رسالتي إلى زميلي معلم اللغة العربية لنْ يضرَّك المرجِفُون في المناهج

أخي العزيز معلم العربية، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رأيت أن أعرفك بزميلك مرسِل الرسالة، وهو وليد شاويش، سلَخ من عمره نحوا من عشرين عاما مدرسا في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، في مدارس متنوعة تبدأ من “الكرفان” البدائي، إلى مدارس تفتخر بأرقى المباني، ووسائط التعليم، من المنهج الإلكتروني، واللوح الذكي، وغير ذلك من أفضل وسائل التعليم من حيث المبنى والوسائل والمناهج، إلى أن انتقلت أستاذا جامعيا، يدرس مرحلة: البكالوريوس، والماجستير والدكتوراه مدة سبع سنين.

أولا:أنت سيد الموقف، ولا يضرُّك المُرْجِفون في المناهج:

أضع بين يديك خبرة متواضعة، تقول لك بعد هذه السنين الطويلة، إن المنهج الميِّت يحييه المعلم الحي، وإن المنهج الحي يميته المعلم الميت، فأنت في قاعة الصف صاحب السلطة المطلقة، وليس واضع المنهج، يعني أنك تستطيع أن تصلح وتقيم عمود المجتمع، فأنت السيد المطاع أمام طلابك، لا سلطان عليك إلا تقوى الله تعالى، وأن الموقف الصفي  هو المرتجى وإليه المنتهى، ويشرفني أن أكون مساعدا لك عن يمينك، وأن أكون وراءك خطوة واحدة احتراما لك، وتقديرا لمهمتك الصعبة في إصلاح هذه الأمة، وما أقوله لك ليس شيئا جديدا عليك، إنما هي المذاكرة والمداولة بين زميلين جمعت بينهما مهنة المتاعب، مهنة الرجل الذي يموت وهو واقف ناصحا أمينا لدينه وأمته.

ثانيا:بناء جسور الثقة:

قبل أن تبدأ حصتك أمام طلابك، وقبل أن تبدأ بالتعليم، ابدأ أولا ببناء جسور الثقة والمحبة بين طلابك، وأرى أن القصة الهادفة الشيقة بلغتك العربية الفصيحة هي خير وسيلة لتعليم العربية، فأعدّ القصة وأعد أداءها اللغوي جيدا، وتاريخنا الأدبي والتربوي حافل بالقصص المؤثرة التي تحمل معاني تنساب إلى قلوب السامعين، وتربي فيهم روح الإيمان والانتماء للوطن والدين، وقدوتك في ذلك المعلم الأول، رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: أنشطة مساعدة للمنهج:

لا تنس نشاطا مهما، وهو أن تكتب على السبورة في كل درس آية من آيات القرآن الكريم بخط جميل، وتستخدم القلم الأحمر في التشكيل، ثم تبين لهم معنى المفردات، وأقسام الكلمة: حرفا، واسما، وفعلا، دون تفصيل الإعراب في البداية، واختر ابتداء العشر سور القصار الأخيرة من المصحف، على أن يسبق ذلك استعداد منك وإعداد، وتداول التفسير مع زملائك واعلم أن كثيرا منهم لا يقل حبا لهذه الأمة ودينها منك، وهنا تصنع جوا علميا في المدرسة، وتنتقل الفضيلة منك لأخيك وهكذا.

رابعا: تعليم اللغة بالممارسة:

لا تقدم اللغة العربية وخصوصا الإعراب تقديما تقليديا، بل قدم الإعراب خلال المعنى والممارسة العملية، فاللغة العربية منطقية معقولة في قواعدها، واسمح لي أن أبث لك في قادم الأيام معقولية النحو العربي وأنه ليس مجرد قواعد جامدة تصب فيها الكلمات، بل يمكنك أن تقدم النحو بطريقة أكثر وعيا، لا قواعد جامدة يحفظها الطالب ويرددها دون يعقلها ويفهم أسرارها وأغراض العرب في كلامهم.

خامسا: أكثر من العمل وقلِّل من البكائيات:

لا تكثر من الصخب والبكاء على اللبن المسكوب على ما حصل للمناهج، بل أعط نموذجا عمليا يجعل العبث الذي طال المناهج سببا في تطويرها، وتحويل السيئات إلى حسنات، وليكن نفسُك طويلا، وخطتك في الإصلاح بعيدة الأمد لا تفتر ولا تكل ولا تمل، فهوية الأمة على المحك بين يديك، وفي موقفك الصفي الحد بين الجد واللعب، لا المطبعة الصماء العمياء التي تطبع المناهج، فأنت الحياة والمعنى الذي يمنح المبنى قيمته، وبغيرك يصبح المنهاج أشلَّ أقْطعَ لا حول له ولا قوة.

سادسا: مراعاة ظرف الطلاب والتصحيح ما أمكن:

حاول أن تصحح كل حصة خطأ شائعا في اللغة العربية على ألسنة الطلاب، واعلم أن خصومك ليسوا أكثر من حِمْل بعير، وكلامهم زَبَد يذهب جفاء، أما كلامك فهو الذي يمكث في الأرض، أعني قلوب طلابك الذين جاءوا من بيوتهم ليسمعوك وينهلوا منك، ولا يغرنك لهوُهم وانصرافهم عنك حينا، وإقبالهم عليك حينا، فهم يعرفون أستاذهم الناصح جيدا، وأنا وأنت ما زلنا نذكر أساتذتنا الذين تركوا بصمات واضحة في نفوسنا وعقولنا، فليكن تعليم هؤلاء الطلاب وسيلتك إلى الله تعالى، فإنك إن فعلت ذلك وأديتهم حقهم في دينهم ودنياهم، كان ذلك ذخرا لك عند الله تعالى، يوم لا ينفع مال ولا بنون، أما المرجفون في المناهج فلن يضروا الله شيئا.

زميلك المحب والمقدِّر لك

وليد مصطفى شاويش

https://www.facebook.com/drwalidshawish/#

عَمان الأمان

الطريق إلى السنة إجباري

24-9-2016

7 thoughts on “رسالتي إلى زميلي معلم اللغة العربية لنْ يضرَّك المرجِفُون في المناهج

  1. سبتمبر 24, 2016 - غير معروف

    كلامك دكتور في غاية الروعة والجمال لا سيما ونحن نعاني من تغيير للمناهج ونضع دوما القصور على الوزارة متناسين دور المعلم الحي كما وصفته أنت في رسالتك ، كل الحب والإحترام والتقدير لشخصكم الكريم

  2. سبتمبر 24, 2016 - غير معروف

    شكر الله لك أخي د. وليد، لا أدري هل قدمت لك كتيبي (قهوة الصباح – عزيزي المعلم) أم لا؟؟!! على كل حال سأقترض من مقالك هذا بعض الأفكار لأعيد صياغتها وأضمها إلى الطبعة الجديدة المزيدة والمنقحة إن شاء الله تعالى. لكن يهمني جدًا إلى تعطينا أمثلة على القصص التراثية المتلقة باللغة العربية التي تشد طالب العلم للاحتفاء بلغته فأنا الآن بصدد تأليف منهاج (مهارات الاتصال باللغة العربية) لكليات معهدنا وأقوم بتدريسه أيضًا، أي إنني أؤلف الفصل ثم أدرسه ثم أنثني لأؤلف الثاني ثم أدرسه وهكذا. أنتظر رِفدك ما أمكنك ذلك.

    بوركت أيامك
    أخوك توفيق عمر بلطه جي

  3. سبتمبر 24, 2016 - د. وليد شاويش

    أخي العزيز د توفيق تسلمت بيد الشكر رسالتكم الكريمة وسنتعاون في هذا الهم المشترك أما رسائلك القيمة قهوة الصباح فقد أهديتنيها سابقا وقد أفدت منها ولَك مني جزيل الشكر والتقدير

  4. سبتمبر 24, 2016 - غير معروف

    مبدع كما عودتنا فيما سبق من مقالات كلها دروس ورسائل هادفة وعظات رفيعة. …نعم المربي انت. …بوركت وسعدت دكتور

  5. ديسمبر 12, 2019 - غير معروف

    بوركتم اخي الحبيب كلام جمبل جدا يحاكي الواقع

  6. ديسمبر 12, 2019 - زينات جبر

    كلمات تكتب بماء الذهب
    متألق دائما بأسلوبك دكتورنا الفاضل
    بارك الله في عمرك وعلمك وزادك من فضله

  7. ديسمبر 13, 2019 - غير معروف

    مبدع بلا شك …. وكالمطر أينما وقع نفع
    نفع الله بك .. كم أتمنى لو اتقن اللغة كما تتقنون
    فلا تحرمني من إضاءات فيها بين الحين والآخر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top