حوار مع أخي (29) ليس الخلل في الجزئي كالخلل في الكلي المسح على الجورب الرقيق

وليد: سبق وتحدثنا عن حكم الخفين وما يتعلق من الأحكام بنزعهما، وأنت تتساءل الآن  عن حكم المسح على الجوربين، فهل يجوز المسح على الجوارب الرقيقة.

أسامة:نعم وقد مسح  الصحابة رضي الله عنهم على الجورب ولم يشترط أحد منهم الثخانة وفعلهم حجة، وليس هناك دليل من الكتاب والسنة يدل على اشتراط الثخانة في الجوربين، والحق أحق أن يتبع.

وليد: ولكن ألم يشترط الإمام أحمد أن يكون الجورب مما يمكن متابعة المشي عليه في السفر، وكذلك اشترط الحنفية والشافعية شروطا زائدة مُؤداها أن الجورب الرقيق لا يصح المسح عليه.

أسامة:العلماء يصيبون ويخطئون وليسوا معصومين، والعبرة بالدليل من الكتاب والسنة.

وليد: حسنا، ولكنك أخي سعيد تفترض أن الدليل هو نص من الكتاب والسنة بدلالة الظاهر بحسب ما أفهمه منك.

أسامة:نعم ، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) وقال الإمام مالك: وما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون دينا اليوم.

وليد: فلنناقش المسألة، ولا يعقل أن أئمة السلف كأحمد-رحمه الله- يقول في دين الله من غير دليل، فالواجب هو البحث عن أدلة السلف وعدم الاستعجال لرد رأيهم بمقولة ليس عليه دليل، فالإمام لا يقول شيئا في دين الله بلا دليل، فعلينا البحث عن الدليل.

أسامة:وما هو الدليل؟

وليد: هل المسح على الجوربين عبادة أم عادة.

أسامة:بل عبادة.

وليد: والأصل في العبادات التوقيف، والاقتصار فيها على ما ورد.

أسامة:نعم هذا صحيح، لأن المسح يكون أعلى الخف ولو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح، فالمسح  تعبدي.

وليد:وعليه، يجب وصف الجوارب التي مسح  الصحابة رضي الله عنهم عليها، لأنه هو الذي ورد وبجب الاقتصار عليه، وهذا ما فعله أئمة السلف، فوصفوا لنا الجورب الذي مسح عليه السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان.

أسامة:إذن الدليل  ليس نصا، بل هو عمل منقول من غير قول، كما هو في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم  الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي، فالمدار على نقل الفعل.

وليد:نعم الدليل هو عبادة منقولة وصفها الإئمة كما هي بالشروط مثل متابعة المشي عليه، وما لم يكن في ذلك الوقت دينا فلن يكون اليوم دينا، ولما لم يكن من جواربهم الجورب الرقيق لم يكن عندهم المسح عليها دينا، لأن العبادة يقتصر فيها على ما ورد، فالمسح على الجورب الرقيق لن يكون دينا.

أسامة:واضح أن دليل السلف هو العمل المنقول، فوصفوه أدق وصف، ولكن أليس الجورب الرقيق اليوم يسمى جوربا، فنمسح على الجورب الرقيق قياسا على ما سمي جوربا في عصر السلف.  

وليد:المسح رخصة بدل الغسل، والرُّخَص على خلاف الأصل، وما كان على خلاف القياس فعليه لا يقاس، والرخص مشروعة بنوعها لا بجنسها.

أسامة:ماذا تقصد بقولك الرخص مشروعة بنوعها لا بجنسها.

وليد:أن الشارع نص على أنواع الرخص المعتبرة في التخفيف، وليس كل ما فيه مشقة دخَلَته الرخصة.

أسامة:ممكن مثال للتوضيح.

وليد:نقول جاز للمسافر والمريض الفطر في نهار رمضان، ولا يجوز ذلك للعمال والسائقين والخبازين ولو لحقتهم مشقة، فالرخصة تُشرع حيث رخص الشارع، وليس لكل مشقة تشرع لها الرخصة، وهذا معنى الرخص مشروعة بنوعها لا بجنسها.

أسامة:إذن رخَّص الشارع في المسح على الجوارب التي على صفة مخصوصة، وتعلقت الرخصة بتلك الجوارب على ذلك الوصف، لأن المسح عبادة يقتصر فيها على ما ورد.

وليد:نعم هذا صحيح، ونقول إن الجورب الذي يمسح عليه شرعا مشترك لفظي مع الجورب اليوم، فهو مشترك لفظي مع اختلاف في المعنى، والأحكام الشرعية تتنزل على معناها المناسب لها، والعبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.

أسامة:لماذا لا نقول إن الجورب الرقيق اليوم يُسْلك في القدم، وكذلك الجورب في عهد السلف، أليس هناك قربٌ في المعنى، فليس الفرق هنا كالفرق بين عين الماء والجاسوس في إطلاق اللفظ المشترك (عين) على كل منهما، هل تقول إن الفرق بين الجوارب اليوم والجوارب سابقا كالفرق بين العين الباصرة والجاسوس؟!.

وليد:صحيح ما تقوله من التقارب في المعنى، ولكن لا يعني أن المعنى هو نفسه، ولكن يمكن أن يسمَّى هذا الجورب الرقيق بالمشكِّك مع الجورب في عهد السلف، كما نقول: هل بياض اللبن أشد من بياض الثلج، فهذا نسميه المشكِّك، لأنه يشكك الناظر في أيهما أشد بياضا.

أسامة:فلنعتبر الجورب الرقيق من المشكِّك فهو جورب، ونشك أنه قريب في المعنى من جوارب السلف الثخينة، ويجوز المسح عندئذ على الجورب الرقيق.

وليد: حتى لو اعتبرنا الجورب الرقيق مشكِّكا فهذا لا يفيد أيضا في جواز المسح عليه.

أسامة:لماذا؟

وليد: بما أن الرخص استثناء، وعلى خلاف الأصل، فعندئذ يؤثر الشك في إسقاطها وعدم اعتبارها، لأن القاعدة الرخص لا تُناط(تتعلق) بالشك، أو الشك لا يُناط بالرخص، والرخصة تسقط بالشك فيها.

أسامة:ألم يرِد عن بعض الأئمة جواز المسح على الجورب الرقيق، وقد حَكى ذلك النووي عن بعض العلماء في كتابه المجموع.

 وليد: نعم حكى ذلك، ولكن ما حكاه لا يعني أنه فتوى، وذِكْر الأقوال المنقطعة لا يكون للفتوى منها، بل لسرد كل ما جاء في الموضوع، وتعليم الطلاب مدارك الأدلة، لذلك تجد النووي يحكي عن قوم، ولكنه إذا تصدر للإفتاء في كتابه المنهاج بين المفتى به.

أسامة:هل هناك فرق بين كتب الفقه المقارن كالمجموع وكتب الفتوى كالمنهاج للنووي.

وليد:نعم هناك فرق واضح فإن العلماء في مجال الفقه المقارن يعتبرون أنفسهم في ميادين المناظرة، وبيان قوة عارضتهم في الأدلة، فتجدهم يرجحون أقوالا لا يفتون بها إذا تصدروا للإفتاء، لأن الإفتاء كما هو في المنهاج للنووي على سبيل المثال خطاب مُوَحَّد للأمة، وهكذا غيره من علماء المذاهب الذين ألفوا كتبا خاصة لما به الفتوى، ثم خَلَفت من بعدهم خُلُوف لم يفرقوا بين منهج الإفتاء والفقه المقارن.

أسامة:وماذا يضرنا لو أفتينا من كتب الفقه المقارن أو كتب الأصول أو كتب السير والتراجم.

وليد: هذا يعني أننا هدمنا الغايات التي ألفت من أجله الكتب في تلك العلوم، فعندئذ لا فرق بين كتب الفتوى ومقاصدها، وكتب السير والأصول، ومن الدارسين لم يميزوا مقاصد المؤلفين من كتبهم، فكلما وجدوا قولامهجورا  في الفتوى طاروا إليه وقالوا أليس فلان عالما؟! ولو كان القول في كتب التراجم، وأبطلوا عبادات المسلمين بتلك الأقوال غير المفتى بها ، فإذا علمت ذلك،  فليس كل من رآى رأيا له أن يخاطب به الأمة، ثم يتشتت العامة ويقعون في الحيرة، وتدخل الأمة في الشقاق بسبب تضارب الفتوى، لعدم التمييز بين المصادر المختصة بالفتوى من غيرها.

أسامة:إذن لا يجوز الإفتاء بالأقوال المنقطعة والروايات الضعيفة وعلى فرض رآى الإمام قوتها في الفقه المقارن فإن عليه أن يتقيد بالإفتاء بمشهور المذهب لأن في ذلك المشهور لزوم الجماعة.

وليد:نعم صحيح وقد نص على ذلك في المراقي، وهو عدم جواز الإفتاء للناس من الأقوال الضعيفة، قال في المراقي ذاكرا أسباب ذكر الأقوال الضعيفة في مصادر الفقه الإسلامي:

وذِكر ما ضعف ليس للعمل … إذ ذاك عن وفاقهم قد انحظل

بل للترقي لمدارج السَّنا … ويحفظَ الـمُدرك من له اعْتنا

أو لمراعاة الخلاف المشتهر … أو المراعاة لكل ما سطر

أسامة:إذن لا يجوز الإفتاء بكل ما حُكي في كتب الفقه من تلك الأقوال التي ضعفتها الأمة، وبذلك نحافظ على صلابة الشريعة وحمايتها من السيولة والتسيُّب، وهذه الأبيات في المراقي مقبرة الأقوال الشاذة، والأصوليون نبهوا في وقت مبكر من مخاطر تسييل الشريعة بسبب تتبع الأقوال الشاذة والروايات المهجورة، ولو تمسكنا بالمنهج الأصولي لحافظنا على لزوم الجماعة، والكليات التي تمسك جزئيات الشريعة.

وليد: فهل الدليل الذي استند عليه السلف هو قول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أم هو تواتر  العمل في الدِّين وليس محكيا بسند في كتب السنة.

أسامة:بل هو العمل المستمر من السلف، وفهمُهم هو المقدم، لأنهم رأوا من النبي صلى الله عليه وسلم  ما لم نَرَ نحن، فلو رأينا تواتر عَمل السلف في المسح على الجوربين لما حصل خلاف بسبب تفكيرنا المحدَث أن الدليل منحصر في ظاهر  آية من الكتاب أو حديث في كتب السنة، فأدلة الشريعة أوسع من ذلك، منها العمل المتواتر والأقيسة، وإسقاط دليل عمل السلف يبطل صلاتنا، ونصبح نصلي بلا وضوء إذا مسحنا على الجوارب الرقيقة، ولن تنفعنا الأقوال المنقطعة ولا الروايات المضعَّفة في الفقه، والحمد لله على نعمة متابعة السلف ففي ذلك صحة صلاتنا والحمد لله .

وليد: هذا هو الصواب.

أسامة:ولكن لماذا لم  يُجِز المالكية المسح على الجوربين إلا إذا كانا مجلدين؟ ولماذا اختلف المالكية مع الجمهور في ذلك.

وليد: حمل المالكية ما ورد في الجوربين على المجلَّدين قياسا على الخف الذي عليه العمل والقول،

أسامة:في هذا الخلاف سعة للمسلم ويسر  والمهم أن لا يتتبع المسلم في دينه الرخص التي شذت عن سَنن الاجتهاد.

وليد: لَـخِّص يا سعيد فائدة هذا الحوار.

أسامة:بما أن المسح على الجوربين توقيف شرعي من باب العبادة فلا يجوز إحداث عبادة لم يسنها الشارع فيقتصر فيها على ما ورد وهذا ما صرح به أئمة السلف من شروط المسح على الجوربين، ولم يفطن من زعم أن السلف لا دليل لهم إلى أهمية السند العملي في الدين المنقول في المدرسة الفقهية في المذاهب الأربعة، ولو استقام المسلم على طريقة السلف لما تحلل من طهارة الصلاة وصلى صلاة باطلة على المذاهب الأربعة، والعمل بالسنة سابق في الوجود لمرحلة تدوين الحديث في منتصف القرن الثالث الهجري.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان المحروسة

   28-جمادى الآخرة  -1442

  11 -2  -2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top