ليس الخلل في الكلي كالخلل في الجزئي منزلة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أم لا والبحث غير المكتمل

تمهيد:

ثار نقاش في منزلة والدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أم لا، وكان القطع بالنار لهما لدى البعض، وغلب على مدعي القطع الاكتفاء بشرح منطوقي حديث صحيح مسلم، دون أن يربط ذلك بالأصول والقواعد على النحو المعروف في الصنعة الأصولية، أما الصنعة الحديثية فهي تبين منطوق الحديث، وخطاب المجتمع يكون بهما، للتعبير عن تكامل علوم الشريعة، وإن صناعة الصدام  المفتعل بين علوم الشريعة لا علاقة للشريعة به.

الغاية من المقالة:

1-إبراز مثال على القطع فيما لا قطع فيه، وتمييز مسائل الإجماع من الاجتهاد.

2-بيان أن أدلة الشريعة تدل على أحكامها بمجموعها لا بأفرادها، والقرآن الكريم بيان وبلاغ بمجموعه لا بآية دون أخرى.

3- توضيح نموذج ترتيب الجزئيات تحت الكليات.

أولا: عرض النصوص التفصيلية الناطقة بالعذاب:

1-جاء في صحيح مسلم عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، فلما قفى دعاه، فقال: «إن أبي وأباك في النار».

2-وأيضا في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي».

ثانيا: الأصول الكلية:

1-البراءة الأصلية:

أ-أدلة البراء الأصلية:

وهذه البراءة ثابتة بالشرع وهي في رتبة الكليات، وهذه النصوص هي:

قال تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا)،

قال تعالى:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)

قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ).

ب-القوم لم تبلغهم الدعوة بنص الكتاب:

وقد ثبت بنص الشرع أن قوم النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير، قال تعالى:(لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)، فماذا يقول من قطع بالعذاب على والدي النبي صلى الله عليه التي هي أصول كلية وليست فقط نصوصا جزئية، وكيف يجمع بين أدلة الشريعة، ونحن مسلِّمون أن أدلة الشريعة يدل بعضها على بعض، وعلى فرض السلوك مسلك الترجيح، فينخرم الجزئي ولا ينخرم الكلي، لأن انخرام الكليات يعني انهيارا شاملا في جزئيات الشريعة الـمُحمَّلة عليها، وتفكيك الشريعة وانشطارَها، وجاء في المراقي مبينا أن مسألة أهل الفترة مسألة خلافية فقال:

ذو فترة بالفرع لا يراع***وفي الأصول بينهم نزاع

3-الحسن والقبح باعتبار الشرع:

قد يقول قائل إن ترتب الجزاء الأخروي ثوابا وعقابا على العقل ولا شك أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم كانا عاقلين، فنقول له:  إن أصول الشريعة مصرحة، والمحكمات من الآيات صادعة، بأن الثواب والعقاب لا يكونان إلا بعد ورود الشرع على لسان الرسول، وهذا الأمر لا تدركه العقول مستقلة، ولكن يفهمه العقل من خطاب الشارع، ولا تكليف إلا بعد ورود الشرع.

4-مذهب المعتزلة في التحسين والتقبيح:

خالف المعتزلة وقالوا إن ترتب الجزاء الأخروي ثوابا وعقابا مترتب على العقل، ولا يتوقف على بعث الرسول، واستدلوا بأدلة تثبت العذاب لأهل الفترة مع عدم بلوغ الرسالة كالحديث في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم، أنهما في النار بالرغم من عدم بلوغهم الدعوة، فقد قال الله فيهم (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)، هذه مما يستدل به للمعتزلة في مذهبهم، أن العذاب واقع ولا يتوقف على بعث الرسل، وخالفوا أهل السنة والجماعة في أصولهم التي بنوها على قوله تعالى:( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا) .

ثالثا: مراد الشارع يكون بالجمع بين الأدلة:

إن التعامل مع أدلة الشريعة بالقطعة، حيث يقرأ أحدهم نصا ثم يجتهد في فهمه، دون الجمع بين الأدلة هو حالة نمطية  سائدة، وظاهرة دينية اجتماعية، وكثيرا ما كتبتُ عنها، وحذرت من الفتاوى الشاذة وخطورتها على الشريعة، وأكدت أن نصوص الشريعة مثل الفسيفسات الجميلة، التي يُكوِّن منها المجتهد لوحة بارعة تنتظم فيها الأدلة في نفسها.

رابعا: الهندسة الأصولية:

وكأن المجتهد مهندس النصوص، يجمعها، مرتِّبا الجزئي تحت الكلي، ومبينا رُتَب الأدلة وعلاقاتها، فتظهر بين يديه الهيئة الاجتماعية للأدلة، ثم تدل الصورة المجتمعة من الهيئة الاجتماعية من الجزئيات والكليات على مراد الشارع، أما النص مجتزأ وحده دون بيان موقعه في الصورة فهو تحصن بالمتشابه، وقذف للمحكمات، لأنه يمزق صورة الشريعة، ويحطم إطار الكليات المحيط بها، مم يفقدها  التماسك والقوة، ثم ما تلبث أن تتحول  الشريعة إلى مرحلة السيولة، يمكن توظيفها إلى أي اتجاه سواء للدولة أو الحزب أو الجماعة.

خامسا: أهمية أصول أهل السنة في تفسير الحديثين:

لاحظنا خطورة قول المعتزلة ومخالفتهم لأهل السنة والجماعة في الاستدلال بتلك الأحاديث وغيرها  في ردهم على أصول أهل السنة والجماعة، وهذا يوجب البحث في الدلالة للحديثين الشريفين، لأن مسلك الترجيح سيرجح الأصول الكلية الثابتة بالكتاب وطرح النص التفصيلي، بمعنى أن مسلك الترجيح سيطرح الدليل الجزئي من السنة في الحديثين مقابل الأصل الكلي من الكتاب، لا أن يُطرح الكلي ويثبت الجزئي، وهذا ما يقتضيه مسلك الترجيح، وهذا لا ملجيء إليه إذا أمكن الجمع.

سادسا: ترتيب الحزئي تحت الكلي:

هناك طرق للجمع عديدة وأبين وجها واحدا لكل حديث للكفاية لأن التأويل يستمد قوته من الكلي في الكتاب العزيز كما بينته في (ثانيا).

1-والد النبي صلى الله عليه وسلم:

أما الحديث في والد النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن حمل قوله صلى الله عليه وسلم   «إن أبي وأباك في النار»، أنه استعمل الأب في الدلالة على العم فيكون عمه أبو طالب، واستعمال الأب بمعنى العم معروف في لسان الشارع، في قوله تعالى (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) فسموا إسماعيل أبا وهو عم، ويحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على معنى العم، وهذا الاستعمال ثابت بالشرع كما علمت، وقاله النبي صلى الله عليه مواساة للرجل.

2-والدة النبي صلى الله عليه وسلم:

أما في أم النبي صلى فقد نهى الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لها لأنها ليست مسلمة وهذا لا يدل بمنطوقه أنها من أهل النار، فهذا مسكوت عنه، والمنطوق فيها هو قوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا)، وعليه فإن عدم الاستغفار لها لأنها ليست مسلمة من أهل التوحيد، وهذا شأن أهل السنة والجماعة مع أهل الفترة، وهو أن الله تعالى يبتليهم يوم القيامة، فمنهم من يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار، ونرجو لوالدي النبي صلى الجنة بفضل من الله تعالى.

3-نماذج أخرى من الجزئي:

إن ما ورد به النص من أسماء استحقت العذاب كعمرو بن لحي، وابن جدعان، وأبوي النبي صلى الله عليه وسلم، نصوص في أسماء خاصة، يمكن أن تؤول كل حالة بحسبها في ضوء الكليات، كأن يقال في عمرو بن لحي إنه غير دين إبراهيم وشرع الشرائع وأدخل عبادة الأصنام فبلغته دعوة إبراهيم عليه السلام صحيحة، وكعلم الله تعالى بكفر الصبي الذي قتله العبد الصالح في قصة موسى عليه السلام، وليس كذلك والدا النبي صلى الله عليه وسلم، والخلاف في أهل الفترة معروف، وهم الذين ما بلغتهم دعوة النبي السابق ولا أدركوا النبي اللاحق.

4-كيف يكون الاعتراض:

  التفاسير التي بينتها مستمدة من الأصول في ثانيا، ومعروف أن الجمع بين الأدلة يكون بأدنى، سبب، لأن تعذر الجميع يعني سلوك مسلك الطرح، وعلى المعترض على التفسير أن يقدم تفسيره على ضوء أصول أهل السنة لا  على أصول المعتزلة، ويفتح الباب مواربا لباب الاعتزال، كما هو الحال في الغلو في الظواهر الذي أدى إلى فشو الطوائف في مساجد أهل السنة، ومن علامات البدعة الفرقة، ومن علامات السنة الجماعة، والجمع بين الجزئي والكلي هو منهج سني وكلي من كلياتهم.

5-الخلاصة في الرد على المعتزلة:

إن المعتزلة تتبعوا أدلة جزئية في إثبات التكليف بالعقل مستقلا قبل ورود الشرع، وهجروا الأصول الكلية، فأخذ بعضا من الكتاب وهجر بعضا، وقد فرقوا دينهم، وهجروا الأصول وتتبعوا المتشابه ويصدق فيهم قوله تعالى (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ )فاحتجاجهم بأن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في النار مع عدم بلوغ الدعوة ليس في محله لأنه هدم الأصول في (ثانيا) أما أهل السنة والجماعة فإنهم يردون على المعتزلة بما بينته في طرق الجمع، وأن الجمع ممكن وعلى هذا فأصل أهل السنة ثابت والأدلة الجزئية ثابتة أيضا، ولا يجوز سلوك مسلك الترجيح بطرح السنة وأنها مخالفة للكتاب، بل هي مصدقة مبينة كما بينته في (سادسا).

أخيرا: خلاصة الخلاصة:

1-من تتبع الظواهر تناقضت عليه الأدلة وتشابهت، حتى يردها إلى محكماتها.

ليست الغاية من المقالة الانتصار لقول دون قول بقدر ما هي مقالة في منهج الجمع وعدم جواز القطع فيما لا قطع فيه.

2-خطورة توهم أن أحاديث الصحيحين توهم مخالفة الكتاب ثم طرحها في مسلك الترجيح وقد يكون ذلك مقدمة للغمز في الصحيحين.

3-خطورة هدم أصول الشريعة الكلية بالنصوص الجزئية، وضرب الكتاب بالسنة، وهذا من علامات اتباع المتشابه وهجر المحكم.

4-الطوائف جميعا تحتج بالكتاب والسنة، ولكن مشكلتهم أنهم فرقوا دينهم في عدم العمل بجميع ما جاءهم عن ربهم فهم يأخذون بعض الكتاب ويهجرون بعضه.

5-ما ورد من أقوال في شرح الحديثين في مصادر شرح الحديث عند أهل السنة والجماعة هو ما تقضيه صناعة شرح الحديث وهو ما يمكن أن يدل عليه الحديث من معاني، ولا يتعارض مع الصنعة الأصولية المعنية بحراسة الأصول وترتيب الجزئيات والتفصيليات، ولا يجوز صناعة الصدام بين الصنعة الحديثية أو تفسير القرآن مع الأصول لأن الأصول هي منهج تفسير الكتاب والسنة. 

6-المسألة لا يترتب عليها فرع فقهي في الدنيا، وما ينبغي أن تأخذ مساحة كبيرة على حساب المسائل الفقهية ذات الأولوية كفقه المجتمع، والمعاملات، وشأن السلف هو البحث فيما تحته عمل.

7-إن الحديث في منزلة والدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ليس حديثا عاطفيا بل هو ممكن شرعا.

8-إن المشكلة ليست في نتائج البحث التي قطع فيها بأن منزلة والدَيّ النبي صلى الله عليه وسلم في النار، بقدر ما هي في مشكلة الحالة النمطية مع أدلة الشريعة بعدم الجمع بين الأدلة وترتيبها والغلو في الظواهر.

9-إن نصوص الشريعة في أغلبها محتملة الدلالة من حيث انفرادها، ولكنها بيان شاف من حيث اكتمالها في الهيئة الاجتماعية بالجمع بين الأدلة وتصبح الصورة عندئذ واضحة.

10-ما يصححه الفقهاء والأصوليون من معاني أحاديث صحيحة المعنى وإن لم يصح سندها فهم يعتبرون معناها الموافق لأصول الشريعة، وهو استدلال بالمعنى المندرج تحت أصل شرعي لا بالسند الضعيف.

11-فشت حالة الإكثار من النقول والنصوص على طريقة نشرة الأخبار دون بيان طرق الجمع الأصولية بين الأدلة، حيث يحرص الناقل على التأثير النفسي في القاريء أوالسامع، بكثرة النقول للإيهام بالحقيقة وكثرة الأدلة.

12-إن سرد أدلة الشريعة دون بيان مراتب الأصول والكليات وترتيب الجزئيات، أدى إلى تضارب شديد في الأقوال الدينية، التي تنتهي جميعا إلى حالة إنكار الجميع على الجميع، وتؤول إلى حالة عدمية، ويتوهم صاحبها أنه على كتاب وسنة، وما هو إلا كقابض على الماء خانته فروج الأصابع.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

أ.د وليد مصطفى شاويش

 عبد ربه وأسير ذنبه

 25-رمضان -1441

17 -5 -2020

3 thoughts on “ليس الخلل في الكلي كالخلل في الجزئي منزلة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة أم لا والبحث غير المكتمل

  1. مايو 18, 2020 - غير معروف

    بورك قلمك

  2. مايو 18, 2020 - Raed

    ما شاء الله
    مقال رائع فيه تفصيل غاب عن بعض المقالات السابقة
    نفعنا الله بعلمكم

  3. مايو 22, 2020 - غير معروف

    تفسير منطقي للنصوص وجمع بينها بطريقة أهل السنة التي غابت عن الكثبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top