهم.

7-الملاحظة البسيطة لا أثر لها:

عندما يلاحظ خبراء الأوبئة أمر باعتبار تخصصهم الدقيق يختلف عن ملاحظة التَّواصِلة (السُّوشَلْجِية)، الذين يتكلمون بالملاحظة البسيطة، على حساب التخصص الدقيق للأطباء، الذين أظهر الله فضلهم وشرفهم، في حماية النفس الإنسان، بينما كانت شهوة التدين عبئا على الدين والطب.

8-التفسير التاريخي للشريعة:

بالرغم من التطور الطبي في الأوبئة، ذهبت فئة من المتدينين إلى الزعم بأن المساجد لم تغلق بسبب الأوبئة، وإنكار معطيات الطب الحديثة، التي أوصت بإغلاق التجمعات العامة من  جامعات ومدارس، وهو يعزز فكرة تاريخانية الشريعة عند اللادينيين، مع أن الشريعة تطبق حكم الحظر الثابت، على وقائع كثيرة فالحكم ثابت وتطبيقاته غير محصورة، وهذا ينفي تاريخانية الشريعة، وأن الشرع ليس تاريخا.

ثالثا: التوصيات:

1-الحذر من إقحام مناكفات الولاء والمعارضة على السياسة الشرعية القائمة على التكامل والتناصح، لا على المشاقة والعناد.

2-شهوة التدين من غير فقه هي لَطْميات بلا دم، وعواطف بلا علم، وخطرها على الدين والمجتمع والجماعة لا يخفى.

3-شهوة التدين تنطلق من الانطباع  والشعور والتفسير النفسي لا من أصول الشريعة وقواعدها، وقد بلغت حد المقامرة على حياة المجتمع، ولها تأثيراتها السلبية على حياتنا الدينية بسبب حالة التدين الانطباعي المتمرد على الفقه وأصوله، لإشباع الأشواق الروحية، والذهاب مع العاطفة الدينية كل مذهب.

4-النصيحة فيها مسؤولية الكلمة، وعلى فرض أن اللجنة استفرغت وسعها وأخطأت فلها أجر واحد لأنها أوصت على أسس علمية، أما المتخرصون على الشرع بشهوتهم الدينية فهو قائلون على الله بلا بينة.

5-يجب الانتباه إلى المتخصصين الذي قد يوافقون اللجنة أو يخالفونها وأن كتاباتهم لها قيمة علمية ولو لم تكن لها صفة الولاية العامة، وتوضع على طاولة لجنة الأوبئة، وأن يدرك هؤلاء المتخصصون الذين تقدر جهودهم أن مسؤولية القرار للجنة التوصية، ولا بد من الحذر من تَسييس التخصص العلمي.

6-إذا كانت اللجنة الطبية فنية علمية وغير مُسَيّسة، وانصاعت لها جهات القرار من مختلف الوزارات كالتعليم والخارجية والأوقاف وغيرها، ومع ذلك حصل الشقاق والتشكيك، فماذا لو كنا بصدد بحث قضية سياسية واقتصادية ومسرح الرأي فيها واسع، هذا يعني حركة المجتمع ستصاب بالشلل بسبب حالة الاتجاهات المتضادة التي تنتهي إلى المحصلة صفر، بسبب انعدام فقه الفرد والمجتمع.

7-ضرورة الانتباه إلى تكامل جميع الخبرات المتخصصة في تكوين قرارات السياسة الشرعية، وأن متخذ القرار مسؤول عن قراراته، لا أن يفر من المسؤولية بتحميلها للغير، وأنه كان أسير رأي عام، بل يتبع رأي الخبرة العلمية لا الآراء الانطباعية.

8-العكوف على التدين الفردي والشعائري مع إهمال لزوم الجماعة يؤدي إلى شقاقات عند وقوع الأزمات، ونصبح أمام مضاعفة الأزمة لا حلِّها، وهذا معنى .

9-إحياء فقه الجماعة، وفروض الكفايات في الأمة، بدلا من التدين الشخصي المفارق للجماعة والمتسوِّل على أعتاب العولمة.

10-الدين كالكهرباء بين يدي المهندس فإنها تضيء الدنيا، وإذا تعامل معها الجاهل أحرق نفسه وغيره.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

أ.د وليد مصطفى شاويش

 عبد ربه وأسير ذنبه

 15-رمضان -1441

 8-5 -2020

1 thought on “ من يَفْطِم المرجفين في الطب عن الشك بعد تجدد فشو الوباء وكلام في السياسة الشرعية وفقه المجتمع

  1. مايو 8, 2020 - غير معروف

    جزيت الجنة
    زادك الله علما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top