حوار مع أخي (20) لماذا تُزعِجونا بحركات الإعراب؟!

عزيزي سعادة معلم العربية، لا شك أن المسؤولية التي تضطلع بها هي مسؤولية اللسان المتصل بالقلب، وهذا اللسان ينضح من معين القلب، فإن فسد اللسان فسد الفكر، لأن الدلو الوسخ سيخرج ماءا وسخا ولو كان البئر عذبا صافيا، وبما أن لساننا العربي الذي شرفه الله بالقرآن الكريم، هو الدّلو الذي نشرب به من الكتاب والسنة، فإن تقويم اللسان هو تنقية للدلو الذي سينضح من معين الكتاب والسنة، فالمسألة لا تقتصر على كون العربية وسيلة للتواصل، بل هي وسيلة أداة للفكر وحماية من الفساد، وحراسة للمجتمع من الأفهام المحرَّفة من الغلاة والجفاة، وقد جرت في هذا المجال بيني وبين طلابي العديد من الحوارات، رأيت أن آتيك منها بشهاب قبس، لعلها تنفع في بعث نور هذه اللغة في أمة اشتدت عليها حُلْكة الليل.

ولا يفوتني هنا أن أوضح لمعاليك أن ركب اللغة العربية يسير وينمو بالرغم من تقصير أصحاب هذه اللغة وفي الصورة المرفقة مع المقالة توثيق نمو اللغة العربية الواسع على مستوى العالم، وأنا على ثقة من هذا المصدر الذي وقع بين يدي منذ عشر سنين وشاء الله تعالى أن أعثر على صورة غلاف المصدر والموضع الذي يشير إلى نمو العربية عالميا فهي اللغة الأسرع انتشارا في عام 2050م، ويمكنك ملاحظة الفقرة التي يشير لها السهم باللون الأزرق. 

ملاحظة: تم اختيار المثال: أعطى الأستاذ الطالب قلما، نموذجا على تغير المعنى حسب حركات الإعراب، والتقديم والتأخير، دون إضافة أي كلمة أو حذفها، لتتم الموازنة بين العربية واللغات الأخرى على هذا الشرط.

خالد: لماذا لا نستريح من حركات الإعراب؛ مرة ضمة ومرة فتحة ومرة كسرة، فهاهي اللغة الإنجليزية يتحدث بها مئات الملايين في التجارة والعلم، والدنيا تسير على ما يرام دون الحاجة إلى حركات الإعراب.

وليد: لا بد أن ننزل إلى ميدان النص، وأن نتبين بصورة عملية مع أمثلة توضيحية، ونعرف سبب اعتماد العرب في لغتهم على حركات الإعراب.

خالد: أعطى الأستاذُ الطالبَ قلَمًا، فلِم علامات الإعراب فأنا أعبر عنها بالإنجليزية:

The teacher gave the student a pen

وهذه في اللغة الإنجليزية عبرت عن المعنى، دون حركات إعراب، فما حاجتنا إلى حركات الإعراب التي أصبحت سببا لتعقيد اللغة العربية.

وليد: حسنا، سنجري مقارنة بين التعبيرين، وما المعاني الإضافية التي يمكن تفيدها الجملة العربية، والمعاني الإضافية التي تضيفها الجملة الإنجليزية.

خالد: تمام

وليد: المعنى في كلا الجملتين العربية والإنجليزية السابقتين واضح، وهو أن الأستاذ أعطى الطالب قلما، فالأستاذ مُعطِي أي (فاعل) الإعطاء، وأعطاه العرب علامة الرفع وهي الضمة هنا وسنعطيه اللون الأزرق، والطالب معطَى، (مفعول به)، وقد منح العرب علامة النصب وهي الفتحة للمفعول به، وسنعطيه اللون الأحمر.

خالد: وفي اللغة الإنجليزية لم يحتاجوا لهذه الحركات الضمة والفتحة وعبروا عن نفس الجملة العربية دون حركات الإعراب.

وليد: لو أن زميلك سعيد التبس عليه الأمر فلم يدر هل أعطى الأستاذ الطالب قلما، وسألك هل أعطى الأستاذ الطالب قلما أم كتابا؟ فبم تجيبه في الإنجليزية.

خالد: نفس العبارة:  The teacher gave  the student a pen

وليد: ولكن في العربية الأمر مختلف، فعندما ترى أن زميلك سعيد يتشوق لمعرف ذلك الشيء الذي أعطاه الأستاذ للطالب فإنك تقدم قلما لأنه هو محل اهتمام سعيد فتقول: (قلمًا أعطى الأستاذُ الطالبَ)، فلأن العرب أعطَوْا علامة النصب الفتحة للمفعول به أستطيع أن أضعه في أي مكان في الجملة كما لو كان ملونا بالأحمر، بحسب رغبة المتكلم في أهمية الكلمة لدى السامع والمتكلم، ولذلك ضع الكلمة حيث تشاء في الجملة فإن حركة الإعراب ستحدد أنها مفعول به، ثم قدِّم وأخر حيث شئت، ويمكن أن نقرب الأمر فنجعل المفعول علامته الفتحة ونلونه باللون الأحمر، والفاعل علامته الضمة ونلونه باللون الأزرق، فهل تستطيع أن تقدم كلمة (a pen) في الجملة الإنجليزية لتعبر عن اهتمام زميلك سعيد بالشيء الذي أعطاه الأستاذ للطالب؟

خالد: لا يمكن، ولا يصح في الإنجليزية أن يقال: A pen the teacher gave  the student.

وليد: إذن لا تستطيع أن تعبر عن محل اهتمام سعيد في اللغة الإنجليزية، بتقديم (قلمًا)،  لأن اللغة الإنجليزية تفتقر إلى علامة خاصة بالمفعول به كالفتحة تضعه حيث شئت في الجملة بحسب اهتمامك واهتمام سعيد.

خالد: نعم هناك إضافة لعلامة الإعراب الفتحة، ولكن هل هناك إضافات أخرى بسبب حركة الإعراب؟

وليد: تستطيع أن تعتبر حركة الإعراب لونا للكلمة فالفتحة دليل على المفعول به في هذه الجملة، ثم ضع المفعول حيث شئت.

خالد: ولكن هل هناك إضافات أخرى؟

وليد: نعم، فعلى فرض أن سعيدا سألك، هل أعطى الأستاذ الطالب قلما أم أعاره إياه، عندئذ المهم عند سعيد هو الإعطاء أم الإعارة، فتقدم الفعل (أعطى) فتقول: أعطى الأستاذ الطالبَ قلمًا، لأن أعطى هو بيت القصيد ومحل الاهتمام.

خالد: على فرض أن سعيدا التبس عليه هل الأستاذ هو الذي أعطى أم المدير ، أم طالب آخر؟

وليد: إذا أصبح محل اهتمام سعيد، هل المعطي هو المدير، أم الأستاذ، فنقدم الأهم لسعيد، لأن ذهن سعيد ليس مشغولا بالقلم أو الكتاب، ولا بالإعطاء أو الإعارة، ولكن محل اهتمامه هل الذي أعطى المدير أم الأستاذ، ويكون سؤال سعيد من الذي أعطى القلم للطالب، المدير أم المعلم؟ فنقول: الأستاذُ أعطى الطالبَ قلمًا، فقدمنا الأستاذ؛ لأن عليه علامة الرفع للفاعل فهو المعطِي، ونستطيع أن نضعه في الجملة في أي مكان لأن عليه علامة الرفع الضمة كاللون الأزرق، والمفعول علامته الفتح كاللون الأحمر، فـَـــنـُـغَيـِّر في ترتيب الكلمات كما نحب،حسَب الأهمية للسائل والسامع، بشرط أن تحافظ على هذه العلامات الفارقة بين الفاعل والمفعول، وهذا يعطينا قوة على التوسع في التعبير، ليست موجودة في بقية اللغات العالمية، لأن اللغة العربية هي الوحيدة التي تملك حركات الإعراب.

خالد: إذن، سنعتبر الضمة واللون الأزرق علامة على الفاعل، وهو المعطِي، والفتحة واللون الأحمر علامة على المعطَى وهو المفعول.

وليد: نعم، فاللون الأزرق على سبيل التوضيح والضمة كلاهما يدل على الفاعل والأحمر والفتحة كلاهما على المفعول.

خالد: بناء على ذلك هناك احتمالات أخرى لترتيب الجملة ولكنها بحسب رغبة المتكلم في التعبير وحال السامع، فعلى فرض أن سعيدا أخطأ، وقال: أعطى الأستاذ العامل قلما، فالخطأ وقع في  العامل وليس في الإعطاء ولا  في كون الأستاذ هو الذي أعطى، إذا فالتصحيح يقتضي تقديم الأهمّ، وهو ما وقع فيه الوهم عند سعيد، فكيف أصحح خطأ سعيد؟.

وليد: أحسنت يا خالد، لقد بدأت بوضع يدك على سر علامات الإعراب وأهميتها، فبم تجيب سعيدا لتصحح خطأه؟

خالد: أقول لسعيد: الطالبَ أعطى الأستاذُ قلمًا.

وليد: أحست يا خالد، ولكن لم قدّمْت الطالب؟

خالد: لأنه هو الأولى بالاهتمام، لأن اللبس عند سعيد وقع في الطالب، وليس في الأستاذ ولا في الإعطاء؟

وليد: هل تستطيع أن تقدم أو تؤخر في هذه الكلمات دون علامات إعراب تميز بين الفاعل بالضمة واللون الأزرق، والمفعول به بالفتحة واللون الأحمر؟

خالد: لا، لأن هذه العلامات جعلتني أتصرف بالجملة كما لو كانت قطعة من المعجون، أقدم وأؤخر حيث أشاء بحسب رغبتي في التعبير وحال السامع، ولولا هذه العلامات: الضمة والفتحة ما استطعت؛ وسيلتبِس الفاعل وهو المعطِي، بالمفعول وهو المعطَى، لعدم وجود العلامة ويجب أن ألتزم بصورة واحدة للجملة، كما هو الحال مع اللغة الإنجليزية في الجملة السابقة:

 The teacher gave  the student a pen

 وليد: إذن لولا هذه العلامات الضمة والفتحة لم تتضح المعاني، فهذه العلامات ليست هي الغاية، بل هي وسيلة للمعاني.

خالد: حسنا فهمت فلسفة حركات الإعراب، ويبدو أنني أقف أمام كنز ضخم، وبحر خضم ما زلت أقف على ساحله، في مجال الإعراب.

وليد: لخّص الغاية من علامات الإعراب.

خالد: إذا سأل سعيد:

-هل القلم إعارة أم عَطِيّة؟ أجيب: أعطى الأستاذُ الطالبَ قلمًا.

-وإذ زعم سيعيد أن الأستاذ أعطى القلم للعامل: أصحح له: الطالبَ أعطى الأستاذُ قلمًا.

-وإذا التبس على سعيد هل أعطى الأستاذ الطالب قلما أم كتابا، فأجيب: قلمًا أعطى الأستاذُ الطالبَ.

وإذا…

وليد: يكفي، فهناك جمل كثيرة تستطيع أن تصوغها يا خالد، ولكن المهم أن تفهم مبدأ حركات الإعراب، وأنها تعطينا قدرة عالية على التوسع في الكلام بحسب ما يقتضيه الحال، ويمكنك أن تجعل هذه الأمثلة نشاطا بينك وبين زملائك، المهم أن تفهم معاني النحو لا ألفاظه، فلا بد من تعليل النحو وإبراز معانيه وأسراره.

خالد: أريد مثالا صعبا فقد فهمت معاني الحركات جيدا.

وليد: حسنا، حدد الفاعل في قولنا: رأى موسى عيسى!!!!

خالد: لا توجد علامات إعراب، ولا تظهر أصلا على الألف!!

وليد: لا بد في العلم من عصف الذهن للتفكير لا للتعقيد، فهناك علم تحت هذه العبارة، سنتحدث عنه في وقت لاحق، ولكن عليك الآن أن تبحث، فقد انتهى الوقت ويجب أن نلتزم به، أليس كذلك يا خالد؟

خالد: بلى، وقد فهمت أن حركات الإعراب هي بمثابة اللون للكلمة، وهذا اللون هو الذي سيكشف إن كانت فاعلا أم مفعولا، وهكذا، ولكن الألوان هي وسيلة للتقريب، فحركات الإعراب مكتبوبة ومنطوقة بخلاف الألوان، فهي لا تؤدي الغرض.

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

https://www.facebook.com/drwalidshawish/#

صبيحة الجمعة المباركة

7-10-2016

عمان المحروسة

2 thoughts on “حوار مع أخي (20) لماذا تُزعِجونا بحركات الإعراب؟!

  1. سبتمبر 12, 2018 - غير معروف

    ممتاز

  2. ديسمبر 24, 2020 - غير معروف

    فيه توضح عن سؤال قد يتبادر للذهن ، رغم أنه لم يخطر على البال لأننا أخذناه على السليقة ، شكرا لكاتب المقال . جمعة الزريقي طرابلس ليبيا ,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top