الوطن بين الغُلاة والهُداة والجُفاة والغُفاة

تمثل المواطنة علاقة بين الإنسان والأرض وهي علاقة طبيعية جبل الله تعالى الخلق عليها، فعلاقة الإنسان بالأرض من حيث الأصل أمر غريزي، له حكمته وغايته، في بيان الاستخلاف الإلهي للإنسان والمواثيق والعهود على الإيمان بالله تعالى وبالنبوات والمعاد إلى الموطن الدائم في الجنة فمن وفى فهنيئا له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.

أولا: الجفاة والوطن:

1-نبذة تاريخية في خطورة رجال الدين:

هيمن رجال الدين في سلطانهم المطلق الذي منحوه لأنفسهم، على أجيال كثيرة من البشرية، فأرسل الله تعالى الأنبياء بالتوحيد للقضاء على السلطان المطلق لرجال الدين باسم الدين والسماء زورا وبهتانا،  فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء عليهم السلام، ولكن مع معجزات النبوة الكثيرة، إلا أن مِن رجال الدين من استكبر وعاند، واستمر في زعم السلطان المطلق لرجال الدين، وحدثت حروب أهلية دينية طاحنة بسبب استكبار رجال الدين وأتباعهم على الإيمان بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم، إلى أن قطعت البشرية شوطا مهما في العلوم الطبيعية، وتبين زيف مقولات رجال الكنيسة في العصور الوسطى، وأنها مصادمة للعقل والطبيعة، فثار الناس على سلطة رجال الدين وبدأ المجتمع ينفصل عن الدين شيئا فشيئا.

2-خيالات روسو بديلا عن انحرافات رجال الدين:

مع هذا الانفصال عن الدين برزت الحاجة إلى وجود ناظم جديد للمجتمع، ومع أنه كان من الأفضل لأوروبا أن تتخلص من الحروب الدينية وتعود إلى رشدها وتؤمن بنبيها محمد -صلى الله عليه وسلم، إلا أنها تمادت في عنادها، ولم ترجع للنبوة والحق، بل جاءها “جان جاك روسو” الذي فكَّر وقدَّر، وجحد ميثاق الله بالإيمان بالأنبياء، وأراد أن يقيم المجتمع على افتراض وهمي سماه العقد الاجتماعي، ليحل محل الدين المحرف، وكان خيرا له لو رجع عن عناده وآمن بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم.

3-العقد الاجتماعي وهميٌّ مثل خط الاستواء:

 وهذا العقد قائم على افتراضات وأوهام لا يمكن أن تداني أو تشابه ميثاق الله وعهده مع الخلق على الإيمان والتوحيد، قال تعالى:  (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) سورة المائدة (7)، وسمَّى الله تعالى ميثاق الإيمان بأنه غليظ، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [سورة الأحزاب: 7]، فبئس ما قدم “روسو” لنفسه وقومه عند ربهم، إذ جحدوا الميثاق الغليظ، وبنوا المواطنة في الفكر اللاديني على وهم العقد الاجتماعي، وأن لا دين يحكم الشأن العام، والقابض على ذلك الوهم، كالقابض على خط الاستواء، يحسبون أنفسهم على شيء وليسوا على شيء، بل إن أحدهم كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، ومن تمرد على الميثاق الحق سجد في أوحال الوهم.

ثانيا: الغلاة والوطن:

يتلخص موقف الغلاة، بأن التوحيد لا يجيز القتال من أجل الوطن، بل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله، فجعلوا  التوحيد بلا وطن، أما الجفاة فجعلوا الوطن بلا توحيد، مع أن الوطن هو ركن في الاستخلاف الإلهي، ويعتبر هذا الموقف هو رد فعل على المواطنة في الفكر اللاديني القائمة على عقد “جان روسو”، فأصبح الغلو ردة فعل على الفكر اللاديني المتحلل من الدين، لا أمرا مستنبطا في الدين نفسه، ولعل الغلو في أغلب أحواله ردود أفعال على التحلل، ثم بعد ذلك تأتي شذوذات الغلو والتحلل يضفي كل منهما الشرعية على الآخر، فالتحلل أنكر التدين في شؤون الوطن العامة، فجاء الغلو وأنكر وجود الوطن في شأن التدين، واعتبر القتال من أجل تراب الوطن في سبيل التراب وليس في سبيل الله، فباختصار يريد الغلاة توحيدا بلا وطن، ويريد الجفاة وطنا بلا توحيد.

ثالثا: الغُفاة والوطن:

1-التدين العاطفي يطغى على التدين المعرفي:

يغلب على عامة المسلمين الانشغال بالمعاش وأمورهم الحياتية، ولا علاقة لهم بتفاصيل الكلي والجزئي الدقيقة، ولديهم مشاعر دينية صادقة، ولكن تكمن المشكلة في عدم توافر ثقافة دينية أصولية منضبطة على مستوى المجتمع، الحاكم والمحكوم والأرض والفرد والجماعة، تبرز التوافق التام بين كل ذلك ومفهوم الوطن الرشيد، الذي كان ركنا من أركان الاستخلاف في البيان الإلهي (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) سورة البقرة (30)، وأصبح الغفاة ضحية التجاذب بين الجفاة والغلاة، وأصبحوا في حيرة من تناقضات الوطن والدين التي يفرضها الجفاة والغلاة، فهم لا يتخلون عن إيمانهم ولا عن وطنهم، وهم يبحثون عن رضى الله تعالى وحراسة الوطن، فكانوا خيرا من الجفاة والغلاة.

2-ميثاق الإيمان مع الله يقوم على الحقائق لا على عبادة المنفعة في الفكر اللاديني:

إن الوطن هو مكان السجود في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا به، وهو أيضا موارد الزكاة، وهو أيضا النعم الظاهرة والباطنة، التي تعين على الاستخلاف المرتكِز على ميثاق التوحيد والإيمان بالرسل السابق ذكره، وليس على أوهام العقد الاجتماعي الافتراضي في الفكر اللاديني القادم من الغرب، والقائم على عبادة المنفعة، وأن ولاء الإنسان للوطن يهتز إذا كان مظلوما فيه، لعدم تحقق المنافع من الوطن، الذي يجب أن يموت من أجله الضعفاء، بينما يقسم الوطن إلى غنائم بين الأقوياء، وهنا تسمع بإعلامنا أن الولاء والانتماء للوطن مرهون بسلة المنافع المكتسبة، وأن من يشرب من البير لا يلقي فيه حجرا، مع نسيان أن هناك من لا يقدر أن يصل إلى البئر ليشرب، ومع غفلة معرفية للميثاق الإلهي مع الناس والأنبياء على الإيمان، وغفلة أخرى عن البيان الإلهي في الاستخلاف في الأرض.

ثالثا: الهداة والوطن:

1-الوطن ركن الاستخلاف:

يمثل الوطن بالنسبة للهداة ركنا من أركان الاستخلاف والميثاق الذي أخذه الله على أنبيائه، وأنه عندما يدافع عن تراب الوطن فهذا مقصد جزئي أدنى مكمل لمقصد كلي أعلى وهو في سبيل الله تعالى، وليس مناقضا له، لأنه يدفع عن مكان سجوده الذي لا تصح صلاة إلا به، ويدفع عن زكاته المرتبطة بالموارد المسخرة للقيام بواجب الاستخلاف، وهي دار الشهادة التي تحدد المصير في الدار الآخرة.

2-الرسول -صلى الله عليه وسلم- يؤكد العلاقة بين المقصد الكلي والجزئي:

 وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المقصد الجزئي المكمل للكلي في الحديث الصحيح” من قُتل دون مَاله فَهُوَ شهيدٌ “، فكيف يمكن للغلاة ان يفهموا أن من قُتل دون ماله فهو شهيد، بينما مَن قتل دون ماله وديار المسلمين ومال الغلاة أنفسهم أنه شرك بالله تعالى، وماذا يقول مقلدة أوهام وخيالات “روسو” عن جزاء الميثاق بأن من قتل دون ماله فهو شهيد في الآخرة، وأن الموت ليس النهاية، بل هو بداية الجزاء على الميثاق الإلهي جنة أو نارا، ولا عزاء للعقد الاجتماعي، ولا لمقلديه النابذين ميثاق الله وراء ظهورهم.

3-ما يترتب على ميثاق الله تعالى:

إنن الوطن أرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وغير قابل للتجزئة لا بسايكس بيكو، ولا حسب الخريطة التي يعد لها أحفاد سايكس بيكو حاليا لتمزيق الممزَّق من أرض المسلمين، وأن الذود عن الوطن وحمايته، لا يخضع للتفاوض ولا النقاش، لأنه ميثاق إلهي بيننا وبين الله تعالى، لا يوقف الانتماء للوطن فساد الفاسدين، ولا ظلم الظالمين، لأن ميثاق الله تعالى أجل وأعظم من أن يقطعه “روسو” ومقلدوه، ولا الفاسدون والمستفيدون منهم، فالمؤمنون بميثاق الله تعالى على بينة من ربهم، ويعتقدون أن من تولى أوهام “روسو” و “جون لوك” ونكث عهد الله وميثاقه، فإنما ينكثه على نفسه، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ولو أن “روسو” آمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وآمن بالميثاق لكان خيرا له، من أن يعاند الرسالة والميثاق الإلهي.

مقالة ذات علاقة: هل القتال دفاعا عن الأرض قتال في سبيل الله أم في سبيل التراب؟

صوتية ذات علاقة: أمثلة كثيرة على المقاصد التابعة والأصلية وتطبيقها على القتال من أجل الوطن وعدم تعارض ذلك مع الإخلاص لله تعالى

 

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

6-1-2017

عمان المحروسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top