سبيل الهدى والرشاد في فساد مفهوم الفساد…بين الفساد الأصغر والفساد الأكبر

أولا: تمهيد في أهمية المفاهيم وخطورتها:

1-ضبط المفاهيم ضبط للمعرفة:

يعد تحديد المفاهيم من أهم عوامل انضباط المعرفة، كما أن عدم تحديد المفاهيم بشكل دقيق أو تركها دون تحديد هو آفة تشوه المعرف، وتؤدي إلى الاضطراب المعرفي، الذي يؤثر سلبا على استقرار المجتمع، وعدم توفر الحلول الجذرية لأسباب تلك المشكلات، ولعل مفهوم الفساد المالي من تلك المفاهيم الجديرة بالاهتمام، إذ الخلل في تحديد المفهوم سيؤدي بالضرورة إلى الخلل في الحلول المقدمة، نظرا لتشوه المفهوم، ومن ثم عدم تحديد المشكلة.

2-سلطة رأس المال في صياغة المعرفة والقانون:

لا شك أن مفهوم الفساد المتداول عالميا هو نتاج ثقافة رأسمالية غربية، وكما أن أمتنا تستورد القمح والملابس والأحذية، فهي تستورد أيضا الثقافة الرأسمالية والتاريخ، ومفهوم الفساد المالي تم تفصيله وفق ما تقتضيه هيمنة رأس المال في الغرب على السياسة والقانون، ولم يعد رأس المال عنصرا في التمويل فحسب، بل له سطوة على رسم السياسة وسن القوانين، عن طريق رجال الأعمال في البرلمان أو نواب رجال الأعمال، الذين يظهرون على شكل كائنات نائبة عن الشعب، ولكنهم في الحقيقة نواب رأس المال باسم الشعب، إلا قليلا ممن نجا منهم من سطوة رأس المال، واستطاع رأس المال أن يمنح نفسه سلطة على السياسة والقانون بموجب صك القوة الرأسمالية بوصفه مرحلة متقدمة لصكوك الغفران التي كانت تمنحها الكنيسة.

ثانيا: الربا يُحوِّل رأس المال إلى سلطة:

1-المرابي يرفع الأسعار عن طريق توليد النقود:

أ-لا أريد أن أتحدث عن حكم الربا شرعا، فهو أشهر من أن يُتحدث به، إنما أتحدث هنا عن الآثار الوخيمة للربا على الاقتصاد الكلي، نتيجة توليد النقود، التي تضاعف المعروض النقدي نتيجة توالي الإقراضات، مما يصنع التضخم وغلاء الأسعاء ويضطر المصرف المركزي للتدخل لكبح جماح التضخم عن طريق سعر الحسم، وهو سعر الفائدة الربوية، الذي يرفعه المصرف المركزي لكبح جماح التضخم، ويصبح حال الاقتصاد كمن يدوس على دواسة البنزين لزيادة التضخم، والمصرف المركزي يدوس مكابح سعر الحسم الربوية لكبح التضخم، فصدق فيه قول القائل (ولكن داوِنِي بالتي كانت هي الداء)، مما يؤدي إلى تناقضات مفروضة على الاقتصاد من خارجة بسبب الربا، وقد كان رفع سعر الحسم مرات متتالية في الفيدرالي الأمريكي من الأسباب التي فجرت الأزمة المالية العالمية سنة 2008[1].

ب-إن المرابي يجلد الفقراء بسياط الغلاء الفاحش، بينما لا ينتبه الفقراء إلى الآثار التضخمية للإقراض الربوي، ولا يحتاج المرابي في الاقتصاد الرأسمالي إلى جيش وشرطة، عندما  يصنع التضخم، بل على دافعي الضرائب أن يدفعوا الكلفة الأمنية لرفع الأسعار، بينما يرتع المرابي في كسبه المحرم آمنا، لا يحاسبه الإعلام ولا الشعب، لأنه أيضا مع الشعب في محاربة الفساد الأصغر، لذر الرماد في عيون الناس حتى لا يكتشفوا الفساد الأكبر.

2-المرابي يتطفل على القيمة المضافة في الاقتصاد:

لا يتحمل المرابي أي خسارة تترتب على المشروع، بل فائدته الربوية مضمونة بالعقد، بصرف النظر عن الناتج الحقيقي أو الربح الحقيقي للمشروع، بل يربو ماله في رؤوس أموال الناس ويقتات على دمائهم، ولكنه في المجمل يلتهم القيمة المضافة في الاقتصاد، ويمتص عافية الاقتصاد الوطني، ويلتهمها من الزيادة في الناتج القومي، وهو صافي كسب الشعب، وما زاد على فائدته الربوية فهو ملك الشعب، ومع ذلك يقف المرابي مع الشعب في محاربة الفساد، مثل القاتل الذي يتصدق على أولاد المقتول، ويقف محاميا عن قضيتهم العادلة.

ثالثا: منع الزكاة من الفساد المالي:

1-فريضة الزكاة تؤدي إلى زيادة الإنتاج الوطني:

إن إخراج نسبة الزكاة المفروضة، تعني تحويل أموال من جهة الأغنياء المتشبعين بالاستهلاك المُتْرَف، إلى فئة فقيرة لها حاجات أساسية، وبمجرد أخذ الزكاة، فإنهم سوف يتوجهون لشراء سلع استهلاكية أساسية، مما يعني وجود قوة شرائية جديدة، تحفِّز الإنتاج لتلبية الطلب الجديد، مما يعني مضاعفة الإنتاج السلعي والخِدْمي، وهذا سيسهم في توظيف قوى عاملة جديدة مما يخفف من نسبة البطالة، لحاجة المصانع للأيدي العاملة نتيجة طلب الفقراء المتزايد نتيجة حصولهم على مال الزكاة، ويتحول العاطلون عن العمل إلى منتجين، والفقراء إلى متصدقين، نتيجة زيادة الإنتاج بسبب الزكاة، ثم زيادة الناتج الوطني، وتحمي الفقراء من السقوط في هُوَّة الجريمة، التي ستكون مكلفة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، كل ذلك بسبب نعمة تطبيق فريضة الزكاة.

2-منع الزكاة من الفساد الأكبر:

إن مانع الزكاة، يأكل أموال الفقراء، ويرتع في أقواتهم، مع حاجة أصحاب المال الفقراء الماسة إلى مالهم، فيضع الغني يده على بطنه من ألم التخمة من طعام الفقراء، الذين يضعون أيديهم على بطونهم من عضَّة الجوع، ويشكو من ارتفاع نسبة الدهون في الدم بينما يشكون من فقر الدم، وهمه لا يتجاوز برامج تخسيس الوزن الزائد، المسروق من وزن الفقراء، ويحسٍب هذا الفاسد اللئيم، الذي غفل عنه الإعلام والقانون، ولم تتكلم في فساده النخب الثقافية، ولا يعاقبه القانون، أن الله غافلا عنه، وأن العقوبة الإلهية لن تطاله في الدنيا قبل الآخرة.

3-سنة الله الكونية في عقاب مانعي الزكاة في الدنيا:

تستمر سنة الله الكونية في الظالمين، فتفشو الجريمة، وترتفع تكلفتها الاقتصادية، مما يعني فرض ضرائب جديدة، سيدفعها رأس المال الذي منع الزكاة، فتؤخذ منه الضريبة غصبا ولا كرامة له عند الله تعالى، ولا يطبق حد السرقة، لأن مال الأغنياء-إلا من رحم الله- اختلط بأموال الفقراء، فليس فلِمال مانعي الزكاة حرمة لكنها لا ترقى لقطع يد سارق هذا المال، وعلى مانع الزكاة أن يعيش القلق على رأس ماله بسبب الاضطرابات السياسة والاجتماعية الناتجة عن الفقر، بسبب ظلم الأغنياء للفقراء، وما هذا إلا من عاجل العقوبة في الدنيا على هذا الفساد المالي، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.    

رابعا: لصوص بيع الآجل بالآجل سبب للغلاء الفاحش (النفط نموذجا):

أجازت الشريعة قبض البدلين في البيع حالا، أو تأجيل أحدهما وتعجيل الآخر، بينما منعت بإجماع تأجيل البدلين، لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الكاليء بالكاليء، أي المؤجل بالمؤجل، وهذا يفوِّت الفرصة على المضاربين في أسواق السلع، فمثلا: بعد طفرة ارتفاع أسعار النفط في شهر يوليو، 2008، سعى مجلس الشيوخ الأميركي إلى العمل على الحد من المضاربات التي رفعت الأسعار، وأن هذه المضاربات كانت مسؤولة عن زيادةٍ في سعر النفط من 40-60%([2])، بمعنى أن هذه الكلفة تقترب من 50% من ثمن السلعة، أي إن الغلاء ليس ناتجا عن ظروف طبيعية في اقتصاد حقيقي يلتقي فيه مالك الإنتاج بمالك رأس المال، على وفق قانون العرض والطلب العادل، بل على وفق هوى الفاسدين فسادا أكبر في أسواق المال الذي يحققون أرباحا غير مشروعة بقوة قوانين تحت سطوة رأس المال الشَّرس.

خامسا: إعادة تقييم مفهوم الفساد:

1-الاستبداد المالي يلتهم قوت المجتمع:

لست بصدد سَرد وتعداد الاختلافات في ألفاظ مفهوم الفساد، ولكن حسبي أن أتحدث عن الفساد المستتر، وهو الاستبداد الرأسمالي، الذي تمكن من صياغة مفهوم الفساد بما يتوافق مع الاستبداد الرأسمالي، فالربا ومنع الزكاة وبيع المؤجل بالمؤجل كلها تؤدي إلى التهام الناتج القومي للشعوب بقوة القانون الذي يجب احترامه، الذي تم تشريعه عن طريق نواب الشعب ظاهرا، ونواب رأس المال حقيقة، إلا من رحم الله تعالى.

2-الكوارث المالية بسبب مخالفة الإجماعات الفقهية في الشريعة:

 وإذا تبين لك ذلك، علمت أن الكوارث المالية تحصل نتيجة لمخالفة الإجماعات الفقهية في الشريعة، وأن الناس يعاقبون بسنن كونية، لتفريطهم في السنن التشريعية، ذلك التفريط الذي حوَّل رأس المال من عنصر في الاستثمار، إلى حاكم حقيقي أعاد إنتاج نظام الإقطاع، على شكل إقطاع الشركات العابرة لجيوب الشعوب، وتحويل الشعوب إلى رقيق مرفَّهين يتحدثون عن محاربة الفساد بحرية، بينما يمارس رجال الإقطاع المالي فسادهم في عتمة مفهوم الفساد، التي صاغها الأكاديميون في مدرسة رأس المال، ويخدم في ذلك أيضا هيمنة رأس المال على امبرطوريات الإعلام.

سادسا: ماذا يترتب على إعادة تقييم مفهوم الفساد؟

1-أوروبا هي أم الفساد الأكبر:

لن تكون أوروبا النموذج والمثال في مكافحة الفساد، بل هي أكبر مورِّد للفساد العالمي، عن طريق إيقاع الشعوب في فخ الاقتراض المفترس، الذي تتحول فيه الشعوب إلى نوع جديد من الرِّق المُرَفَّه، حيث يقتصر دور الشعوب المقترِضة على سداد قسط الدين مع فوائده الربوية المحرمة، أما ما تحصده أسواق المضاربات العالمية على السلع من جيوب الرقيق المرفَّه فهي أكثر بكثير، بحسب ما ورد في التوثيقات التي بينتها آنفا في مجلة “الفاينشال تايمز”، ولكن من يجرؤ على الكلام؟!.

2- ممارسة الفساد الأكبر تحت لِحَاف القانون:

 وحسبك بنهب أموال الفقراء ظلما في منع الزكاة، وعلى ذلك نجد أننا نحن المسلمين أقدر الناس على إعادة العدالة للإنسانية، بعد أن انتهبها رأس المال، وأعاده إلى نظام الإقطاع، ولا أعني إقطاع الأرض، بل إقطاع الشركات التي تمارس فسادها من تحت لِحَاف القانون، مع شعوذة بعض النخب التي تبخِّر وتدخِّن لهذا الفساد الأكبر، بينما تتخذ تلك النُّخَب من الفساد الأصغر كالرشوة فداء للفساد الأكبر: كالربا، ومنع الزكاة، وسماسرة بيع الآجل بالآجل.

3-التدين المعرفي كافل لتحقيق العدالة الاقتصادية في العالم:

أ-جرت عادت التدين العاطفي أن يشرع الشيخ في الدعاء مع البكائيات في حل الأزمات، مع إهمال الأسباب إلى الإصلاح التي أمر الله تعالى بها، فعلى الشيخ الجليل أن ينظر أسفل قدميه، وأن سنة الدعاء الشرعي هي مع الأخذ بالأسباب، ولا بد من أحياء الزكاة ومحاربة الفساد الأكبر، من أجل الوصول للذين احترقوا من الفقر إلى درجة التفحُّم، ومع ذلك لا أحد يأتي على سيرة فساد مانعي الزكاة، وكأن الناس أصبحوا خارج الزمان والمكان.

ب- وهنا يأتي دور البيان المعرفي الفقهي والأصولي لإعادة صياغة مفهوم الفساد على أسس الإجماعات الفقهية، لضمان العدالة للإنسانية، وليس للمسلمين فقط، وهو مقتضى الرحمة التي بعث بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وليست الأزمة المالية العالمية 2008، إلا نموذجا للفساد الأكبر، الذي عاث فسادا في مال المجتمع، وبعدما أوشك رأس المال على السقوط، أسرعت الدولة إلى جيوب دافعي الضرائب ضحايا الاستبداد المالي، لإنقاذ البنوك والأسواق المالية المتهاوية، صانعة الأزمة، فصدَق عليهم المثل العربي: أَحَشَفًا وسُوء كِيْلَة، وهو مثل على الظلم فوق الظلم، وقصته أن رجلا اشترى تمرا فصار البائع يضع له الحشف، وهو تمر رديء، ثم بعد ذلك ظلمه البائع فطفف له الكيل والميزان، فقال المشتري: أحشفا وسوء كيلة، ثم ذهبت مثلا في الظلم مرتين.

لمزيد من التوثيقات والنصوص انظر: الأزمة المالية العالمية رؤية نقدية (بحث محَكَّم). 

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

walidshawish.com

صبيحة الجمعة المباركة

12-1-2017

عمان المحروسة

الهوامش:

[1] انظر: قام مصرف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع نسبة الفائدة ثلاث عشرة مرة خلال سنة ونصف، لتقييد الائتمان. الجزيرة نت، الأربعاء: الموافق: 14/12/2005 م.

http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=301621

([2]) فاينانشال تايمز، July 25 2008. يجب الحد من المضاربات على السلع.

By Joe Lieberman, Susan Collins and Maria Cantwell, Commodity speculation must be curbed. http://www.ft.com/cms/s/0/1a083616-5a3a-11dd-bf96-000077b07658.html

 

1 thought on “سبيل الهدى والرشاد في فساد مفهوم الفساد…بين الفساد الأصغر والفساد الأكبر

  1. يناير 13, 2017 - احمد صيصل

    الله يجزيك الخير يا دكتور
    الله يكثر من امثالك – يارب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top