قاعدة الفرق بين الحرية في الإسلام والحرية في الفكر اللاديني

تمهيد:

تطرح الحرية حاليا ضمن استعمالات عدة، حرية التعبير والاختيار السياسي، والحرية في الجانب الشخصي على أن هذه الحرية في الفكر اللاديني تبقى مقيدة بالقانون، بينما نشهد غيبة في معنى هذه الحرية في الإسلام، وبناء عليه فإنني سأفرق بين الحريتين الحرية في الإسلام والحرية في الفكر اللاديني.

أولا: من حيث المعنى:

أ-في الإسلام:

قال تعالى (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)آل عمران، حيث تنتهي تفسيرات المفسرين على أن التحرير هو العبادة الخالصة والتفرغ لخدمة بيت الله تعالى، فهو معنى متضمن في معنى الانعتاق الإنساني من جميع المؤثرات الأرضية من غرائز ورغبات والتحرر من قيود المادة وأن ذلك يكون بالإسلام والانقياد للخالق، مما يعني أن كلمة الحرية وإن وردت بهذا الاشتقاق نادرة في القرآن، إلا أن العبادة التي هي مرادف للحرية من حيث اشتراكهما في الانقياد التام والاستسلام لله تعالى والتحرر في الاعتقاد والسلوك من الإذعان للمخلوقات.

ب-في الفكر اللاديني:

إن الحرية في الفكر اللاديني تكمن في إطلاق الغرائز في المجالات التي سمح بها القانون البشري المتمرد على خالقه، حيث يعتقد الإنسان في هذه الحرية أن الحق فكرة في رأس الإنسان ليس نازلا من السماء تصبح إرادة في صندوق الانتخاب، حيث يكون الإنسان هو المرجعية النهائية وليس الله تعالى.

ثانيا: الحرية بين الاختيار في الإسلام والقهر في الفكر اللاديني:

1-استبداد الحرية في الفكر اللاديني:

إن تقرير أن الحق فكرة ثم إرادة في صندوق الانتخاب ثم تجتمع هذه الإرادات لتشكيل إرادة مغلظة هي البرلمان، تعود على تلك الإرادات الفردية التي شكَّلتها ثم تستبد الإرادة المغلظة بالإرادات الفردية في مظهر استبداد المجموع بالفرد الذي كان سببا في ولادة المجموع، في حالة تبين إعادة ولادة الكهنوت وإنتاج استبداد الأكثرية الذين هم أكثر مالا وأعز نفرا، وتنهي إلى أن يكون الإنسان حاكما ومحكوما في لاهوت الحرية ولكن في معبد الاستبداد.

2-حرية التعبير وعبثية التفكير :

أ- تموضع علم الأصول:

لقد تأخر تَـمَوضُع علم الأصول الإسلامي في مواجهة الفكر اللاديني، فلم تزل الذخائر العلمية تملأ مستوعات الأصول، ولكنها ما زالت في مادتها الخام التي تحتاج إلى تكرير لإعادة تموضعها في مواقعها الطبيعية على الساحة الفكرية.

ب-أمثلة على غزو العولمة:

 فعندما ترى من الكتاب المسلمين من يتكلم عن الأحكام الشرعية ويصفها بالفكرة، كالقول بفكرة الحدود، أو فكرة التعدد، فهذا يعني أن عولمة الفكر اللاديني تسللت إلى ساحتنا العلمية وأصبحت مفردات العولمة تحل مكان الاصطلاحات الشرعية، فالأحكام الشرعية هي علم الله وحكمته، ولا يجوز وصفها بأنها أفكار لأن الأفكار منتج بشري، تنظر إليه العولمة اللادينية أنه حرية، بينما نراه نحن استعبادا للميول والمزاج،  ولكن مع الأسف اختلطت حرية التعبير بعبثية التفكير.

ثالثا: بين الحرية والعبثية نرى إحياء المسؤولية:

كثيرا ما تتردد عبارة حرية التدين في الفكر اللاديني على نحو يتقرب من عبثية التفكير أكثر من مسؤولية الاعتقاد،  فبينما نرى أن الإسلام أحيى مسؤولية الإنسان عما يعتقد ويقول ويسمع،  وإن معنى المسؤولية معنى رفيع يليق بعقل الإنسان، خلافا لحالة العبثية في الفكر، التي تنتهي بالإنسان أن يغير فكره كما يغير حذاءه، ومن يمشي مكبا على وجهه يصبح مثلا يحتذى،  

رابعا: بين شرك الطبيعة وشرك الأصنام:

1-شرك الأصنام:

إن القول بأن قوانين الطبيعة قوانين لها تأثير في خلق نتائجها يعني عبودية الإنسان للطبيعة ما دام أن التأثير للطبيعة وليس لله تعالى، وهو وهم وقع فيه العرب في الجاهلية حيث اعتقدوا أن للأصنام تأثيرا في الخلق والشفاعة، ولكن جاء الإسلام بتحرير الإنسان من عبودية المخلوقات  إلى عبادة خالقها، وإن تقرير أن قوانين الطبيعة هي المؤثرة في خلق النتائج يعني استبدالا للصنم بصنم آخر، وليس حرية بالمرة.

2-الشرك الخالص:

 ويجعل هذا الوهم أن الإنسان عابد لهذه الطبيعة مما يعني أننا أمام طور متقدم لعبودية الأصنام، وهو أن كل شيء أصبح صنما لما فيه من قوانين مؤثرة في الخلق، فإن كان العرب عبدوا أصناما معدودة،  فنحن نرى في الفكر اللاديني في الطبيعيات أمام تحويل كل شيء إلى صنم، وهو الشرك الخالص .

خامسا: الإسلام ينفي صنمية الطبيعة ويعلن الحرية التامة للإنسان بنبذ الشرك:

أ-الحرية اللادينية وعبودية الطبيعة:

إن الحرية المزعومة في الفكر اللاديني تنطوي على عبودية للطبيعة، فبعد أن قرروا تأثير القوانين في الإيجاد والخلق،  ثم توهموا أن السلوك البشري يخضع لقوانين الطبيعة، فأصبحوا يفسرون الشذوذ الجنسي طبيعيا لأنه استجابة للإفرازات البيولوجية وأن الفقر وشح الموارد ظاهرة طبيعية تملي علينا السلوك الاقتصادي وأصبح السلوك البشري يفسر وفق قوانين الطبيعة وتعزى المشكلات البشرية للطبيعة

ب-تحرير اعتقاد المسلم من عبودية الطبيعة:

عندما يأكل المسلم ويشرب ماءه ويتناول دواءه فهو يتعامل مع الطبيعة، على أن قوانينها عادية جوازية إمكانية لا تخلق النتائج، بل الخالق هو الله تعالى، فيتحرر من قيود الطبيعة بقلبه بينما يعيش معها بيديه، وقلبه حر حرية تامة، وتأثير القوانين يكون على القالب (الجسد) وليس على القلب الحر من ربقة الطبيعة، المعلق بالخالق.

خامسا: الإسلام يقرر الاختيار البشري والمسؤولية:

أ-الاختيار في الإسلام والجبرية في الفكر اللاديني

 بينما نرى الشريعة تثبت الاختيار والمسؤولية للإنسان عن أفعاله وأن الفساد هو بما  كسبت أيدي الناس، لا بما أجبرت عليه الطبيعة، كما يقرره  الفكر اللاديني أن الحروب التي تشنها القوى الغازية هي نتيجة التوزيع الطبيعي غير العادل للثروات، وأن الحروب على المصالح ظاهرة طبيعية كالزلازل والبراكين.

ب- الفكر اللاديني يفسر السلوك الإنساني تفسيرا جبريا لا حريا:

وأصبح تفسير الجريمة على أساس أن  العامل الاقتصادي هو العامل المؤثر والحاسم وليس اختيار الإنسان، وظهرت نظريات في الجريمة تفسرها على أنه راجعة لطبيعة الخلقة التي جبل عليها المجرم، بينما يقرر الإسلام أن الناس خلقوا حنفاء على الفطرة السليمة، وأن فسادهم ليس راجعا إلى جِبِلَّتهم التي خُلقوا عليها بل لاختيارهم ومسؤوليتهم عن اختيارهم،   تأثر .

ج- تناقض الفكر اللاديني بين الفلسفة والقانون:

إن تفسير الفكر اللاديني السلوك البشري تفسيرا جبريا من الناحية الجنسية والبيولوجية والاقتصادية وبناء عليه تفسر الجريمة على وفق تلك الفلسفة فهذا يعني إلغاء المسؤولية عن فعل الجريمة، ثم يأتي القانون الوضعي ليعاقب على جريمة يفترض أنها نتاج عوامل طبيعية، فهذا منتهى التناقض، بنما نرى أن الإسلام يقرر المسؤولية والثواب والعقاب  بناء على الاختيار والمسؤولية، فالحمد لله على نعمة الإسلام.

للمزيد يرجى متابعة:

نظرية المعرفية وأثرها في دحض وهم التعارض بين الطبيعة والشريعة

مشكلة الفقر في ضوء نظرية المعرفة

هذا ما حضر وما غاب أكثر

الطريق إلى السنة إجباري

د. وليد شاويش

18-صفر-1441

18-10-2109

عمان المحروسة

2 thoughts on “قاعدة الفرق بين الحرية في الإسلام والحرية في الفكر اللاديني

  1. أكتوبر 18, 2019 - غير معروف

    فتح الله لك دكتورنا الحبيب

  2. أكتوبر 18, 2019 - غير معروف

    جزاك الله عنا كل خير
    موضوع جدا رائع ولابد من نشر التوعية في مفهوم الحرية السليمة في المجتمع
    والله أصبحت هذه التناقضات في هذا المفهوم كبير جدا حتى يحللون لأنفسهم
    مايرضى شهواتهم وشذوذهم المخالف لفطرة البشرية للأسف….
    وكارثة والافزع يا شيخنا انهم يروجون للحرية الخاطئ والشذوذ بمواقع التواصل بشكل كبير جدا حتى تألف الناس على سماع ورؤية هذه الأمور بشكل عادي ومستساغ
    لاحول ولا قوة الا بالله
    والله أصبح أمر مخيف جدا
    نسال الله العفو والعافية
    ونستعذه وذريتنا من الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن

    بارك الله فيك يا دكتورنا الفاضل
    وزادك الله علما ونورا ووفقك لما يحب ويرضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top