بين عقوبة القصاص الشرعية وعقوبة الإعدام الوضعية

بسم الله الرحمن الرحيم

يظن بعض الإخوة أن عقوبة الإعدام هي عقوبة القصاص المنصوص عليها في الشرع، ولكن بينهما فروق في اللغة، وفي الأحكام الشرعية، ومصدر الحكم، وفيما يأتي أبين بشكل من الاختصار تلك الفروق، لإزالة اللَّبس، ولبيان الخصوصية لكلمة القصاص الشرعية، وتمييزها عن كلمة “الإعدام” الدخيلة على فكر المسلمين.

أولا: من حيث الدلالة اللغوية:

1-مفردة: القصاص والإعدام:

تدل كلمة القصاص على المماثلة فهي تدل على العقوبة الشرعية والجناية معا في كلمة واحدة، بينما كلمة الإعدام لا تدل على المماثلة بين الجناية والعقوبة، إضافة إلى أن كلمة إعدام خرجت في بيئة أروبية، تنكر الغيبيات، وتزعم أنها خرافة، واخترعت هذه الكلمة للتعبير عن حالة الإعدام والفناء التي تلحق بالجاني المرتكب لجريمة القتل البشعة، بينما يعتقد المسلم أن الموت ينقل الإنسان من دار الدنيا إلى عالم البرزخ في القبر، فهو إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ومن ثم فإن كلمة الإعدام ليست مناسبة لبيئة المسلمين الذين يؤمنون بالغيب والحياة الآخرة.

2-القصاص حياة، والإعدام فناء:

 القصاص حياة لأهل المقتول:

يمثل القصاص حياة لأهل المقتول لاستيفائهم حقهم من القاتل أو العفو عنه، وهو يرى المصير العادل للقاتل بأن يقتص منه، ويفقد حياته إلا إذا عفا أولياء المقتول بعد تمكينهم من حقهم، وقد جعل الله للمقتول أولياء يأخذون حقه، وهو تمكينهم من القصاص: قال تعالى (ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا)، وقد نهى الله تعالى أولياء الدم عن الإسراف في القتل وهو قتل الأبرياء، لأن الله مكنهم من القصاص، فماذا إن سلبوا حقهم؟ فهذا يعني أنه- حسب مفهوم الآية- سيحدث الإسراف في القتل والثأر، وهو منتهى الإفساد في الأرض، وسبب ذلك كله البعد عن شريعة الرحمة.

 القصاص حياة للمجتمع:

حيث يرى أن من أزهق روح إنسان ظلما، فلا بد من إزهاق روحه عدلا، وأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، وهنا يشعر أفراد المجتمع بأن حياتهم أصبحت لا قيمة لها، عندما يرون الضحية تحت التراب، بينما يتمتع القتلة بالحماية والكفالة في السجون، ناهيك عن التكلفة العالية التي تكلفها حياة أولئك المجرمين التي تفوق أجرة المعلم الذي يحيي العقول، والطبيب الذي يحيي الأجساد، ويَـتَــبـَـغْدَد المجرمون ذوي الرقاب الغليظة من الرسوم والضرائب التي يدفعها الفقراء من قوت عيالهم.

القصاص حياة للقاتل!

إن الإبقاء على القاتل سجينا دون تمكين أولياء الدم من القصاص أو العفو، يعني أن القاتل لم يعاقب العقوبة الشرعية في الدنيا، وبقي جرمه في رقبته، ويستحق العقاب عليه في الآخرة، ولم تبرأ ذمته عند الله تعالى، وفي الوقت نفسه بقي سجينا يعذب في سجنه، ولو نفذ فيه الحكم الشرعي بالقصاص لكان القصاص زاجرا للناس عن الجريمة، وجابرا لذنب القاتل، وعدم تنفيذ حكم القصاص يعني أن المجرم عذب بالحبس في الدنيا، ولم ينج من العقوبة المستحقة للقاتل في الآخرة، يعني ذلك أن مَـثَل الذين زعموا باطلا أن القصاص الشرعي ظلم للإنسان، كمثل الدبّ الذي قتل صاحبه، فأفسدوا على الجاني دنياه بالحبس، وأفسدوا عليه آخرته بأنه لم يعاقب في الدنيا وبقي مستحقا للعذاب في الآخرة.

ثانيا: الاختلاف في الأحكام:

       تختلف أحكام القصاص الشرعي عن الإعدام الوضعي من حيث الاتي:

1-القصاص الشرعي لا يشترط سبق الإصرار أو الترصد لوجوب القصاص، بل يكتفي باستخدام الجاني أدوات قاتلة في مقتل ولو مع سَوْرة الغضب، من شخص مكلف شرعا لإيقاع العقوبة، بينما ينظر القانون الوضعي إلى ناحية الإصرار والإعداد للجريمة كشروط أساسية للحكم بالإعدام.

2- القصاص الشرعي واجب على الفور:

حيث ثبتت الجريمة بالأدلة المعتبرة شرعا، ولا يجوز تأخير تمكين أولياء المقتول من القصاص أو العفو، لأن القضاء في الإسلام من باب إنكار المنكر، وإنكار المنكر واجب على الفور، وتأخير الحق عن صاحبه بعد تَــبَــيــُّـــنِه يُعَدُّ من المنكرات شرعا، ولا يجوز إيصال الحق لصاحبه متأخرا، وثبت في الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِــي بأمرأة رُضَّ رأسها بين حجرين، ولما اعترف القاتل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُرضَّ رأسه بالحجارة. 

3- المماثلة في القصاص أمر شرعي:

فقد عاقب النبي صلى الله عليه وسلم القاتل بأن يرض رأسه بين حجرين كما قتل، وهذا هو الرحمة الحقيقية بالمقتول، وأهله، والقاتل أيضا، حيث يجبر ذنبه في الآخرة -بإذن الله تعالى، وأن الذين يحاولون أن يحمُوه من قدر الله عليه في الدنيا، لن يحموا أنفسهم من قدر الله عليهم في الآخرة.

4- لقد جعل الله حق العفو لأولياء الدم:

الذين نشأ المجني عليه بين أيديهم صغيرا وعاش كبيرا، وما زال طيفه لا يفارق نهارهم ولا ليلهم، ولم يجعل الله تعالى ذلك الحق للذين لم يعرفوا المجني عليه ولا يهمهم أمره، واغتصبوا حق أولياء الدم، وذهبوا ليتحدثوا بإنسانية كاذبة عن الوحوش البشرية التي تتجول بيننا ولا نعرفها، وأعدموا إنسانية أولياء الدم والجاني على مشنقة إنسانية المجرمين، وهو منتهى الإفساد في الأرض، وغاية الظلم ولكن بألسنة مغلفة بالرحمة المزيفة، ولكنها في وحشة الليل الطويل تـَــجـْـرُش بأنيابها قلوب أولياء الدم، وتنفث في قلوبهم السمّ الناقع، وتصنع الاستفزاز واللجوء إلى الثأر الذي حرمه الإسلام، وليس غريبا على طائفة اللادينيين (العلمانيين) إفسادهم في حياة المسلمين، فهم سبب لكثير من الموبقات والشرور، وحسبهم إثما أنهم يمثلون محرِّشات ومحفِّزات للغلو الديني عند بعض المسلمين، وعندها تصبح الأمة بين نار الغلو ولهيبِ التحلُّل.

ثالثا: اختلاف المصدر:

1-بين شرع الحق المنزَّل ووهم الحق المبدَّل:

    شتان بين الشريعة المنزلة، التي أنزلها العليم الخبير بخلقه، وبين أولئك البشر الذين ادعوا حقا ليس لهم، فشرعوا للناس حقوقا متوهمة أضاعوا بها الحقوق، وأدخلوا على الناس ظلما، أفسدوا به عليهم دنياهم وآخرتهم، وظن بعضهم أنه يرحم القاتل من القصاص، ولكنه ظلم القاتل وظلم أهل المقتول، وظلم المجتمع، فهو فوَّت على القاتل فرصة الإقبال على الله تعالى مغفورا له ذلك الذنب، الذي لا ذنب فوقه إلا ذنب الموت على الشرك بالله تعالى، ونسي هؤلاء الذين يزعمون أن القصاص ظلم، أنهم ارتكبوا جرما أكبر من القتل، وهو فتنة المسلمين عن دينهم، وصدهم عن سبيل الله الذي وصفه الله تعالى بأنه أشد من القتل نفسه، فكيف يعتبر القصاص الذي هو حق الله وحق الإنسان ظلما؟! ويصدر ذلك من بشر ضعفاء، ينازعون ربهم عدله وحقه جهلا منهم، فكيف إذا أصبح الجهل بدين الله تعالى في هذا الزمان فريضة محكمة، وفريضة الشرع حِكْمة مُضيَّعة، وملتبسة على الناس، فبعض المسلمين يطالب بالإعدام يظن أنه هو القصاص، والفرق بين القصاص والإعدام هو الفرق بين الحياة والموت.

2-حق الله أم الحق العام:

     تغيب في أروقة القانون عبارة حق الله التي تزخر بها أدبيات الفقه الإسلامي، وهذا الغياب ناجم من الفسلفة الأوروبية التي تنكرت لربها، وجحدت ربها ونعمه عليها، وتسللت هذه العبارة إلى تفكير المسلمين ليس جحودا منهم لربهم بقدر ما هو غفلة عن مزايا شرع ربهم المنزل، الذي جعل حق أولياء الدم بالقصاص أو العفو حقا لهم، حماية له من الإسقاط والضياع في مجالس التشريع والتقنين، فلو أجمع الناس من آدم إلى قيام الساعة على إسقاطه فإنه لا يسقط، لأنه ليس حقا للمجتمع، بل حقّا لله تعالى خالق المجتمع، وهذا كفيل للاستقرار والثبات في التشريع، وحماية لحقوق الناس الثابتة من أن تصبح عرضة للعبث.

 

(القصاص صلاح الدنيا والآخرة)

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

صبيحة الجمعة

28-11-2014

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top