ليس حديثا في تحريم الموسيقى… بل تساؤلات في أنماط التفكير

اتفقت مدارس فقه السلف الأربع على تحريم الموسيقى، وليس هنا موضع مناقشة الحكم الشرعي، ولكن شاع اليوم في فضاء الإعلام حِل الموسيقى عند بعض الدعاة اليوم لعدم كفاية أدلة التحريم في نظرهمـ ولم يقنَعوا بما جاء في مدارس فقه السلف الأربع المتبوعة والمجمع على مرجعيتها الفقهية، وهذا الأمر نفسه كنت قد ناقشته في العديد من الفتاوى الشاذة خلاف مدارس فقه السلف الأربع كالغلو في تكفير تارك الصلاة تكاسلا، وأن جناية ترك الصلاة تكاسلا هي كبيرة دون كفر الملة.

أولا: التحلل هو نمط تفكير:

ولكن التحلل في الفتوى ليس في مسألة واحدة، بل نلاحظ ذلك في مسائل عدة أصبح  الإفتاء فيها بالشاذ هو الأصل، وشاع تتبع الأقوال الفقهية المندثرة، توافق رغبة الجمهور من الفتاوى، التي يمكن أن تجمع لهم بين العاطفة الدينية الهشّة، والميول النفسية الجامحة، فقد كنا سابقا في نقاش هل يجوز الدف للرجال أم لا؟ وشيئا فشيئا تتطورت الأمور وأصبحت تدخل الآلات الموسيقية شيئا فشيئا إلى النشيد الإسلامي، إلى أن أصبحت الموسيقى في الأناشيد الدينية تسابق الأغنية الغربية في أدواتها وآلاتها، لتحقيق المنافسة على استقطاب الجمهور بحجة الدعوة والكلمة الطيبة!.

ثانيا: إدخال اللحن والموسيقى على العبادات:

لم يقف الأمر عند النشيد، بل اقتحم اللحن الموسيقي ساحة الأدعية والأذكار الصباحية والمسائية وغيرها، وبعض هذه الأدعية هي من جمل القرآن الكريم، وأصبح ذلك مألوفا وعاديا في الواقع، وأصبحت فتوى التحريم المتفق عليها في مدارس فقه السلف الأربع، أمرا شاذا يحتاج تمهيدا قبل بيانه، لتشبع الساحة بفتاوى حل الموسيقى، وأخشى أن يأتي يوم علينا أن يقال: إن الذين حرموا الموسيقى هم من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة.

ثالثا: إباحة الموسيقى الهادئة وتحريم الصاخبة:

على كل حال الموضوع هنا ليس في تحريم الموسيقى، ولكن الغريب أن ترى بعض الذين أطالوا الحديث في الاستدلال لإباحة  الموسيقى شرعا، وإدخال الاحتمالات البعيدة على الأدلة الشرعية، يفاجئك بأنه يحرم الموسيقى الصاخبة! مع أنه لا يوجد أدلة شرعية ضعيفة ولا قوية في تمييز تحريم الموسيقى الصاخبة من غيرها، فحرَّم بغير دليل ضعيف ولا وقوي على فرض أنه أباح الموسيقى أصلا، وذلك على نحو يثير الاستغراب بتحريم الموسيقى الصاخبة دون دليل مطلقا، بالرغم من مخالفة الاجتهادات المعتبرة بتحريم الموسيقى باستثناء الدف، في مدارس فقه السلف وما بنيت عليه تلك الاجتهادات من الأدلة.

رابعا: الشذوذ في الفتوى محطات على طريق التحلل:

1-أرجو من العاكفين على البحث عن أقوال مهجورة وفتاوى مطمورة هجرتها الأمة، وجعلوا الشاذ أصلا، والأصل شاذا، أن ينتبهوا إلى أن الشاذ سيستمر بهم إلى حين التحلل الشامل، بسبب نمط التفكير لديهم، فمن لحَّن الأدعية والأذكار الشرعية، سبقه قبل ذلك محطات كثيرة من الاستحلال أولها حِل الموسيقى من حيث المبدأ، وأن الرادع الوحيد له من تلحين القرآن أن الأمر ليس مستاغا في الذوق والشعور عند الجمهور، وهذا الذوق والشعور لا يثبت على حال فقد يتغير.

2- فإذا جازت الموسيقى مع الأذكار والأدعية، ومعروف أن الدعاء هو العبادة، فما الذي يمنع مستقبلا من تلحين القرآن الكريم، إذا أصبحت إباحة الموسيقى أمرا مسَلَّما؟! لا سيما أن المنهج الأصولي في الاستدلال لم يَعُد حاضرا، ولا تسمع إلا احتمالات واهية على الأدلة الشرعية لطرحها وإسقاطها، مما ولَّد حالة من الفتاوى الانبطاحية أمام الواقع، وحالة مُسْلِم زئبقي بشخصية دينية هشة.

3-إن الفتاوى السائلة لا تحيي مجتمعا صارما ثابتا في قضاياه الدنيوية والأخروية، ذلك لأن حواجز الشريعة ومفاصلها في الأحكام أصبح يقفز عليها الكثيرون، وأصبحت أدلة الشريعة خاضعة لاحتمالات واهية، لا تكاد تلك الاحتمالات قادرة على أن تنهض على قدمين، ولكن بعد تجاوز حواجز الشريعة واقتحامها، ورؤية الناس الفوضى في الفتوى، يبدؤون بوضع حواجز من عند أنفسهم، وذلك لكبح جماع اضطرابهم في الفتوى بالشاذ، كتحريم الموسيقى الصاخبة سابقا بلا دليل.

خامسا: إذا جاز تلحين العبادات كالأذكار والأدعية فما حكم تلحين بقية العبادات؟

ولو سألت الذين أجازوا تلحين الأدعية والأذكار مع الموسيقى: ما الدليل على تحريم تلحين القرآن الكريم مع الموسيقى، فإنهم لن يجدوا لأنفسهم دليلا شرعيا مفيدا يُستمسك به، فالدعاء والذكر عبادة والقرآن كذلك، ولكن الذين استباحوا الموسيقى مع الأذكار والأدعية، لن يعجزوا عن تفريق على طريقتهم الاحتمالية دائما، كأن يقولوا: إن القرآن لا تجوز قراءته للجنب بخلاف الأدعية والأذكار، وهذا فرق مؤثر –في نظرهم-في عدم جواز تلحين القرآن الكريم، نقول لهم: ما دام الأمر كذلك، فهناك من الفتاوى الشاذة تبيح تلاوة القرآن ومسه للجنب مطلقا، فهل يجوز لهم تلحين القرآن لأنهم أجازوا تلاوته للجنب؟فبالتأكيد سيقولون: لا، لأن الأمر لم يوافق شعورهم والذوق العام، نقول لهم: قَولكم بإباحة الموسيقى سوى الدّف، هو كقول أولئكم الذين أباحوا القرآن مطلقا للجنب فكلاكما سواء في تتبع الشاذ والاحتمالات، وإسقاط الفتاوى المعتمدة بالروايات المطمورة والأقوال المهجورة.

سادسا: كلام مهم للإمام الشاطبي:

يسرني أن أقدم بين يديك كلام الإمام الشاطبي، في وجوب الوقوف عند مفاصل النصوص الشرعية، وهذا هو الذي يضع حدا للفوضى في المعرفة الدينية ويجعل المجتمع متجانسا، خصوصا في ظل حالة التفتت والتفتيت التي تعاني منها مجتمعاتنا السنية وما تواجهه من تحديات تواطؤ الغزو الخارجي مع الفرق الباطنية، ويزداد الأمر خطورة مع حالة دينية هشة داخلية عند أهل السنة والجماعة، مع غلو مساو له في المقدار معاكس له في الاتجاه، وفيما يأتي نص الشاطبي

قال الشاطبي في الموافقات : لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل؛ لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة؛ لأن الفرض أنه حد له حدا، فإذا جاز تعديه؛ صار الحد غير مفيد، وذلك في الشريعة باطل، فما أدى إليه مثله.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه الفقير إلى عفو ربه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

عمان المحروسة

18-11-2016

5 thoughts on “ليس حديثا في تحريم الموسيقى… بل تساؤلات في أنماط التفكير

  1. نوفمبر 18, 2016 - اسماعيل علي

    بل إنهم لحنوا القرءان سيدي
    وهذا فيديو لحفلتهم على اليوتيوب
    لله المشتكى

  2. نوفمبر 18, 2016 - محمد المحروقي

    بارك الله فيكم يا دكتور
    كلام رائع

  3. نوفمبر 18, 2016 - عبادة الحياري

    جزاك الله خيرا دكتور . مختصر مفيد . واسمح لي بنقل المقال ونشره

  4. نوفمبر 23, 2016 - منال البابلي

    تأصيل رائع يا دكتورنا الفاضل نفع الله بكم الاسلام والمسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top