حزب “البقرة الصفراء” الشعبي الديمقراطي

( التـــَّـــبَـــتـــُّـل باطنه التحلُّل، والتـَّــهـــــتــُّــك ظاهره الــــتـَّـــــنَّــــــسُّك)

(بين يدي الآيات التي أمر الله تعالى فيها بني إسرائيل بذبح البقرة)

تمثل الآيات التي أمر الله تعالى فيها بني إسرائيل بذبح البقرة مدرسة عظيمة في التلقي عن الرسل عليهم السلام، وظهر فيها من الآيات البـــيِّــنات الشافيات ما فيه نفع لأمتنا في حاضرها ومستقبلها، وجديرة بأن تُقرأ قراءة تليق بكتاب معجِز يحدِّث الناس في حالهم ومآلهم، وفيما يأتي عَرْض لهذه القراءة، بما ينفعنا في واقعنا المعاصر، وما يعِجُّ به من أحداث.

أولا: عرض البيئة الاجتماعية لنزول الآيات

1-بين يدي آيات سورة البقرة، معانٍ كثيرة يُخرِج فيها القرآن الكريم الحدثَ من سياق التاريخ الغابر، الذي يظنه بعض الناس أنه تاريخ عابر، ويضعه في سياق الواقع المعاصر، والسنن الكونية التي لا تجد لسنة الله فيها تبديلا، تدور آيات الأمر بذبح البقرة في مُناخ سياسي محتقِن، يتمثل في أن بني إسرائيل قد أرهقتهم المِحَن، التي نزلت بهم لترُدَّهم إلى جادة النبوة، فقد عانَوا مرارة التيه في صحراء سيناء، وهي قضية ملحة بالنسبة لهم أن يتخلصوا من هذا التيه.

2-وبالرغم من العطايا والـمِنح الإلهية: بأن شق الله لهم البحر سبعَ طرق، وأهلك عدوهم أمام أعينهم، وظلَّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم خير الطعام: المن، والسلوى، إلا أنهم مع كل هذه المنح أرادوا تقليد المشركين، فقالوا لنبيهم متناسين نعمة الله الواحد، وفي جو ديمقراطي كئيب: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، تقليدا لمن تنكبوا هداية الأنبياء! وتكبروا على نعمة الطعام اللين الحسن، وهو المن والسلوى، بطلب الطعام الخشن: الفول، والبصل، والعدس، بل تمادَوا في المعاندة وتحديهم للشرع، وإثارة الشكوك والشبه من حوله، بأن جاءوا إلى نبي الله موسى عليه السلام، وسألوه: من الذي قتل رجلا وُجِدت جثته في حيّ آخر، غير الحي الذي تقطنه عشيرته وعمومته؟.

ثانيا: الرأي العام الفاسد في مواجهة الشرع الخالد:

1-ومع تلك الشكوك والأوهام، والأحمال الاقتصادية والسياسية السابقة، التي كانت تلقى في حِجْر نبي الله موسى -عليه السلام- تعجيزا لدعوة الإيمان، ومحاولة لإفشال النبوة، إلا أن الشرع لم يأتِ على وفق ما يشتهون وذلك امتحانًا لهم، ليكشف الله لنا أمراض هؤلاء القوم الذين تمثل أمراضهم أمراض الأمم الأخرى اللاحقة في علاقتها مع الشرع والنبوة، فيأتي الأمر على خلاف معقولهم مزيدا من الامتحان والابتلاء الذي يثبت فيه الإيمان، وتتحيــَّر فيه القلوب التي أماتها المال الحرام، والغارق في أولويات المادة وظلامها، والتــنظير والجدل بعيدا عن العمل، في تلك الأثناء نزل الأمر الإلهي بذبح “بقرة”، لتظهر بعد ذلك تلك الفئة الإعلامية الاقتصادية الباغية، التي تـــتــنَطَّع بالمعرفة، وتزعم أنها تمثل الرأي العام، لتثير الشبهة والشك من جدوى الأمر الشرعي بذبح البقرة في الظرف الراهن، المليء بتحديات كبرى للضائعين في التيه في صحراء سيناء.

2-فكانت الحيلة في عدم التنفيذ، هي أن الأمر الشرعي غير واضح، والشريعة فيها اختلاف كثير، وهناك ثغرة لإخضاح الأمر الشرعي البـــيــِّـن لإثارة الشك حول معناه تمهيدا لإسقاطه، لذلك جاء العبث بالحكم الشرعي على شكل أسئلة ظاهرها البراءة من قوم يتظاهرون بالتقوى، ويريدون أن يكونوا دقيقين في الامتثال للحكم الشرعي، في حالة ظاهرها التنسُّك وباطنها التهتُّك، ظاهرها التحري وباطنها التعري، وتحلُّل في صورة التـبــتُّـــل، والتوغل في التفاصيل الفرعية وفي الوقت نفسه محاولة اجتثاث الشرع من أصله، تَعْمِيةً على عقول من حولهم من العامّة والغوغاء.

3-لكن أين هؤلاء العابثون الذي يطرحون عبثهم على شكل أسئلة يتوهم أنها علمية بريئة، تتقصى الحقيقة في غير موضعها، من علم الله العالم بباطنهم وحقيقة أمرهم؟، فاللَّبْس لم يَكُن في النص نفسِه، بل في تلك القلوب التي عبدت العجل الذهبي، الذي كان احتياطي العملة الصعبة في وقتهم، وما زالت صورته الصفراء ماثلة في قلوبهم المريضة، فجاء الأمر لتطهير تلك القلوب من عبادة العجل الذي تمثل فيه الشرك بالله والاقتصاد المنحرف معًا، فما كان منهم إلا أن قالوا: أتتخذنا هزوا؟! لِـــيــفضح الله سوء أدبهم مع رسول الله موسى عليه السلام، الذي يُــعدُّ الاستهزاء برسالته استهزاءً بالمرسِل، وهو الله رب العالمين!، فلما أراد الله أن يكشف زَيــْــغَ قلوبهم، ثارت ثائرة الشهوة لتعطيل الشرع بسوء من الأدب في رأيهم العام، الذي يطرح الشريعة الواضحة للجدل في جو ديمقراطي يأتي فيه الغوغاء والحمقى وعَبَدة العِجل، ليقدموا عقولهم الغارقة في وَحْل المادة مقابل الشريعة السَّامية، ثم محاولة حَرْفها عن الصراط المستقيم، استجابة لرغبة مجتمع مُتَهَتِّك، لا صوت يعلو فيه على صوت الحالة الاقتصادية والشهوة المحرمة.

ثالثا: استدراج الشرع الحكيم أعداءه من حيث لا يعلمون:

1-لقد نزل الأمر وحاولوا وقف تطبيق الشريعة وأمرها، ولكن الله تعالى كان يستدرجهم من حيث لا يعلمون، فهم يفرون بطلب الأوصاف الدقيقة تنطُّعا، والله يضيق عليهم كَيْدًا بالطريقة نفسها التي يفِرون بها من الشرع، وهي مزيد من الدقة على الوصف الذي يطلبونه، فيأتي بيان المبيَّن، وهو أنها بقرة لا فارض ولا بكر؛ أي لا كبيرة ولا صغيرة، وبالرغم من أن ألوان البقر متشابهة في المحيط الواحد، إلا أنه صَــعُــب عليهم ذبح ذلك الإله الذي ما زال قابعا في قلوبهم، فلما أسرفوا في التشكيك، جاء الأمر التالي بأن البقرة المطلوبة هي بقرة صفراء! ليستأصل الشرع من القلوب المريضة معبودهم عجل الاقتصاد الذهبي صورة ولونا، بل زاد الشرع في اللون زيادة ليست متوقعة، وهي أنها صفراء فاقعٌ لونها، وليست صفرتها صفرة المرض، بل صفرة النضارة والجمال، وأنها تَسُــــرُّ الناظرين!.

2-وبالرغم من التحايل المستمر لإسقاط الشريعة، وجدوا أنفسهم في نهاية الأمر أمام الحقيقة، عاجزين أمام حكمة اللطيف الخبير، لأن الذي أنزل الـحُكم الإلهي يعلم حقيقة ما انطوت عليه قلوبهم من حُب عجل الذهب والاقتصاد، وأن أسئلتهم في حقيقتها كانت كُرْهًا في ذبح الصنم الذي أُشْرِبَته قلوبهم، فكانت النهاية أن الشرع ضيق عليهم أمرا أرادوا الإفلات منه، وكان لهم فيه فسحة، وكانوا يظنون أنهم يفرون من الشريعة، فإذا بهم يقعون فيما هو أشد عليهم، ليذبح الله حب العجل في قلوبهم بذات اللون الأصفر الذي صنعوه من الحلي الذهبية المسروقة، لتطهير القلوب من عبودية العجل من الذهب والمال صورة ومعنى.

رابعا: الغلبة والنصر للشريعة، وليس لمحطات التشويش

1-بعد كل ذلك يفاجأ الرأي العام المتربص بالشريعة أن الأمر بذبح البقرة لم يكن خارجا عن القضية الأساسية في المجتمع، وهي عبادة العجل والدعوة لإله من ذهب، تطغى فيه القيم الاقتصادية الدنيوية على القيم العليا التي يُعظمها الإسلام، ولا خارجا عن قضية المقتول البريء الذي قتله أبناء عمومته ليرثوا ماله، ثم ألقوا جثته على حي آخر ليتهموا البريء بقتله ويأخذوا الدية، لتحقيق مكاسب اقتصادية يحبها عجلهم الذهبي معبود الجماهير، وتأتي البينات الشرعية غير القابلة للشك، فيُضرب الميت بالبقرة الميتة ليحييه الله تعالى، ويقول: قتلني فلان، لتظهر بعد ذلك جميع حقائق الشرع وحكمته لقلوب ملأتها شهوة المال الحرام، ولا تؤمن إلا بالمشاهدات الحسية المادية في تقييم الشريعة وتصديقها.

2-وعند ما ظهرت آيةُ الله وحِكمةُ الشريعة المتسامية على عبودية الأفراد والشعوب لعجل الاقتصاد، كشف الشرع أن القوم متشددون في الفروع، متحللون في الأصول، سفاكون للدماء، أفاكون يحلفونه على البعير ناقة في إعلام الزور والبهتان، عجلهم الذهبي هو المهيمن على حياتهم، وهو الذي به يوزن الرسل والشرع.

خامسا: الإسلام لا يخضع لقوى العرض والطلب

لا يجوز تعويم الإسلام، وإخضاعُه لقوى العرض والطلب في سوق الانتخابات غير المقدس، واعتقاد أنه يجب على الإسلام أن يقدم برنامجا اقتصاديا شعبويا واعدًا للمفلسين روحيا، حتى يحظى بثقة رأي عام ظاهره التبتل وباطنه التحلل، وإن لم يفعل الإسلام ذلك فللناخبين أن يعودوا إلى عجلهم الذهبي في تدين شعبوي مقلِّد للأغيار غربا وشرقا، ذي ثقافة اقتصادية تنتج قيم المجتمع وتحدد سلوكه، وتصبح الثقافة الاقتصادية الطاحنة هي القانون السائد في السلوك الاجتماعي، بينما تـــَـــنـْــــــزَح قيم الإسلام وأحكامه من بيوت بعض المسلمين وأسواقهم، وتلجأ مُـثـْــخَنة بالجراح العميقة إلى مخيم المسجد، تُـمنح فيه المسكنات، ويأتيها المحسنون في الجمع والأعياد، حتى يبعث الله قوما يحبهم ويحبونه، ويرون حياتهم كلها والدنيا بما فيها لا تساوي نظرة رضا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أرض المحشر، ويسقيهم هناك من حوض الكوثر بيده الشريفة، وهناك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب التدين المــزوَّر سحقًا سحقًا.

سادسا: الدروس المستفادة من الآيات

1-الإسلام حقائق مطلقة، لا تخضع للرأي العام في المجتمع، بل هو حَكَم على الرأي العام، وعلى الرأي العام أن يتفق مع الإسلام، والعكس ليس صحيحا.
2-لا يجوز أن تهيمن الثقافة الاقتصادية المتحللة من القيم على عقل المجتمع المسلم، وينبغي أن تكون الهيمنة للإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا.
3-الإسلام هو استسلام لله أوَّلاً، يفضي إلى منافعَ عظيمة للإنسانية في النهاية.
4-تقديم العقل الفاسد والقلوب المريضة على الشرع، مِن أشد ما حاربه الوحي والأنبياء وأتباعهم، والمذاهب الفكرية البشرية المعادية للشريعة، يمكن أن تتخلى عن ثوابتها الفكرية في الحرب على الإسلام، وتتحول إلى حالة عبثية مستهترة بالدماء البريئة والأموال المصونة، لا تَرقُب في مؤمن قرابة أرض، ولا ميثاق شرف.
5-الإسلام كله مصالح للخَلْق، والمثيرون للشكوك حوله ليسوا مبدعين، ولم يأتوا بجديد، بل هم شر خَلْف (بسكون اللام: الخالف بِشَرّ، وبفتحها الخالف بخير) لشرِّ سلف، وسلَفهم هم المنحرفون من بني إسرائيل، فبئس الخلْف وبئس السلَف.
6-الابتلاءات والحوادث العظام ليست ضررا على دين الإسلام، ولكنها تـَـــمِيـــزُ الخبيث من الطيب، وتكشف التدين المزيف، الذي يغالي في الفروع ثم يتحلل في الأصول.
7-الغلبة للمؤمنين من أتباع الرسل الصادقين، ولو كانوا قلة في العَدد والعُدد.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

الجمعة، غرة شعبان/ 1335ه

الموافق: 30/6/2014م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top