قاعدة الفرق بين تضمين الصُّناع وتضمين العامل في القراض

تمهيد: توضيحات:

الضمان والأمانة:

عندما نقول يد الضمان أي أن من تحت يده الشيء يضمن مطلقا، كمن أقرضته نقودا أو طعاما، فهو ضامن مطلقا قصر أو تعدى أم لا، ولو كان الهلاك بأمر سماوي لا يد له فيه كحرب أو حريق عام أو زلزال أو فيضان. أما الأمانة فالأصل فيها عدم الضمان، إلا إذا ثبت التعدي والتقصير، كما هو الحال في العامل في القراض، وكانت يد الصناع يد أمانة كالعامل في القراض، ولكن لما تهاون الصناع وتلفت أموال الناس قضي على الصناع بالضمان في الأصل، وهو أنهم يضمنون، إلا إذا أثبتوا عدم التعدي والتقصير.

الصانع:

هو الأجير الذي نصب نفسه لخدمة الجمهور وهو الأجير المشترك، مثل صاحب المصبغة، ومصلح الهواتف، والأدوات الكهربائية، ويضمن التالف تحت يده، أو يثبت أن التلف دون تعد منه أو تقصير.   

العامل في القراض:

من يتجر بمال الغير دون عمل من صاحب المال، ويكون الربح بينهما بحسب ما يتفقان عليه، والقراض اصطلاح الحجازيين، والمضاربة اصطلاح العراقيين، وهذا العامل يده يد أمانة وإذا حصل تلف فإنه مصدق، وعلى رب المال أن يثبت دعواه في التعدي والتقصير.

1-الأمانة:

أ-لا شك أن الإنسان يستأجر الأمين، أما الأجير المشترك كصاحب مغسلة الثياب، فيتعامل معه الناس على أساس العمل المعلوم مسبقا، وهو كي الثياب وغسلها مثلا، ولا يبحث الواحد منا عن أمانة صاحب المصبغة، أو مصلح الأدوات بل يسأل عن كفاءته الفنية، والالتفات إلى الأمانة لا يكون أمرا جوهريا.

ب-أما العامل في القراض فإن الأمانة أمر جوهري، لا سيما أن العمل غير معلوم وعلى العامل أن يبذل كل وسعه في التَّجْر لتحقيق الربح، هو مُصدَّق في دعوى التلف، لأن رب المال لم يدفع المال له إلا وقد رضي بأمانته، خلافا للأجير، فيمكن للواحد منا أن ينزل إلى المحطة التي يلتقي فيها العمال، ثم يعود ببعضهم وهو لا يعرف أمانتهم ولا أسماءهم، أما في القراض فإن صاحب المال دائم السؤال عن أمانة العامل قبل أن يقارضه.

2-ربح ما لم يضمن:

إن الأجرة والعمل مع الأجير المشترك معلومان، بينما في القراض فهما مجهولان في القدر، وإن كانت نسبة التوزيع في القراض المعلومة، لكن يكثر الربح وقد يقل وقد يعدم، فإن ضمن العامل المال، ولو لم يقصر ويتعدى وربحت التجارة، كان بالنسبة لرب المال ربح ما لم يضمن.

3-الربح والخسارة تبع للملك:

مع ملاحظة أن المال في القراض باق على ملك رب المال، وليس ملكا للعامل، والربح والخسارة تابعان للملك، ورب المال هو المالك، ونقل الضمان للعامل دون تعد وتقصير منه يعني مناقضة طبيعة الملكية، بينما   تضمين الصناع قام على اتهامهم بالتعدي والتقصير في الحفظ وهو من شأن الإجارة، بخلاف التجارة فالربح والخسارة من طبيعتها، وليس من طبيعة الإجارة الإتلاف  .

4-الشبه بالربا:

لا وجه للمشابهة بالربا بين الأجير المشترك والمستأجر، خلافا للقراض فإنه إذا ضمن رأس المال فإن على العامل أن يعوض رب المال عن خسارة ماله من مال العامل، فيكون مال رب المال يربو في أموال الناس، بالرغم من وقوع خسارة في التجارة لطبيعة التجارة نفسها، وهذا ليس موجودا في حالة الصناع، بل إن الشبه بين القراض والقرض جاء في الاشتقاق أيضا فكلاهما قرض للمال وإعطائه للغير، وليس كذلك في الإجارة.

ثالثا: الثمرة في الفروع:

1-مثال على ذلك إذا مات العامل في المساقاة أو الأجير المشترك فإن لوارثه أن يأتي بعامل يعمل خلافا للقراض، ففي حالة موت العامل فللوارث أن يخلف مورثه إن كان الوارث أمينا، فإن لم يكن كذلك فعليه أن يأتي بأمين، أو تعود البضاعة لرب المال على ما هي عليه لرب المال لأنها ماله.   

2-لا يجوز للعامل أو رب المال أن يهدي أحدهما الآخر هدية غير معتادة لشبهة الربا ، فيهدي العامل رب المال ليبقي رب المال المال بيد العامل، فيكون رب المال تكسب بالمال لا من الربح، أو أن رب المال يهدي العامل ليتجر له في ماله، فيديم العامل العمل لأجل الهدايا وليس لنجاح المشروع التجاري الذي هو قوام النشاط الاقتصادي الحقيقي، والشرط الشرعي أن العامل يكسب من الربح، لا من العلَفْ المقدم من رب المال.

رابعا: الحيلة على الشريعة بنقل إثبات التعدي على العامل:

يمكن أن يحتال رب المال على الشريعة بتحويل الضمان على العامل باشتراطه على العامل إثبات عدم التعدي والتقصير، فتصير البينة على من أنكر التقصير ويجب على المنكر أن يقيم الدليل على إدانه نفسه مع أن الأصل براءة الذمة في المدعى عليه، وبالحيلة صارت البينة على من أنكر، ويصبح العامل بين أمرين إما أن ينكر ويضمن، وإما أن يقيم البينة على تعديه ويضمن أيضا، وهذا النوع من الحيل يعجز عنه أصحاب السبت من بني إسرائيل.

خامسا: الأثر الايجابي للشروط الشرعية على الاقتصاد:

1-عندما حرمت الشريعة أن يكون مال القراض مضمونا على العامل، خلافا للقرض المضمون، قد ضمنت أن تعامل رب المال مع العامل قائم على جدوى حقيقية للمشروعات التي يتجر فيها العامل، وأن الربح حقيقي في إضافة سلع ومنافع جديدة للاقتصاد، فكفاءة العامل ونشاطه التجاري المنتج فعلا، هي الضمانة التي تريدها الشريعة.

2-لا أن يتكيء رب المال على الضمان، وتكون الجدوى الاقتصادية متأخرة عن الضمان في الأهمية، بل إن إلغاء الضمان ابتداء من عقد القراض، يعني أن فرصة الربح لرب المال  بالتأكد من أمانة العامل وكفاءة النشاط التجاري، ونصبح عندئذ أمام استثمارات حقيقية، لا حصد أرباح وهمية في المصافق (البورصات)، ثم بعد ذلك نشهد انهيارا مفاجئا في المؤسسات، التي تقوم على العَلَف الذي يعلِفه العامل لرب المال في مؤسسات خاسرة.

سادسا : الفقه بتحقيق المناط:

إن اللغة الفقهية استخرجت مناطات الأحكام من أدلة الشريعة، ثم جعلت هذه المناطات بمثابة لغة برقية للمختصين في تعليل الأحكام وبيان مدركاتها التي بنيت عليها، وتمثل هذه المناطات أيضا لافتة للدلالة على مصادر أدلة الشريعة في مواطنها، وهذه المناطات هي الميدان الذي يتقوى فيه طلبة الفقه على التعليل وتنمية ملكة الاجتهاد، لبناء مجتمع العدالة والأمن.

*الخلاصة:

1-يحرم بأي وجه من الوجه اشتراط الضمان على العامل في القراض، إلا في حالة التعدي والتقصير.

2-الحيل الربوية تهدم الشريعة ومقاصدها.

3-الشروط الشرعية في المعاملات هي شروط حمائية للاقتصاد.

4-يمثل القراض هوية بارزة في الاقتصاد الإسلامي، وأنه اقتصاد حقيقي خلافا للاقتصاد الرأسمالي الرمزي القائم على العَلَف، الممهد للأزمات الاقتصادية ونوبات الصَّرَع الرأسمالي.

5-مناطات الأحكام في الفقه هي لافتات رابطة بين الفقه ودليله في الشريعة.

6-التمييز بين الفروق المؤثرة في الأحكام والفروق الطَّردية غير المؤثرة ينمي ملكة الاستدلال والنظر في الشريعة.

7-دقة الفرق بين الربا والبيع، وقد يلتبسان، والمفزع في ذلك إلى أئمة النظر ونحن عالة عليهم.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان المحروسة

 18-ذي القعدة -1441

9 -7 -2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top