تفكيك الشريعة وتفكيك التفكيك… الاجتهاد المؤسسي للأمة وشيء من تاريخ المنهج العلمي

تتجلي مراحل العلوم الشرعية من حيث المنهج والموضوع إلى جملة مراحل أرتبها على النحو الآتي:

أولا: البحث والمناقشة (مرحلة التداول):

تمثل علوم الشريعة مؤتمرا مفتوحا في الزمان والمكان، وقد تداولت الأمة العلوم لمدة قرون،  وكانت الروايات والأقوال والأفكار جميعا  تسجل من باب الأمانة العلمية، ووجوب نسبة العلم إلى أهله، وتؤكد هذه المرحلة شفافية المناقشة، دون حجر على العلماء فيما يوصلهم إليه اجتهادهم، ونُخِّلت العلوم الشرعية وصُفيت. 

ثانيا: مرحلة النطق بالحكم على المنصة (الاستقرار):

لم تكن مرحلة التداول حالة عشوائية، بل كانت تسير فيها الأقوال والفتاوى في مرحلة التصفية، والتنقية، وبالرغم من المتشابهات، توصلت الأمة إلى المحكمات، ثم أعلنت الأمة موقفها موحدا في علوم الحديث كتلقي الصحيحين بالقبول، وإثبات مصادر السنة، وكتبت عقيدتها وفتواها المحررة  بالخطوط العريضة  والمواثيق الغليظة فيما يعرف بالخطاب الموحد في المتون العلمية، مع الاحتفاظ بالنسخة المسودة في التداول التي تمثل المذكرة الإيضاحية، التي تثبت سلامة المنهج العلمي الدقيق للأمة خاليا من السلطة والقهر على العلماء.

ثالثا: مرحلة العزل:

كثيرا ما يتذكر المسلمون آلام الغزو الاستعماري الذي نهب أموالهم وخيراتهم، لكن منهم مَن لا ينتبه إلى النهب الثقافي، والقهر الفكري الذي تعرضت له العلوم الإسلامية، خلال فترة الانتقال من التعليم المشيخي والمذهب، إلى تعليم القاعات ووجهات النظر، وحقك في إبداء الرأي، حيث تسللت في الظلام مناهج الشك الغربية في العلوم، بحيث أصبحت اللغة العربية بقواعدها ضمن فلسفة الغرب اللغوية: كالتداولية، والبنيوية، والتفكيكية، ولم تنجُ بقية علوم الشريعة من غبار التفكيك الغربي، من مثل ما تعرضت له اللغة العربية، التي تم عزلها عن منهجيتها الإسلامية في المعرفة، التي قامت على خدمة الكتاب والسنة، فاللغة وعاء علوم الشريعة.

رابعا: مرحلة التفكيك بقلب الطاولة وتدمير المنصة بدعوى التجديد:

إن فشو الفكر المنهجي الغربي  القائم على الشك والفردية في المجتمع لم ينج منه بعض الدارسين لعلوم الشريعة، ولو كان ذلك من حيث لا يدري، بحجة التصفية والتنقية والتجديد والقول الراجح، والعودة إلى المنابع الصافية، التي كانت في الحقيقة الرجوع إلى مرحلة التداول، وخَلع باب الاجتهاد، وزُرع الشك في المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة، وشاعت الدعوة إلى مراجعة الصحيحين والسنة، والمتون العقدية المحررة، ووضعت كليات الشريعة ضمن الكليات الإنسانية ويقابلها الكليات العلمية، مع أن المستقر لدى هذه الأمة أن علوم الوحي أوثق من علوم الطبيعة، مما يشي بهيمنة الكلي الغربي المتعولم على العلوم.

خامسا: بعد تدمير المنصة العودة إلى مرحلة التداول:

بعد تدمير المنصة، والتشكيك في المدرسة العلمية الموثقة في الحديث والفقه وأصول الدين واللغة، تمت العودة إلى مرحلة التداول على أنها هي المنبع الصافي، والمصادر الأصيلة، لتجديد علوم الشريعة المختلفة، ولما لم يكن في هذه الحقبة أحمد بروايته، ولا الشافعي في رسالته، ولا أبو حنيفة في قياسه، ولا مالك قائم بعمل أهل المدينة وأصوله العقلية، انفلت الناس من عقالهم، ولم يعد فيهم أئمة، وأصبح قول الشافعي إن صح الحديث فهو مذهبي إعلان إقالة الشافعي من منصب الاجتهاد، وحلول الرأي الفردي، وما حدث مع الشافعي حدث مع غيره، ولم يجد الناس أئمة يجتمعون عليهم، فالجميع يطعن في الجميع،  وبعد أن تم تدمير  منصة الأمة التي خاطبت بها الأمم والطوائف، تمت بعثرة أوراق المداولة على نحو يصعب استرجاعها كما كانت.

سادسا: مرحلة العدم العام والشك المزمِن:

1-التحصن بالمتشابهات لقذف المحكمات:

بعد هدم منصة النطق بالحكم، وبعثرة أوراق التداول التي أصبحت كل ورقة دِينا فرديا لحزب أو جماعة أو شخص، واتخذوا من تلك الروايات والأقوال جُنّة للصد عن محكمات الأمة، وأصبحت هذه الآراء وجهات نظر فردية تعارضها آراء فردية أخرى، ويحسب أحدهم أنه ممسك بالسنة، ولكنه كقابض على الماء خانته فروج الأصابع.

2- منهج السنة التثبت والعولمة النفي:

أ-عدم الثبوت هو دخان العولمة:

وأصبحت ترى خلالها دخان العولمة والشك، لا منهج السنة في التثبت واليقين، وإن كنت تطلب دليلا على هذه الحالة، فانظر إلى تضارب الآراء الدينية في داخل المسجد الواحد بين كفر وإيمان، وبدعة وسنة، وفرض وحرام، تعرف أن دَخَن المنهج الغربي في الشك فشا في الإعلام والناس، والرأي والرأي الاخر، وخلت من الجماعة المدونة في الميثاق الغليظ.

ب-استغلال المظاهر الشاذة لهدم المنصة:

واتخذت بعض مظاهر التعصب المذمومة سبيلا لهدم مرجعية أهل السنة في المذاهب المتبوعة، ومعلوم أن من علامات السنة الجماعة، ومن علامات البدعة الفرقة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) فإن كانت الفُرقة ليست من السنة، إذن ستكون من الخارج وما أُراه إلا ذلك الأسود السالخ له زبيبتان، يقبع في ظلمة الشك، ويظهر من خلال غبار العولمة، علِمه مَن عَلِمه وجَهِله من جهله.

سابعا: أدْرِكوا ما بقي من المنصة:

إن أي إصلاح لا يعود إلى ما وثقَّته الأمة في مواثيق الفقه والعقيدة الحديث واعتبارها جوامع الأمة، فهو هدر للوقت، وتهديد لا تجديد، وإن إعادة ترميم المنصة هو التجديد الحقيقي،  وإن أخطر ما في هذه المرحلة أن يتقمص الذين سعوا في مدرسة أهل السنة معاجزين في المذاهب المتبوعة أن يخربوها كما خربوا مرحلة التداول، ويكونون بذلك قد أجهزوا على البقية الباقية من مواثيق أهل السنة المغلظة التي أنجزتها الأمة عبر قرون، ولا تخلو هذه المرحلة من راكبي الأمواج، الذين يظهرون أنهم معنا يبحثون معنا عن بقايا المنصة، ولكن ليحطموا البقية الباقية، بينما نحن نريد إعادة بناء المنصة، فكلانا يبحث، ولكن الحق مختلف يؤفك عنه من أُفِك.

ثامنا: جوهر التفكيك:

التفكيك لا يبحث عن الإلغاء، بل يريد أن يحول المركز إلى طرف والطرف إلى مركز، فيقوم بتفكيك المنصة وتحويلها إلى قاعة التداول، وتحويل قاعة التداول إلى مكان المنصة، فالتشابه بينهما كبير، والتدمير الناعم غير ملاحظ، ولكن التحويل يؤدي إلى وضع العربة أمام الحصان، وهذا يفسر عدم قدرة الأمة على السير لتصبح رائدة في مجتمع العمران، بسبب اضطرابات المركز والأطراف بحيث يصبح الشافعي طرفا بعد اعتبار قوله : إن صح الحديث فهو مذهبي  خطاب إقالة الإمام من الاجتهاد، وإحلال شخصيات غير قادرة على أن تكون مركزا ، فلا بقي المركز مركزا ولا الطرف طرفا، وهو جوهر التفكيك.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

أ.د وليد مصطفى شاويش

 عبد ربه وأسير ذنبه

24 -رمضان -1441

16 -5 -2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top