حدث معي: وعودة إلى أنماط التحلل والغلو… ليس الكلام في حكم الموسيقى ولكن صديقي كان يحب الموسيقى

كتبت الجمعة الماضية مقالة عنوانها:ليس حديثا في تحريم الموسيقى… بل تساؤلات في أنماط التفكير”، ولم يكن قصدي بحال مناقشة الحكم الشرعي للموسيقى، للعلم بأنه من الموضوعات المستهلكة في الكلام وكثر الخلط فيها، ولكن بعض الإخوة من أنصار إباحة الموسيقى أصروا على أن يكون النقاش في الإباحة والتحريم، وقد أكدت في المقالة ما أردت وهو البحث في أنماط التفكير وليس في الحكم الشرعي.

أولا: شيء من الذكريات:

1-تذكرت أيام التعليم المدرسي زميلا لي كان مولعا بالموسيقى على نحو غير مألوف، وكان يلح أيضا في مناقشة حكم الموسيقى من الناحية الشرعية، وأنا أعلم احتياطيه الهائل من النصوص ومناقشتها في الموسيقى، وكأن الرجل قد تفرد في موضوع الموسيقى وأصبح فيها فارس الميدان الذي لا يجارَى ولا يبارَى، ، وهو من الإخوة الحريصين على دينهم، وليس من أولئك الذين يعد التحلل فيهم حالة نمطية، حظهم من دينهم كتلة كبيرة من الفتاوى الشاذة، هكذا حسبته والله حسيبنا وحسيبه، .

2-المهم في الأمر أنني انتقلتُ إلى مدرسة أخرى، وانقطعت عني أخبار الزميل العزيز الذي أكن له الحب والاحترام، وأظن أن الانقطاع بلغ بضع سنين، إلى أن رأيته يوما من غير سابق ميعاد في زيارة لأحد الإخوة، ولكني لم أعرفه ملِيَّا إلا بعد لأْي، ، وأكدت لي شخصيته عليه عيناه الزَّرقاوان، حيث كسَت لحيته الخفيفة خديه وفاجأني بترحابه وحفاوته، ولكنني تحرجت منه لأنني نسيت اسمه مع معرفتي به، حتى بادرني بقوله: يبدو أنك لم تعرفني، قلت له كيف لا أعرفك، وأنتَ أنتَ خبير الموسيقى الشرعي، صاحب وصاحب المحاورة والمداورة والمناورة، ولكنني أراك بغير الوجه الذي تركتك عليه آخر مرة، فما الأمر؟!

3-قال لي بلهجته المصرية اللطيفة: الحمد لله ربنا تاب علي، فقلت له: ومِمَّ تاب الله عليك، قال: إِهِّيـــه..، إيه يا عمَّ، هُو أنت نسيت؟ لقد أتلفت جميع أشرطة الكاسيت التي عندي، وما عدت أسمع الموسيقى!!! فقلت له مداعبا: هداك الله! أتحرم الحلال؟! وأين ذهبت بالأدلة على الإباحة، وقد وقد لبثت في تحصيلها عدد سنين؟! أبهذه السهولة تهجرها؟! قال لا خلاص (ما عُدْتِّش أسمعها تاني)، ولكن بقيت لدي مشكلة بسيطة بس، فقلت:ما هي؟ قال: أنا بس بشوف ماتش الكورة في التلفزيون، والله غفور رحيم، ثم تحدثنا في نوادر المعلمين، ما سرى عن قلوبنا وأذهب عنا الـحَزَن في التعليم، ولكن ما زال يجيش في صدري أمر الزميل، ما الذي جعل أخي الذي أشبع الأمر بحثا وحفظا في أدلة إباحة الموسيقى، وأنا أستبعد تماما أنه قد طرأ شيء جديد على الأدلة، فالكلام هو هو ومكرر لا جديد، ولا بد أن الأمر حصل من شيء خارج عن الأدلة ومناقشتها.

ثانيا: الواقع والهوى يوجه الأدلة الشرعية من المقعد الخلفي بينما نضع يدنا على المقود:

هذا الأخ الحبيب لم يكن مختلفا عن كثير من الناس التي تأتي ميولهم النفسية، أولا ثم تأتي الأدلة الشرعية على أنها وصفة تبريرية، تسوغ الواقع كيفما كان، ثم إذا تغيرت حال الإنسان الإيمانية، أو تبدل موقعه تبدلت أراؤه وتغيرت بحسب الموقع والظرف الجديد: سواء مناصب دنيوية، أو تغير الواقع نفسه، أو الحالة الإيمانية العالية للإنسان التي تجعله قويا فوق الواقع والهوى، ويمكن أن يتأكد الإنسان من ذلك بأن يراجع آراءه ونظرته للأمور خلال بضع سنين مضت، سيكتشف حجم التحولات النفسية والواقعية التي غيرت من نفسيته وآرائه، من ابن إلى أب إلى جد، وبنت إلى أم إلى جدة، ومن موالاة إلى معارضة، ومن غنى إلى فقر وبالعكس.

ثالثا: ليس الأمر خاصا بالأفراد (سامري جنوب لبنان) :

1-لا يمكن أن ننسى ما حدث في 2006، حيث تمكن سامري “أهل السنة والجماعة” أن يحشد حوله أمة من المحيط إلى الخليج إلا قليلا منهم، وقد فتحت أمتنا مستودعات الأدلة الشرعية لديها، وحشدت كتائب النصوص الشرعية التي جعلت من سامري الجنوب اللبناني بطل المقاومة والجهاد، ولم تعدم حينها جيوشا من المشايخ والقامات العلمية التي تسفِّه من يقف في وجه السامري، وادعت أن ذلك استهداف لوحدة المسلمين أمام العدو!، وأصبح الحديث عن معتقدات الشيعة في مصادرهم المعتمدة ضربا من تفريق الأمة، ونكوصا عن الأدلة الشرعية القطعية، وأنه عودة بائسة لكتاب “الملل والنحل” للشهرستاني، وكتاب “فضائح الباطنية” للغزالي، التي تحرف البوصلة عن العدو المشترك وهو العدو الإسرائيلي.

2-لا يعني أن الأدلة الشرعية حُشدت لصالح السامري، أن هناك خطأ في الأدلة نفسها، بل كان توظيفا للأدلة الصحيحة في غير محلها، ولم يكن الموظِّفون للأدلة يعتقدون أنهم فعلا يوظفون الأدلة ويستخدمون الدين، بل كان ظنهم أنهم يحسنون صنعا في جمع الكلمة ووحدة الصف، ولكن ما هكذا تُورد الأدلة يا سَعد! فقد كان الواقع المهيمن والظرف النفسي والميول الجامحة هي التي توجه الأدلة من حيث لا يشعر الناس، فقد كانوا أسرى للواقع، وتم تحميل النصوص الشرعية وشحنها إلى محطات تنزيل  محددة مسبقا، قبل تناول الأدلة الشرعية والبحث عن دلالاتها.

3-ولكن وبعد بضع سنين، وإذا بالناس يقفون على مخططات غزو لهم في الشام والعراق واليمن وغيرها، يمثل السامري رأس الحربة فيها، طعنا في رقابهم وصدورهم، وذبحا لأطفالهم ونسائهم، وأن أهل السنة والجماعة هم العدو المشترك فعلا، فعادُوا إلى مستودعات الأدلة الشرعية، وأغلقوا مستودع الأدلة لصالح السامري، وفتحوا مستودع أدلة آخر واستخرجوا منه كل الأدلة التي يمكن أن تدل على كفر الشيعة، وأنهم ليسوا من المسلمين أصلا، وتجاوزوا في مقولاتهم ما وقف عنده الغزالي في “فضائح الباطنية” ولم يعد كتاب “الملل والنحل” للشهرستاني كافيا، فهو في نظرهم الآن دون الواقع المشاهد لجرائم الشيعة بكثير.

رابعا: أهمية الحذر من تأثير الرغبة الجماهيرية على الفتوى:

 1-وهذا يعني ضرورة الحذر أن نكون أسرى أنفسنا وواقعنا المحيط فيما يمس أمور ديننا، ثم نحاول ثَنْي الشرع ليتفق مع رغباتنا، وأؤكد أن هذا ليس هذا حديثا في الموسيقى ولا في السامري ولا في جزئيات بعينها، بل هي حالة عامة تتداخل في كثير من أحكام الشرع في جانبي الغلو والتحلل، حيث يقودان حياتنا الدينية من المقعد الخلفي، بينما نتوهم نحن أن ديننا هو الموجه لدَفة القيادة، ولكن كان الواقع المهيمن هو الموجه لدفة الدين -مع الأسف.

2-وهذا يقدم لنا تفسيرا لحالة الاضطراب في الدين والتفرق فيه إلى حد التحريض على الدماء تحت مقولات دينية تدعي الوكالة الحصرية لأهل السنة والجماعة ولكن بنكهة السياسة، وبغَى أهل السنة بعضهم على بعض بحجج دينية وهمية، مع أننا نسلِّم جميعا أن ديننا جامع للدنيا والدين، مما يعني أن سيل الفتاوى والفتاوى المضادة ليست من الشرع نفسه، مهما حُشدت لها الأدلة الشرعية، وفي حالة التفرُّق في الدين، فعلينا أن ندقق في الأدلة الشرعية البريئة، وأنها أصبحت بنكهة: السياسة، أو رأس المال، أو الواقع الاجتماعي المنحرف.

3-لذلك كان المهم جدا قبل الحديث في الحكم الشرعي والنظر في نصوصه، التجرد من الرغبات الخاصة، والوصول إلى مرحلة أنني سأطيع الله تعالى أيا كان ذلك الحكم الشرعي تحليلا وتحريما، ولو حَكَم في دمي أو في مالي، أو عليَّ أو لي، ثم الإقبال على نصوص الشرع بالتعظيم والتوقير لها، واعتقاد أن النص الشرعي هو طوق النجاة عندما تكسرت سفينة الأمة، وسط البحر الهائج المائج، وأن التراخي في تناول النص الشرعي، هو قفز من قارب النجاة إلى لُـجَّة البحر العميق، ولا شيء لنا بعد ذلك نتمسك به.

خامسا: ما الذي أثار عندي موضوع أنماط التحلل والغلو؟

1-والذي أثارني لكتابة مقالتي السابقة هو محاولات تلحين القرآن الكريم بالموسيقى، وخشيت أن يُعبث بكتاب الله تعالى، خصوصا أن هناك من أدخل الموسيقى على بعض العبادات كالأدعية والأذكار الشرعية، وأصبحنا نرى الأمر معتادا، ثم حرم الموسيقى الصاخبة وأباح الهادئة، دون تمييز الفرق المؤثر في أنواع الموسيقى، وأصبحت مرجعية التحليل والتحريم ذوقية نفسيه، تتحلل من الضوابط الشرعية، ثم تصنع ضوابط بلا ضابط شرعي، بحجة أن الموسيقى الصاخبة تثير الغرائز، أما الهادئة فلا، مع أن الناس في ذلك مختلفون ومضطربون.

2-وأشعرني ذلك بضرورة التحذير ليس من الموسيقى نفسها، بل من الطريقة التي يُتعامل فيها مع الأدلة الشرعية، وهذه الطريقة ليست في الموسيقى فحسب، بل الأمر منسحب على أحكام كثيرة، تنتهي في النهاية إلى القفز من النصوص الشرعية التي تمثل قوارب النجاة، ثم الانغماس في بحر لجي من فوقه موج من فوقه سحاب إذا أخرج يده لم يكد يراها، وبعد ذلك يتصايح الناس من آلام الغلو والتحلل، ثم يدْعون إلى ضبط الفتوى بينما هم سادرون في صناعة الفوضى في الفتوى، كلٌّ يدَلِّلُ على فتواه، ولكن أقول للجميع ابحثوا عن أدلتكم: هل هي من المتشابه أم من الـمُحْكَم؟ فسوف تعلمون.

المقالة السابقة: ليس حديثا في تحريم الموسيقى… بل في تساؤلات في أنماط التفكير

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

www.walidshawish.com

الجمعة المباركة 24-11-2016

عمان المحروسة

1 thought on “حدث معي: وعودة إلى أنماط التحلل والغلو… ليس الكلام في حكم الموسيقى ولكن صديقي كان يحب الموسيقى

  1. نوفمبر 25, 2016 - انوار صبح

    صدقت أستاذي الفاضل .. والله لا يحرك نقاشاتنا الا الهوى والشهوات ، تعلقنا بملذات الدنيا يجعلنا نحرف النصوص ونحملها ما لا تحتمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top