خطورة المشترك اللفظي على المعرفة (2) الديمقراطية الإدارية والديمقراطية الفلسفية

تمهيد:

لا شك أن الشورى في الإسلام تأتي في سياق نظام عقدي وفقهي متكامل، وأن لها تطبيقاتها المتغيرة في كل زمان ومكان، بحسب معارف الإنسان ومكانه وزمانه، فقوله تعالى (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ…(159)  سورة آل عمران، هو أمْر مطلق، له تطبيقات لا متناهية، يستوعبها اللفظ الشرعي بالوضع اللغوي، مهما تعددت أشكالها وتطبيقاتها، فكما تستوعب الألفاظ الشرعية المحرمات على اختلاف أشكالها وألوانها كالخمر والربا والميسر، وكذلك الشورى تحصل شرعا بكل ما يكشف عن رأي الأمة وإرادتها، فيتيعن العمل بمجالس التمثيل للأمة، عبر صندوق الاقتراع، وغيره من الوسائل، بشرط عدم عزل الشورى عن محيطها الشرعي في النظام العقدي والفقهي، حتى لا نقع في استيراد قطع الغيار الثقافية.

أولا: الديمقراطية مشترك لفظي: 

ولكن يشكل على ذلك طرح الديمقراطية مطلقا دون تمييز، ضمن المناقشة بين المسلمين، فتجد مسلما يرفضها، بل ويعتبرها كفرا، ومسلما يدعو إليها ويعتبرها إيمانا، ويقول هي من الإسلام، ولعل سبب هذا الشقاق هو عدم تحرير المشترك اللفظي بين الديمقراطية الإدارية والديمقراطية الفلسفية.

1-الديمقراطية الإدارية:

أما الإدارية فهي تشبه الشورى من حيث تعيين الوسائل التي تكشف عن إرادة الأمة، كصندوق الاقتراع، وقواعد التمثيل التي تراعي التمثيل العادل في المجتمع، فالشورى تنزل على محلها في الواقع بما يناسب الزمان والمكان ومعرفة الإنسان، إلا أن الفرق بين الديمقراطية الإدارية والشورى بالرغم من هذا التشابه، هو كون التطبيق للشورى يأتي في سياق المرجعية العليا والنهائية للإسلام حسب عقيدة كل مسلم، وأن طاعة الله فوق طاعة الإنسان سواء كان فردا أم جماعة أم شعبا.

2-الديمقراطية الفلسفية:

أ-أما الديمقراطية الفلسفية، فهي لا تقبل المرجعية العليا والنهائية للإسلام، وتجعل المرجعية النهائية للشعب، وهذه الفكرة مأخوذة من خرافات اليونان القدماء وأساطيرهم، وهي أن الله خلق العالم ثم تركه، وأن الحق فكرة في رأس الإنسان، وأن على الإنسان أن يدبر أمر نفسه، وقد جاء الإسلام فأبطل هذه الخرافة، وبين كرامة الإنسان عند ربه، وهو أنه مستخلَف، قال تعالى: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) 30، سورة البقرة.

ب-وقد نفى الله تعالى العَبَثية في الخلق، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون)، يعني أن خلق الإنسان مبني على كرامة الاستخلاف، ومسؤولية العمل حسب الشرع المنزل من عند الله تعالى، لا على حسب خرافات اليونان القدماء وأساطيرهم، التي تُرَوَّج الآن على أنها الحداثة، وما هي إلا أساطير يونانية قديمة في أصلها.

ثانيا: المشترك اللفظي يعبث بالهوية:

أ-وإذا تم تعيين معنى المشترك اللفظي قبل النقاش، نجد أنه لا مسوغ للجدل الطويل واضطراب الأفكار، الذي يولد تشويه الهوية، والتناقضات التي لا مسوغ لها البتة، بسبب عدم التمييز بين الإدارية والفلسفية، ولا شك أن الديمقراطية الفلسفية هي ضياع الهوية، وتحمِل الاضطراب في نفسها، ولا يحددها إلى القوة المتجبرة بالباطل، ولا تملك بيانا واضحا على النحو الموجود في الإسلام.

 ب-وقد يتجاسَر بعض المؤمنين بخرافات اليونان على أن يصف الشورى بأنها غامضة، وهذا التجاسر لأنه لم يميز بين وضوح اللفظ “الشورى”، وبين التطبيقات غير المتناهية لها بحسب ما يختاره المسلمون يوافق حياتهم وواقعهم، لأنه يتوهم أن الشرع سينص على التطبيقات اللامتناهية والمتغيرة، وهذا سوء فهم للشريعة،  لأنها تُحيل في التطبيقات المتغيرة إلى المسلمين حسب ظروف الزمان والمكان.

ثالثا: عدم التعارض بين مرجعية الإسلام والأمة:

إن مرجعية الإسلام هي المرجعية العليا للأمة في عقيدة المسلمين، والأمة هي صاحبة الحق والصلاحية والمراقبة في تطبيق الشرع، فهي تختار من يصلح للمهمة، ولها حق العزل والتولية، فالأمة هي مرجعية الحاكم، والإسلام هو مرجعية الجميع، وقد لخصها أبو بكر الصديق -رضي الله عنه، في بيان تنصيبه للخلافة قائلا: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم)، فبين أن طاعة الإمام فيما أطاع الله تعالى فيه، والجميع مرجعيتهم الإسلام، فهو المرجعية العليا والنهائية، بمعنى تزول الحكومات وتبقى الشعوب، وتزول الشعوب ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

مقالة ذات علاقة: خطورة المشترك اللفظي على المعرفة الدولة المدنية والمجتمع المدني نموذجا (1).

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

الجمعة المباركة

عمان المحروسة

5-5-2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top