بين قوله تعالى لبني إسرائيل (ولَتَعْلُنَّ عُلُوًا كبيرا) وقوله تعالى:(وكلمةُ اللهِ هي العُليا)

أولا: معنى عُلُوِّ المفسدين:

فسَّر الكتاب علو الفرعون بتفريق أهل الأرض في سايكس بيكو قديمة، وارتكاب المجازر ، وجحود الحق، فقال الله تعالى في علو الفرعون: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) ، وقال في جحوده الحق:  (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)، وهذا معنى العلو في العادة الغلبة في المادة وقوة السلاح.

ثانيا: علو بني إسرائيل لا يختلف:

ولم تقم دولة الكيان إلا على تفريق المسلمين شيعا وأحزابا في سايكس بيكو حديثة، حولت الأمة إلى أقفاص ينفرد الجزار كل يوم بقفص، وأما فلسفته فهي جحود رسالة الأنبياء كسلفه الفرعون، وتحريفها، وعناده وكبره عن الإيمان برسالة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، فما أشبه اليوم بالبارحة، وحقا إن العصا من العُصَية ولا تلِد الحيَّة إلا حَية.

ثالثا: وكلمة الله هي العليا:

قد يعلو الفرعون الكبير وتتبعه الفراعين الصغار، في غرور القوة وجحود الحق، وكما أن الله جعل كلمته هي العليا مع موسى عليه السلام، في انتصار البينة وسجود السحرة لله مؤمنين، فكلمة الله هي العليا الظاهرة بالبراهين والبينات ولم تكن يوما سُفلى سواء ظهرت قوة المسلمين العادية في المادة أم لا، فأدلة كلمة الله وبراهينها لا تقهر، وستبقى العولمة وأخواتها ترجع القهقرى إذا تجَاسرت يوما على الوقوف أمام بينات الشريعة.

رابعا: المنافقون لا يظهرون على مؤمني هذه الأمة:

مهما كثر المنافقون وكان لهم العلو الحسي كما لبني إسرائيل والفرعون، فإن هذا الظهور الحسي لا يغلب قوة الحق الدائم الذي عليه المؤمنون، ولم يفلح الفرعون بل هُزم في سجال البينات مع كونه في متغطرسا في السلطة، أما سلطان المؤمنين الماثل في الثبات على الحق والصبر عليه، فهو معيار النصر الدائم، وليس معيارُ كلمة الله هي العليا هو سطوة السلاح وزخرفة الإعلام، ولكن هو سطوة البينة، وإن تسلط النفاق على قالَب المؤمنين الجِسْمي، فإنه لا سلطان له على قلبهم المعنوي المعلَّق بالله تعالى، كسحرة الفرعون حيث كان سلطانه على القالَب لا على القلب، وينظر المؤمن إلى الناس كفارا ومسلمين أنهم خُدَّام لقدر الله تعالى، فقلبه حر لا سبيل لأحد عليه.

خامسا: المؤمنون ظاهرون على الحق:

لذلك إن ثبات المؤمنين على دينهم والأمانةِ التي خولهم الله تعالى إياها وبقائهم ظاهرين، وحاضرين بهذا البأس، وهذه القوة، فهذا هو الظهور الذي يقهر الله تعالى به قلوب أعدائه من الغاصبين وقتلة الأنبياء، فالمعارك الحاسمة وقتها قصير جدا من بدر ، واليرموك، وحطين وعين جالوت فلا تكاد تفي شهورا بين قرون كثيرة، ولكن ظهور الفئة المؤمنة باق كل حين، وحضورهم بالثبات على الحق في المحن لا يخفى.

سادسا: الحديث يبين أنهم (ظاهرين على الحق):

جاء في صحيح البخاري، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»، وقد ترجم البخاري للحديث بقوله: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» يقاتلون وهم أهل العلم “، فالظهور بالحق والبينات شأن أهل العلم قولا وعملا، لا سيما أولئك الذين يتمثلون البينة قولا وعملا بأكناف بيت المقدس.

سابعا: الظهور يختلف عن الحسم العسكري:

 والظهور غير الحسم في النصر العسكري، بل هو الثبات على الملة والقيام بواجب الشريعة وحراسة المقدسات، وأن أساس هذه البينات هم العلماء القائمون بالحق كما ترجم لذلك الإمام البخاري، ويؤكده قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، فالثبات على الإسلام والمجالدة عنه بالوسع والطاقة، بالرغم من عاديات الليالي، وصروف الأيام، هو معنى الظهور ، مهما قل العَدَد وقلت العِدَد.

ثامنا:  النصر مكافأة نهاية الخدمة:

إن الفئة المؤمنة الظاهرة  هم القائمون على حراسة الشرع وبيانه، وبيان الشرع حارس لمقدسات المسلمين في كل بقعة وعلى رأسها مسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتقييم النصر والظهور هو بالثبات على مراد الشرع، والحضور بالعِزَّة والنكاية على مستوى العالم، سواء حصل الحسم العسكري أم لا، لأن قصد الشارع هو الابتلاء للناس وتمييز الخبيث من الطيب، أما النصر فهو مكافأة نهاية الخدمة، فلا تنشغل عن الخدمة بمكافأة نهاية الخدمة.

تاسعا: لا يأس مع فقه الظهور  والنصر:

أ-أساس التقييم الخطأ:

إن تقييم المسلمين انتصارهم بالنصر  العسكري، دون التفات إلى نصر الظهور والعزة بالإسلام والنبوة والتمسك بالمقدسات، سيفسد عليهم ثقتهم بأنفسهم، وسيؤدي بهم إلى الشك في وعد الله تعالى واليأس منه، بسبب سوء تقييم أسس النصر، وإهمال نصر الظهور  والثبات في المحن الذي عليه مدار  الابتلاء.

ب-أساس التقييم الصواب:

 لذلك لا بد من تقييم النصر  الدائم هو بالظهور والثبات على الشرع وتحمل المحن، وعندئذ سيرى المسلم أن له العلو  في كل لحظة، وهذا سيزيده قوة وعزما في طريقه إلى النصر  الذي هو مكافأة نهاية الخدمة، وهذا هو عهد الخدمة الدائمة: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)، فإما أن تَفِي بِنَحْبِك وهو العهد، وإما أن تنتظر الوفاة على ذلك العهد، فاستمسك بعقدك مع الله، ولن يضروكم إلا أذى.

عاشرا: لا يحزنك الذين كِرِهَ الله انبِعاثهم:

ستجد من خذلوا المسجد هم الذين انحرفوا عن الدين، وخذلوا الشرع من قبل، فاعلم أن هؤلاء القَعَد مِن غير أولي الإربة من الرجال، كرِه الله انبعاثهم بسوء ما قدموا لأنفسهم، فثبطهم الله، وحرمهم من شرف القيام بواجب الشرع، وما قدسه الشرع من البقاع والمساجد، فلا تظن أن المسجد له قداسة عند من لا يعظم الشرع، لأن قدسية المسجد من باب النبوة الباقية، وليست من باب الشَّعبويات الزائلة، والعَنْتريات القومية الفانية.

الطريق إلى السنة إجباري

الكسر في الأصول لا ينجبر

عبد ربه وأسير ذنبه

أ.د وليد مصطفى شاويش

عَمان الرباط

   6-شوال  -1442

   18- 5 -2021

1 thought on “بين قوله تعالى لبني إسرائيل (ولَتَعْلُنَّ عُلُوًا كبيرا) وقوله تعالى:(وكلمةُ اللهِ هي العُليا)

  1. مايو 18, 2021 - عائشة الإدريسي

    تلك هي الحقيقة العظيمة التي ينبغي للمؤمنين تيقنها ليزدادوا ثباتا ..بارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top