حوار مع أخي (14) هل التصوير حرام؟!

ما زلت أذكر تلك الخصومات التي كانت تدور في مسجد الحي وتمتد بين المصلين على أبواب المسجد، وفي جلسات الزيارة بين رواد المساجد في حكم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي)، وبالرغم من صعوبة الحسم في مجالس المجتهدين والمنظرين في مجال السنة النبوية من أصحاب الصنائع والمهن المختلفة مرورا بخريجي الجامعات في التخصصات غير الشرعية إلا أن الحسم بالتحريم كان يأتي على شكل مطوية يكثر فيها حشد النصوص دون تحليلها وفق منهج أصول الفقه في علم الدلالة، للحديث الصحيح الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، «إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم» وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة»، والحديث الآخر في صحيح البخاري أيضا: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون»، ومع أن تلك الفتاوى تتبنى التحريم لكنها كانت تستثني من التحريم الصورة الشخصية لجواز السفر، وكان الأولى أن يثبت التحريم ثم يبحث بعد ذلك عن الضرورة الشرعية، وجرت عادتي أنني أنقل هذه المناقشات للطلاب في قاعات المحاضرة لتحفيز عقولهم على التفكير العلمي والمناقشة في المسائل محل البحث، وذات يوم جرى هذا النقاش بيني وبين الطالب أحمد في قاعة المحاضرة.

وليد: ما حكم التصوير ؟

أحمد: حرام.

وليد: أين الدليل؟

أحمد: قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري.

وليد: نعم، الحديث صحيح، ولكن ما معنى صوَّر؟

أحمد: إعطاء الشكل، أو النقش على الأعيان، مثل التماثيل والأصنام وغيرها.

وليد: إذن الدلالة اللغوية لكلمة التصوير تعني إعطاء الشكل للشيء، وهي صنعة المصور لذلك جاء في الحديث الشريف تَحَدٍّ للمصورين بأن يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم، لأنهم صوروا الأشكال وأعطوها للأشياء، كالتماثيل لذوات الروح من الحيوان والإنسان؟

أحمد: نعم هذا صحيح.

وليد: هل ينطبق ذلك على تصوير المصوِّر صورة شخصية لك للذكرى مع صديقك؟

أحمد: حرام هذا من التصوير المحرم، وينطبق عليه الحديث: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون».

وليد: حسنا يا أحمد، هل الذي التقط الصورة بالكاميرا هو الذي أعطى الشكل لك ولصديقك الذي يظهر في الصورة، أم ما يظهر في الصورة هي الخِلقة الإلهية التي خلقك الله تعالى عليها؟

أحمد: يظهر في الصورة الخِلقة التي خلقني الله عليها، ولكن النص واضح في تحريم التصوير ولا يجوز الاجتهاد بالرأي مع وضوح النص والحديث واضح، وكلمة “المصورون” في الحديث صريحة في تحريم كل تصوير، ولا بد من العمل بالحديث!

وليد: نحن متفقون على العمل بالحديث فهذا ديننا، ولكني أراك متمسكا باللفظ، دون المعنى اللغوي، وجعلت الأمر مرتبطا بكلمة التصوير حتى ولو خالف التصوير الشمسي في المعنى الاستعمالي المعاصر في وقتنا لمعنى التصوير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان صناعة التماثيل والأصنام ونقش صورتها من المصورين، وجعلتَ تحريم التصوير متعلقا بكلمة “المصورون” في الحديث، دون التمييز بين المعنى اللغوي الذي جاء في النص النبوي، والمعنى الاستعمالي العرفي المختلف لكلمة تصوير!!!

أحمد: الحديث صريح.

وليد: إذا علقت حكم تحريم التصوير بلفظ التصوير، فما حكم تصوير المرضى بالأشعة والتصوير الطبقي وتصوير الكتب والورق، بناء على أن التحريم متعلق بكلمة التصوير مطلقا كما ذهبت إليه وتمسكت به، وهو أن العبرة باللفظ “المصورون” وليس بالمعنى اللغوي لكلمة التصوير التي استعملها النبي عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا ستقول لمصوري الأشعة في المستشفيات؟ لاحظ أن التحريم متعلق باللفظ كما زعمت!

أحمد: هذا جائز لضرورة العلاج!!! وتصوير الكتب لضرورة التعلم!!!!

وليد: مُمازحا ما حكم أخذ صورة أشعة جماعية لمجموعة من الأصدقاء من أجل الذكرى؟ هل الهياكل العظمية وإظهارها هو من التصوير بمعناه اللغوي عند العرب وفي استعمال النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يعني النقش في العين وإعطائها شكلا بالنقش؟ أم هي خلقة الإنسان التي خلق الله الإنسان عليها؟ وهل المعنى اللغوي لكلمة تصوير يشتمل على التصوير الشمسي وتصوير الكتب والأشعة؟ وهل العلماء الأفاضل الذين قالوا بمنع التصوير الشمسي قالوا بأن تصوير الأشعة والكتب جائز للضرورة؟ أم أنك قَدَحتها من عندك الآن؟

أحمد: لكن والله الحديث واضح في تحريم التصوير، وكيف تناقش مفردة “المصورون” في الحديث.

وليد: هل هناك فرق بين المشتري الذي يدفع الثمن في البيع والمشترى الكوكب المعروف في المجموعة الشمسية؟ ولاحظ أن اللفظ واحد؟

أحمد: نعم، هناك فرق في المعنى.

وليد: ماذا نسمي الكلمة الواحدة إذا كان لها أكثر من من معنى؟

أحمد: المشترك اللفظي.

وليد: هل المصور للصورة الشمسية هو الذي ينقش الصورة ويشكلها، أم أن الصورة المنطبعة هي ذات الصورة التي خلقها الله تعالى، وأن الرجل المصور ربما لا يستطيع أن يرسم إصبعه فضلا عن أن يرسم خلقة الله التي خلق عليها الإنسان تماما، فالمصور حبس الصورة الموجودة أمامه على الفلم بوسيلة تقنية، ثم طبعها على الورق، ألا يختلف ذلك عن تصوير الله تعالى الناس في أرحام أمهاتهم: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة آل عمران الآية: (6)، فالله تعالى يهب الصورة ويصورها، وأن النحات الذي ينحت التماثيل هو الذي يشكل الصورة ويعطيها، فهو هنا يشابه بخلق الله تعالى، لذلك يقال للمصورين يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم، ذلك لأنهم ينازعون الله تعالى صفة من صفاته، وهي أنه هو سبحانه المصور أي الذي يصورها للإنسان، أما في التصوير الشمسي فالمصور لا يمنح الصورة أبدا، فما يفعله هو تثبيت الخلقة الإلهية التي خلق الله الناس عليها على الفلم، ومن ثَم لا يتحقق المعنى اللغوي والعرف الشرعي لكلمة المصورون في الحديث الشريف على التصوير الشمسي، وتصبح كلمة التصوير الشمسي هنا مشتركا لفظيا مثل المشترى الذي يدفع المال في البيع، والمشتري كوكبا في المجموعة الشمسية، والأحكام الشرعية تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، وبالمسمَّيات لا بالأسماء.

أحمد: هل العلماء الذي أفتوا بالتحريم لا يعلمون؟.

وليد: بالتأكيد يعلمون ولهم احترامهم وتقديرهم، ولكن أرجو أن تأخذ حديثنا اليوم على أنه تدريب على الحوار العلمي، ومنهجية البحث، مع العلم أن كثيرا من العلماء الأفاضل الذين يحرمون التصوير يظهرون على شاشات المِشواف (التلفاز)، وهل المشواف (التلفاز)، إلا تصوير صور كثيرة بحيث لا تلحظ العين انفصالها، فهل يعقل أن الصورة الواحدة حرام، أما إذا كثرت بحيث لا تلحظ العين انفصالها تصبح حلالا؟!!.

أحمد: الأمر واضح، ولكن نحتاج إلى أن نناقش فيه أكثر حتى نتعلم ونستفيد.

وليد: أتمنى لك التوفيق، وهنا يتضح لنا أهمية المعالجة الأصولية في ضوء علم الدلالات للكشف عن مراد الله تعالى في كتابه.

ملاحظة: لا تعد هذه المحاورة كافية لإبداء الحكم الشرعي في التصوير، بل ركزت على معالجة إشكالية في الاستدلال وهي حمل ألفاظ الشرع على معاني مختلفة عن المعنى الشرعي واللغوي الذي ارتبط به الحكم الشرعي، بسبب الاشتراك اللفظي بين المفردة في النص الشرعي والاستعمال العرفي المتأخر عن عهد الرسالة.

د. وليد شاويش

عمان المحروسة

صبيحة الجمعة المباركة

14/8/2015

 

4 thoughts on “حوار مع أخي (14) هل التصوير حرام؟!

  1. أغسطس 14, 2015 - الطامع بورود علمكم عبدالله عدي

    بارك الله فيكم شيخنا ونفع بعلمكم ورضي عنكم…
    شيخنا سؤال حفظكم الله: الرسام الذي يرسم ذوات الأرواح ويتحرى فيها مشابهة الحقيقة، حتى إن من ينظر إليها يظنها حقيقية أحيانا…
    هل هذا الرسام له حكم المصور النحات المقصود في الحديث؟
    وهل هناك فرق بين كون رسمه مشابها للحقيقة أو غير مشابه؟ وما الضابط في ذلك؟
    وهل يُشترط في ذلك نيةُ مضاهاة خلق الله؟ أم أن الفعل لذاته محرم ولو قال إني لا أريد مشابهة خلق الله؟
    وهل هناك فرق بين أن تكون ذاتُ الروح المرسومةُ كاملةً وبين أن تكون ناقصة؟ ونقصها كأن تكون نصف جسد مثلا، أو رأسا مجردا، أو أن يكون الوجه مطموس الملامح، أو أن يكون كاملا مع فصل الرأس عن الجسد أو قطعه بخطّ، أو أن يكون أعورا مثلا…
    وهل هناك تفريق بين أنواع النقص هذه؟
    تحملونا سيدنا…
    أعلى الله قدركم ورفع ذكركم وبلّغكم مرادكم في الدنيا والآخرة…

  2. أغسطس 14, 2015 - غير معروف

    بارك الله بك وفتح الله علينا وعليك شيخنا دكتور وليد الشاويش المحترم

  3. أغسطس 14, 2015 - غير معروف

    الحمد لله والصلاة على رسول الله ،وبعد : بارك الله في دكتورنا (وليد الشاويش) ان طريقة العطاء والحوار رائعة ، اضاقة بسيطة ففي الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم كان فيي بيته المبارك 0طاقة،او فتحة)وكان عليها قماش مرسوم عليها تصاوير واراد النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ثم قام بنزعها وامهم ان النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة فقال :(شغلتنا عن الصلاة) وكما بينت سيدي في الفظ المشترك ولكن المعنى يختلف فجناح لفظ ولكنه يختلف عند الانسان والطائر والطائرة 000الخ
    والحمد لله رب العالمين

  4. سبتمبر 1, 2015 - zainab almassri

    بارك الله في استاذي الفاضل د. وليد على هذا التوضيح للفرق بين النصوير بالكاميرا اي الصور الفتوغرافيه الجائزه وبين التصوير المجسم الذي هو محرم لا حرمنا الله منك ومن علمك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top