حوار مع أخي (19)ما هو القول الراجح؟ مسألة: هل يجب على من تنفَّل بالصوم كستة من شوال أن يُـتِمّ الصوم أم يجوز له الفطر ؟

أحمد: إذا نوى رجل صيام النافلة من شهر شوال، ثم بَدا له أن يفطِر، كأنْ يدعوَه صديق لضيافة  مثلا، فهل يجب عليه القضاء؟

وليد: للفقهاء اتجاهان في هذه المسألة، اتجاه أنه يجب عليهما القضاء وهو فقه الحنفية والمالكية، والاتجاه الثاني لا يجب القضاء، وهو فقه الشافعية والحنابلة.

أحمد: نحن مع الدليل من الكتاب والسنة، فما أدلة هذه الأقوال،

وليد: لن أسرد كل أدلة الفريقين،وسأكتفي بنماذج منها لبيان اتجاههم في الاستدلال، ولن أتطرق إلى مزيد من التفصيلات الفقهية رغبة في الاختصار.

أحمد: وما أدلة القائلين بعدم وجوب القضاء.

وليد:  فمِن هذه الأدلة:

1-عن أبي جحيفة قال: الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر ” أخرجه الترمذي، وجاء فيه: (وَالعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ الصَّائِمَ المُتَطَوِّعَ إِذَا أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَقْضِيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالشَّافِعِيِّ) .

2- جاء أبو الدرداء فصنع له – أي لسلمان – طعاما، فقال: كُل فإني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال فأكل … فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق سلمان ) رواه البخاري.

3- عن عائشة أم المؤمنين قالت:( دخل عليَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال: هل عندكم شيء ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْس، فقال أرينيه فلقد أصبحت صائما، فأكَل ) رواه مسلم).

أحمد: وما أدلة القائلين بوجوب القضاء؟

وليد: من أدلة الموجبين للقضاء والإتمام:

1-قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33)، سورة محمد، فنهى الشرع عن إبطال العمل، والمتنفِّل بالصوم يُـبْـطِل عمله إذا أفطر اختيارا منه.

 2-وقال تعالى:  (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل)، والآية لم تفرق بين صوم النافلة والفرض في وجوب إتمام الصيام إلى الليل.

3-ما أخرجه البخاري عن طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خمس صلوات في اليوم والليلة». فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان». قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»…، فسأل الرجل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وجوب صوم غير رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام، إلا أن تطوع، فيعني أنه لا يجب صوم غير رمضان، إلا إن تطوع بالصيام فإنه يـجِب.

أحمد: وكيف يجرؤ الموجبون للقضاء والإتمام على ردِّ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- السابق عن أبي جحيفة قال: الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر  .

وليد: ليس ردُّ الحديث من صفات أئمة الاجتهاد من السلف، بل عملوا به، وقالوا إن الحديث هو في ابتداء الصوم، لأن قوله: إن شاء صام هي للمستقبل، فإن شاء ابتدأ الصيام، وهذا محل اتفاق، وهو  أن ابْـتِداءَه مستحب  ولا يجب، ولكن إذا ابتدَأَه المسلم، وجب الإتمام بناء على أدلة القائلين بوجوب الإتمام، فهم عمِلوا بالحديث الذي توهَّمتَ أنهم ردُّوه، وهذا الوهم شائع في بعض الـخلَف، الذين لم يفهموا كيف يستدل السلف بالأدلة، فتوهموا أن الحديث لم يصِلْهم، أو أنهم خالفوا الأحاديث، وكيف يكون ذلك! وقد عَـقَدَت لهم الأمة بالإجماع ألْوية الاجتهاد، وإمامة المعقول والمنقول.

أحمد: ما هو القول الراجح من هذين القولين؟

وليد: لا بدَّ للترجيح من أصول معتمدة، على ضوئها يعتبر هذا راجحا أو مرجوحا، وليس كما نراه اليوم من كثرة دعوى الراجح باديَ الرأي  دون بيان الأصول التي على ضوئها يعتبر القول راجحا أو مرجوحا.

أحمد: أنا أُرجِّح قول الشافعية والحنابلة؛ لأن أدلتهم أقوى.

وليد: القول بأن أدلة القول الفلاني أقوى هي دعوى وتحتاج إلى بيِّنة، فهل لك أصول خاصة ترجِّح على ضوئها؟

أحمد: لا، ولكن على أصول الشافعية والحنابلة، وأنا ليست لي أصول خاصة أُرجِّح على وَفقها.

وليد: بناء على أصول الشافعية والحنابلة فإن قولهم هو الراجح، وبناء على أصول الحنفية والمالكية فإن قولهم هو الراجح، وهذا يعني أنك لم تُضِف شيئا لا في الأصول ولا في الفروع، فماذا لو رجَّحْتَ قول الشافعية، ورجَّح غيرك قول المالكية، فقد رجَّحْتما راجحا سابقا على كلا الحالين، ولم تقدِّما شيئا جديدا، لا للمالكية ولا للشافعية، وترجِيحُكما من تحصيل الحاصل، ولا طائل وراءه، ولو أنكما شَغَلتمُا أنفسكما بالعمل والفهم عن أئمة السلف، لكان خيرا لكما من الانشغال بحُمَّى الترجيح وطلب القطع فيما لا قطع فيه أصلا.

أحمد: كيف لا طائل وراء ترجيحنا ولا فائدة منه.

وليد: هل تعرف الحق الذي عند الله حتى تقطع به أنه راجح؟ أم هو الراجح  في ظن المجتهد؟

أحمد:الترجيح ليس باعتبار الحكم الصواب عند الله تعالى، بل في ظن المجتهد.

وليد: ما هو الحق في ظن المجتهد بخصوص وجوب إتمام النافلة في الصوم عند المجتهدين؟

أحمد: عند الشافعي عدم وجوب الإتمام، وعند مالك الأصل الوجوب والقضاء إن أفطر لغير عذر.

وليد: ما الجديد في الأمر؟

أحمد: ولكن ماذا نفعل بأدلة الشافعية هل نردها؟!

وليد: وهل نرد أدلة الحنفية والمالكية؟!

أحمد: ماذا نفعل؟

وليد: نعمل بها جميعا، فلو قبِلنا قولك وقطعت بترجيح مذهب الشافعية فقط أو المالكية مثلا، فهذا يعني أنك تريد أن تعطل فريقا من الأدلة الشرعية للطرف الآخر، وتعطيل الأدلة حرام شرعا، وهو رد لأدلة الشرع، سواء المثبتة لوجوب الإتمام، أم النافية لوجوب الإتمام.

أحمد: كيف نجمع بين أدلة تنفي وجوب الإتمام وأخرى توجبه؟

وليد: ستجد لو أنك طبقت الاتجاهين معا في الأمة، فستجد الأمة عملت بجميع الأدلة الشرعية، وعليه؛ تكون الأمة عملت بكل نصوص الشرع، وعملت بكل ما جاءها من ربها وعن نبيها -صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة في مدراسها الفقهية الأربع، جمعت الأدلة كلها ولم تفرط شيئا في كلام ربها ولا نبيها -صلى الله عليه وسلم، والذين يحاولون ترجيح قول واعتبار الآخر ليس دِينا ولا شرعا، هم عمليا يمزِّقون الشريعة، لأن عقليتهم أُحاديّة لم تتسع لتعدد الاجتهاد الذي جعل الله تعالى فيه للمصيب أجرين، وللمخطيء أجر واحد، ومحاولة القطع بالمصيب في مسائل الاجتهاد سببها  أحد أمرين: إما أن كم يرجِّح قد اطلع الغيب الذي عند الله، ويقرأ من اللوح المحفوظ وعلم الصواب الذي عند الله قطعا، أو هو جاهل بمسائل الاجتهاد التي محلها المسائل التي لا قطع فيها، وكلاهما ليس مقبولا.

أحمد: إذن، الأزمة هي في تفكير الناس، وعدم معرفتهم بطبيعة مسائل الاجتهاد، وليس في تعدد الاجتهادات الفقهية لأئمة الاجتهاد.

وليد: نعم هذا صحيح، محاولة القطع بالراجح، والقطع بأن غيره مرجوح فاسد، ينافي إِذْن الله تعالى بالاجتهاد، وجعل الأجر الواحد للمخطيء، والأدلة التي سردناها في موضوع البحث لها دلالة ظنية على قصد الشرع بالإتمام وعدمه، ولكنّ كلا الدلالتين ليست قطعية، ولا محاسبة لمن أخَذَ بالنفي أو بالإثبات، وهذا التعدد في دلالات الأدلة هو لاختبار المجتهدين الراسخين في العلم، وإظهار فضل الله تعالى على السابق منهم، ولكنهم جميعهم حصلوا على جائزة الله في موافقة المنهج الصحيح في الاجتهاد، وهو التقلب بين الأجرين للمصيب والواحد للمخطيء.

أحمد: أليس هذا الاختلاف مذموما في الشرع؟

وليد: الاختلاف المذموم  هو في مخالفة الإجماع القطعي كالإجماع على فرض الحجاب، وتحريم الربا، وعدم التكفير  مسائل الاختلاف، وهذه هي المخالفة التي وقعت فيها بنو إسرائيل: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19)، أما حيث أذن الله تعالى كما هو حال مدارس فقه السلف الأربع، فهذا أذن الله فيه، فليس كل خلاف مذموم، ولا كل خلاف محمود، فمن أنكر الاجتهاد المعتبر هو منكر على أدلة الكتاب والسنة التي استنبط منها المجتهدون الأحكام الشرعية، ويُـحذَّر منكر الاجتهاد الصحيح  بقوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

أحمد: أليس لو كان هناك قول واحد في الدين كان أفضل؟

وليد: الإسلام دين عالمي، ليس لفرد أو قوم، بل هو للناس جميعا، وجاء تعدد الاجتهاد المعتبر لتلبية الحاجة لتعدد الخلق الطبيعية، فلذلك جاءت أدلة قطعية تشخِّص هُوِيَّة الأمة ويـَحْرُم تجاوزها، وهناك أدلة ظنية في دلالتها لإتاحة التنوع في الفهم في كتاب الله تعالى، ولكن على وفق قواعد علم الدلالة، يقول الإمام الزركشي في البحر المحيط في أصول الفقه (8/ 119):

(اعلم أن الله تعالى لم ينصِب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدا للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه، وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية، فقد تُعارَض بعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها، فوجب الترجيح بينهما، والعمل بالأقوى والدليل على تعين الأقوى: أنه إذا تعارض دليلان أو أمارتان فإما أن يعملا جميعا، أو يلغيا جميعا، أو يعمل بالمرجوح والراجح، وهذا متعين).

أحمد: إذن ما الداعي لكل هذا التعصب في كل موسم، وقد مررنا سابقا بفتاوى تحرم إخراج صدقة الفطر نقدا، وتعتبر الاجتهاد الآخر وهواجتهاد الحنفية بإخراج القيمة فسادا وسفها في الدِّين.

وليد: هذا مثال آخر على الغلو في التبديع والتفسيق في مسائل الاجتهاد، وهو إنكار لأدلة شرعية ثابتة يقع في ذلك المتعصِّبون دائما، لأن نظرتهم أحادية، وليتهم رجعوا إلى أقوال السلف في فهم النص، وكيف عمِلوا بالنص الشرعي مدلولا ومعقولا، ولو رجعوا للسلف وتحققوا من أقوالهم ما وقع المجتمع في حالة الاستنزاف فيما لا طائل وراءه بسبب التعصب المذموم، ولما وقعوا في تبديع أقوال السلف وتسفيههم.

أحمد: على فرض أن مسلَك الترجيح بين الاجتهادات المعتبرة المتقلِّبة بين الأجر الواحد للمخطيء، والأجرين للمصيب عند الله تعالى، فماذا نفعل اليوم بهذا التعدد للاجتهاد المعتبر؟

وليد: ليس الترجيح، ولكن الاختيار، نعم الاختيار، حيث يختار المفتي  ما هو أصْلَح للمستفتي في دينه ودنياه من تلك الاجتهادات المعتبرة.

أحمد: إذن سيختار المفتي الأسهل للناس.

وليد: إن كان اختار الأسهل الذي فيه أجر واحد أو أجرين، فهو متقلب في نعمة الله، وهذا من فضل الله تعالى على هذه الأمة.

أحمد: أظن أن مسألة الاختيار هنا بحاجة إلى تأصيل وروِيَّة، وتحتاج جلسة أخرى.

وليد: نعم، بالتأكيد، أن الاختيار الذي يمارسه المفتى للمستفتي بحسب ما يصلحه دنيا وآخرة، هو محل اهتمام الأصوليين، ولنا لقاء مقبل للحديث في هذا إن شاء الله تعالى.

المفردات:

حَيْس:هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسمن. وقد يجعل عوض الأقط الدقيق، أو الفَـتِـيـت. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر.

مقالة ذات علاقة: صدقة الفطر تخرج عينا أم نقدا وتحريم الإنكار على الاجتهاد المعتبر

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

عمان المحروسة 29-7-2016

https://telegram.me/walidshawish

 

 

 

2 thoughts on “حوار مع أخي (19)ما هو القول الراجح؟ مسألة: هل يجب على من تنفَّل بالصوم كستة من شوال أن يُـتِمّ الصوم أم يجوز له الفطر ؟

  1. يوليو 29, 2016 - منال البابلي

    رائع يا دكتور……فهم عميق وتأصيل إبداعي…..حفظكم الله تعالى

  2. ديسمبر 19, 2018 - غير معروف

    رائع يادكتور
    الله يحفظك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top