حدث معي وإن تعجب فعجب عقوقهم عندما يبيت الوالد المتوفى في سيارة الموتى

أولا: خبر مفاجيء يقطع التلاوة ويبدد النعاس:

كانت عادتي عندما أعود من سفري لقضاء إجازتي في الأردن، أن أمكث مع والدي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ثم نصلي ركعتين بعد الشمس ونرجع إلى المنزل، وكنا نشغل هذا الوقت بتلاوة القرآن، وكان يتخلل القراءة فواصل من النعاس الخفيف، الذي تعقبه القراءة الفجائية بعد الانتباه، وبينا أنا والوالد نتبادل الأدوار في القراءة والنعاس بعدالة، إذا برجل صديق للوالد، يدخل علينا المسجد، وكنت أعلم أن هذا الرجل متخصص في نقل المسافرين إلى الله، الرحلة الأخيرة بلا عودة، وله خبرة في هذا المجال، وعنده من غرائب القصص والأخبار ما يصلح كتابا في المواعظ والعبر.

ثانيا: الأب المتوفى مسجى في سيارة الموتى:

نادى صديق الوالد والدي بكنيته (أبو صلاح)، تعال يا أبا صلاح وانظر ماذا في سيارة الموتى، الميت بات الليلة في السيارة، وكان الأمر غريبا ومفاجئا، فخرجنا من المسجد لا نلوي على شيء، فالأمر لا يكاد يصدق، فلما فتح باب سيارة الموتى، وإذا برجل عجوز مسجى على ظهره، ووجهه مكشوف لنا، وكان حليق اللحية والشاربين، على خلاف ما عهدناه في كبار السن من إعفاء اللحية، وأضعف الإيمان إعفاء الشارب.

ثالثا: الفَــزَع من ذكر الموت:

كان السؤال كيف حدث ذلك، قال: اتصل بي أحد أبناء الرجل، وقال لي عندنا جنازة، ونرغب أن تقوم بما يلزم، فأعطاني العنوان، ثم ذهبت إلى العنوان، وطرقت الباب، وخرج عليَّ رجل، فقلت له: أريد الجنازة، وإذا بالرجل قد غضب، وأرعد وأزبد، وهدد وتوعد، وحدثت مشاجرة بسبب ذلك، وفوجئت بأن السبب، أنني أخطأت في العنوان، وهذا البيت ليس هو المقصود، وأن أصحاب البيت قد دبَّ في قلوبهم الرعب عند ذكر الموت، وأنني سألت عن الجنازة التي عندهم خطأ، وعلى كل حال انتهت المشاجرة على خير.

رابعا: المهم الفن والتاريخ في عالم مزيف:

قال وكيل سفريات الذهاب بلا عودة: بدأت أدقق في العنوان هذه المرة، فليس في كل مرة تسلم الجرة، فقمت بما يلزم من اتصال وسؤال، وأخيرا وصلت إلى البيت الفاخر، ذي الفراش الوثير، وأخبرت الرجل صاحب البيت بأنني أنا مجهز الموتى الذي اتصل به، وأريد أن أحمل الجنازة، فأحضرت النقالة التي يحمل عليها الموتى، ووضعنا المتوفى أبا الأولاد عليها، ثم وجه ابن المتوفّى إلي تعليمات صارمة، وهي إياك عند حمل الجنازة، أن تصطدم بأي تحفة أو مزهرية من أثاث البيت، فهذه تحف أثرية وذات قيمة تاريخية وفنية ومالية عالية جدا.

خامسا: وإن تعجب فعجب عقوقهم:

عجبا يتحدث الابن عن أبيه المتوفى كما لو كان خزانة قديمة، لم تجد لها مكانا في بيتها، ولو ليلة واحدة، ولم يدفع في  شراءها تجار الأثاث المستعمل دينارا واحدا، ولا مصير لها إلا  الإتلاف، وأثناء السير بالنقالة في البيت كانت هناك مبالغة مُمِلّة من الأبناء في التحذير والتذكير بضرورة الانتباه للأثاث الفاخر، دون إعارة أي انتباه لجثة الأب على النقالة، حتى وجدت جثة الوالد مستقرا لها في صندوق سيارة الموتى في ليلة غير عادية، وأظن أن صندوق سيارة الموتى كان أكرم لذلك الوالد من سريره الفاخر في بيت ولده عبد التحفة والمزهرية، ولعل مبيت الجثة خارج البيت، كان أكثر راحة للأبناء العاقين من بقاء جثة والدهم مسجى بينهم، وقد ضاقوا بها ذرعا.

سادسا: جَـهِّـزْه وهاته إلى مسجد الجامعة (عطاء شامل: التغسيل والنقل والصلاة والدفن):

لقد كان غريبا أن يبيت الوالد المتوفى في صندوق سيارة الموتى، وكان أغرب أكثر فعل الابن العاق هاوي التحف الثمينة، والأثاث الوثير، ولكن الأغرب أكثر وأكثر عندما سألهم وكيل السفرة الأخيرة بلا عودة، متى تأتون لأخذ الجثمان؟ قالوا له لن نأتي لأخذه، ولكن أحضره لنا الظهر في مسجد الجامعة، يعني بصراحة: العطاء كامل وشامل من قبل وكيل السفرة الأخيرة، إلى هنا انتهى عرض المسلسل بالنسبة لي.

سابعا: المبادرة للصالحات خير لنا:

 ولكن كان من عادة الوالد أن يسارع في تغسيل المتوفى لكسب الأجر، لذلك أصبحت بينه وبين وكيل السفرة الأخيرة مصالح أخروية مشتركة، في ثواب تغسيل الموتى، والإكثار من الدعاء لهم، الزبائن من الوكيل والغسيل من الوالد، وعلى كل حال فإن عقد الإسلام أقوى من عقد النسب، فلم تنفع علاقة الأبوة مع أولئك الفجرة، الذي زهدوا في آخر لقاء مع أبيهم في الدنيا، فكيف باللقاءات التي قبله، ولكن نفع أباهم عقد الإسلام، ووجد المتوفى إخوة له في الدين لم يعرفهم قبل موته، ومهما كان من أمر بعد ذلك، فلن يُضير الشاة سلخها بعد ذبحها، فالأب المتوفى مقدم على ما يشغله في الآخرة عن الدنيا، ولا بد أن نسارع لنقدم لأنفسنا ولا نعتمد على من وراءنا بعد موت ليتصدقوا علينا بفتات أوقاتهم وصدقاتهم، فإن زهِدْنا في العمل لأنفسنا، فأحرى أن يزهد غيرنا في العمل لنا.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

30-6-2017

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top