قاعدة الفرق بين المصلحة الشرعية الأخروية والمنفعة الغربية الدنيوية

الكلمات المفتاحية:

النقابات،المصلحة الشرعية، علم المقاصد، المنفعة الغربية،  مصدر الحق، الرأسمالية، العدالة، ضوابط المنفعة، مؤسسات مجتمع العمران، 

تمهيد:

لا شك أن الفقه يكمن في إدراك الفرق،  وكان للقرافي المالكي القِدْح المعلى في هذا المجال في كتابه المشهور بالفروق، وهنا لا بد من التنويه بشيخه الشافعي العز بن عبد السلام الذي كان له فضل على التلميذ في مجال الفروق، وبما أنه قد استجدت أمور وحوادث فلا بد من الاستمرار في علم الفروق خصوصا مع حالة الاشتباه الحاصلة اليوم بين مصطلحات الشريعة ومفردات الفكر اللاديني الغربي والرأسمالي، وقد تحدثت سابقا عن بعض الفروق كالفرق بين الفتح الإسلامي والاحتلال العسكري، أتحدث اليوم عن الفرق بين المصلحة الشرعية والمنفعة الدنيوية.

أولا: من حيث امتداد الزمان:

1-المصلحة الشرعية ممتدة الأثر في الزمان إلى الآخرة:

أمر الله تعالى بالحق وشرح للناس ما ينفعهم في دارهم الدنيا، كالزواج لبقاء النوع، والبيوع لبقاء العيش، والحدود لبقاء المجتمع، وهذه منها ما هو مشروع بجزئه وتفصيله كالبيوع المباحة، ومنه ما هو مشروع بجنسه كالمصلحة المعتبرة التي لم تصادم دليلا تفصيليا ولكنها مندرجة تحت جنس المصالح مثل المباني الحديثة وشق الطرق، وتنظيم الجامعات فهذه معِـيْـنة على الاستخلاف في إقامة الدين وأثرها ممتد للآخرة لما فيها من الإعانة على القيام بواجبات الشريعة، وعليه فالمصلحة الشرعية في الدنيا يمتد أثرها إلى الآخرة.

2-المنفعة الغربية مؤقتة في الدنيا فقط:

أما المنفعة الدنيوية الغربية فهي لا تتقيد بنص جزئي شرعي فقد تصطدم مثل منفعة الربا والقمار والبيوع الفاسدة، وتحقيق المكاسب عن طريق النفوذ وقوة الضغط وهو ما يعرف في المذهب المالكي بثمن الوجه الحرام، وكتوجيه نتائج البحث العلمي لصناعة أسلحة مدمرة للإنسانية، فهذه المنافع الدنيوية لا يلتفت أصحابها إلى امتدادها لما بعد الموت فهي مؤقتة محدودة.

ثانيا: من حيث المجتمعية والفئوية: 

1-المصلحة الشرعية عامة مجتمعية:

تعتبر المصلحة الشرعية ذات منفعة لعموم المجتمع، فيعود أثر الصناعات، والتجارة المشروعة بالمصلحة على الجميع، فأجازت الشريعة بيع الطيبات وحرمت المسكرات والخبائث، فبيع الخمر قد يعود بالنفع الدنيوي على التاجر، لكنه يضر بباقي المجتمع، وكذلك يقال في عُلب الليل (النوادي الليلية)، واليانصيب المسمى خيري، وما هو بخيري،   بل هو أكل لأموال الناس بالباطل، لصالح فئة محدودة، ولا ننسى هنا منفعة الربا التي تجعل المال دولة بين الأغنياء، فهو منفعة خاصة وضرر عام.

2-المنفعة الغربية الدنيوية فئوية قاصرة:

إن المجتمع الغربي يقوم على التناقض بين المصالح، لعدم وجود مرجعية عليا تحدد الحق، ونشأة الحق تكون بحسب ما تقررها المؤسسة التشريعية، التي تعكس مواطن الغلبة والكثرة، والأقوى هو الذي يحدد الحق بحسب الأكثرِ مالا والأعزِّ نفرا، وهو ما أنتج صراعا طبقيا رأسماليا بين الحاكم والمحكوم، والرجل والمرأة، والعامل وصاحب العمل، ونشأت النقابات بوصفها وسيلة ضغط مقابلة على أهل الحل والعقد في النظام الرأسمالي من رجال الأعمال وإقطاع الشركات الكبرى، أما الفئة الثالثة الضعيفة كالمرضى والفقراء فهذه لا تملك نقابة كنقابة الأطباء والممرضين والمعلمين وهي طبقات غير قادرة على الضغط وإنشاء الحقوق وتحصيلها، وجميعها تنتهى إلى المرجعية النهائية للإنسان، ولا علاقة لها بالسماء، وهؤلاء الضعفاء بطن الأرض أولى بهم من ظهرها في التقليد الرأسمالي الشرس، الذي ضرب بأطنابه بين المسلمين.

ثالثا: من حيث  الضبط:

1-الضبط في المصلحة الشرعية:

يشترط في المصلحة الشرعية أنها منفعة معتبرة لا تصادم دليلا تفصيليا، كالربا والخمور، واعتبرت الشريعة هذه مصالح مهدرة وإن جلبت منفعة للمقرض والمقترض، أو لذة الخمر للشارب، والمال للخَمار، والربح للمحتكر والمرابي، ولكن هذه المصالح الفئوية ملغاة شرعا، ولا تعتبر من المنافع التي يصح أن تكون محلا للتعاقد عليها، والعبرة باعتبار العموم فالخمر والميسر فيهما منافع ولكن الله تعالى قال فيهما: وإثمهما أكبر من نفعهما، وهذا نظر باعتبار النفع الكلي العام، لا باعتبار الجزئي الخاص .

2-الضبط في المنفعة الدنيوية :

بينما نجدها في المنفعة الدنيوية  تقاس باللذة، كتجارة الخمر والمواد الإباحية، ودور الخنا التي تسمى نوادي ليلية، مع أنها ليست لها قيمة مالية شرعا، ومثلها أيضا تجارة الرياضة اليوم حيث أصبحت تجارة اللذة الزائلة التي يوقع في الشيطان العداوة والبغضاء بين الناس، وتحقق أرباحا طائلة للرأسمالية الغربية، من جيوب شعوب مرهونة لحساب خدمة الديون.

رابعا: من حيث الأصل والمنشأ:

1-المصلحة الشرعية منشؤها الحق النازل من السماء:

إن الحق الثابت على الثروة ومنافعها، وحقوق الأسرة، وحقوق مجتمع العمران بين الحاكم والمحكوم مقررة بالأصالة من قبل الشرع، قال تعالى وقل الحق من ربكم، ونجد أن المصالح تتحقق بقوة الشرعية، لا بشرعية القوة.

2-المنفعة الدنيوية الغربية منشؤها القوة الدنيوية وليس الحق.

بينما نرى المنفعة الدنيوية تتقرر بقوة الضغط نتيجة وجود فراغ في قوة الشرعية التي يملكها الإسلام، لأن الفلسفة الغربية تؤمن بأن الحق وضعية إنسانية وهو فكرة وليس نازلا من السماء، فلم يبق عندئذ إلا شرعية القوة، فهذه البرلمانات تقوم على قوة الضغط في إنشاء الحق، واكتسابه لمن هو أكثر مالا وأعز نفرا، وكذلك النقابات في المجتمع الغربي نشأت لأن الحق فكرة وليس نازلا من السماء والقوة هي التي تنشيء الحق، وهي التي تحصله، وهي والبرلمانات والمصارف الرأسمالية  تمارس سلطة في إنشاء الحق وتحصيله على ظهور الضعفاء، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، كالمرضى والفقراء وهم أشد الناس عوزا ولا يملكون أدوات ضغط أصلا. 

 وكذلك الحال في التشريعات القانونية التي تخدم البنوك التي تمارس سلطة رأس المال، والنقابات بشتى أنواعها التي تتخذ من القوة وسيلة لإنشاء الحقوق، فهذه جميعا فلسفة رأسمالية مرجعيتها فكر الإنسان خلافا للشريعة الإلهية العادلة، والخلاصة لا ظلم في الشريعة ولا عدل خارجها.

خامسا: البديل الشرعي للمنظومة الفلسفية الرأسمالية البشرية:

 أما البديل الحق في الإسلام فهو بناء مؤسسات العدالة الموضوعية التي تقوم على الكشف العلمي بالاستنباط من الشريعة بقوة العلم والشرعية لا بشرهي القوة والضغط، ولا بد من إعداد فقهاء مخضرمين في التخصص الدقيق الذين يستندون إلى الخبرة الطبية والاقتصادية وسائر الخبرات التي تعُين على فهم محل الحكم في الواقع لتنزيل الحكم الشرعي على محله بدقة، وهذا هو الذي يمكن أن يخلصنا من نوبات الصرع الرأسمالي في أزماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

سادسا: متى يجوز الضغط في ميدان الحقوق:

عندما تقرر الشريعة الحق من جهة عادلة خارج المتخاصمين الذين يتعذر منهم الحياد بسبب تضارب المصالح، تأتي الشريعة مبينة للحق البين، وبعد ظهور الحق يجب تأتي القوة لتحصيله ورده لأصحابه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقضاء الشرعي والسياسات الشرعية ومؤسسات مجتمع العمران الإسلامي كالنقابات، التي تشكل المراقب الشعبي على حماية الحق الشرعي وتنفيذه وليس تأسيسه وإنشائه.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

20-محرم-1441

20-9-2019

عمان المحروسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top