الخطأ في الكلي ليس كالخطأ في الجزئي … صيام الستة من شوال عند المالكية هل هو بدعة أم مكروه أم هناك تفاصيل

 تمهيد:

1-بالرغم من أنني آثرت عدم ذكر بعض الأحكام الشرعية في اجتهاد إمام دار الهجرة رحمه الله، لاختلاف الخطاب عبر الفضاء الإلكتروني عنه في حلقات التعليم، حيث يمكن للشيخ فيها أن يستوفي التدليل والتعليل والتنزيل، ومن تلك المسائل مسألة كراهة صيام الستة من شوال، خشية سوء الفهم من الناس لفقه الإمام، فيترك الناس خيرا حببهم إليه، وكنت قد أجَّلت الحديث في حكم صيام الست من شوال بعد انتهاء شوال، لأتحدث عن فقه المالكية في صيام الستة لغاية في نفس يعقوب.

2-ولكن الخطأ في الكليات يأبى إلا أن يعمل في إفساد كل شيء، فقد وردني على فضاء التواصل استفسارات عدة حول بعض الروايات التي تنقل عن الإمام بأن صيام الستة من شوال بدعة في الدين، ومكروهة أيضا، مما هيج في قلبي العودة للحديث عن الخطأ في الكليات أولا، وما ينتج عنه من خطأ في الجزئيات، حيث جرى بعض الناس على أن يفتوا بالفقه والدراية من كتب الحديث والرواية، ويظن أحدهم أنه إذا فتح الموطأ خمس دقائق واطلع على رواية ما، فله أن يفتي من تلك الرواية، مع أن الفتوى من كتب الرواية في المذهب لا تصح ولا تجوز، بل الحق أن يفتى من المصادر التي اختصت بالفتوى، ومرجعها جميعا إلى نظر عرانين الفقه وذرى الحديث في الرواية، والتحقيقات التي أبرزت فقه الإمام -رحمه الله تعالى، وما حرره الفقهاء على مدار قرون، يفتي بها صاحبنا في تلك الخمس دقائق التي فتح فيها الموطأ.

أولا: تنزيل مذهب المالكية على محله:

1-قيود كراهة الصوم لا تنطبق على واقع الممارسة اليوم:

إن من الملاحظ أن المبادرين للصيام في الست من شوال أنهم آخذون بزمام اجتهاد معتبر، وإن المبادرين للصالحات ليس عليهم من سبيل في الكراهة، وإن من نشر قول مالك مرسلا عن قيوده قد صد عن تلك الصالحات لأنه قرأ نصف الجواب، ثم أنزل نصف الجواب على محله جزافا دون تدقيق، إذ إن شروط الكراهة لصيام الست من شوال لا تنطبق على الممارسات التي يقوم بها المسارعون إلى ربهم في الخيرات، إذ لا خشية من إلحاقها برمضان، ولم أر في حد علمي من يعتقد سنية اتصالها بعد رمضان مباشرة، إذ أكثر الصائمين والصائمات في غفلة من هذا، ويحدث أنه يتفق لهم أنهم يشرعون في صيامها عقب العيد، أما من حيث كراهة إعلانها، فإن النوافل يستحب إسرارها خشية الرياء، وهذا ليس مختصا بمذهب مالك.

2-قيود المذهب توسع الباب أمام الصائمين:

إن تحرير المذهب في هذه المسألة يبين أن محز البحث في هذه المسألة أنه يكره قصر صيام الست على شهر شوال بل إن الأمر واسع في شوال وغيره، وهذا يعني أن المذهب لم يكره الصيام في شوال إلا بالقيود السابقة، التي لا تنطبق على واقع حال المسارعين في الخيرات، ولكن المذهب يزيد في أنه يفتح بابا أوسع لمن فاته الصوم في شوال أن يصوم في ذي القعدة وذي الحجة، وأن الكراهة هي في قصر صومها في شوال، ومنع هذا الفضل في ذي القعدة وذي الحجة، ومع الأسف تم تحويل هذا الاتساع إلى ضيق بتنزيل الكراهة في المذهب خطأ على المبادرين في شوال، وتم تحويل السعة إلى ضيق مع الأسف، ومن ثم فإن مشهور المذهب في الكراهة في قيوده السابقة لدى تنزيله على الواقع لا نجد فيه ضيقا في شوال، بل نجد فيه سعة في غير شوال، ولم أشأ أن أنشر أدلة المذهب على جوازها في غير شوال، خشية تراخي الناس في هذه النافلة في شوال، حتى إذا انقضى شوال وجد المحبون للخير سعة في مذهب مالك في صيام الست بعد انتهاء شوال.

ثانيا: الرواية التي أُفتي جهلا بمقتضاها عن مالك:

( قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ خِفَّتَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ )، وبناء على هذه الرواية أُفتي جِزافا  بأن صيام الست من شوال بدعة عن مالك، ومكروه بإطلاق.

ثالثا: فقه الإمام مالك في هذه الرواية:

1-الجمع بين الأدلة والقياس:

قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لاَ تَقْدُمُوا الشهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ)، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن استقبال رمضان بالصيام، وقاس مالك على ذلك بالنهي عن تشييع رمضان بالصيام، فدل على أن الشرع، يريد أن يفصل بين رمضان وما قبله وما بعده، فكره صيام الستة من شوال معتقدا اتصالها برمضان.

2-سد الذرائع:

سد الذرائع أصل من أصول الإمام، وأنقل هنا كلام ابن العربي في القبَس بلفظه، في كراهة الإمام صيام الستة من شوال سدا لذريعة تبديل العبادات والزيادة فيها:  (احترازاً مما فعل أهل الكتاب لأنهم كانوا يزيدون في صومهم على ما فرض الله عليهم أولاً وآخراً حتى بدَّلوا العبادة، فلهذا لا يجوز استقبال رمضان ولا تشييعه (من أجله) قلنا في قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتّاً مِنْ شَوالَ”  الحديث، لأنه لا يحل صلتها بيوم الفطر ولكن يصومها متى كان, لأن المقصود بالحديث: من صام رمضان فقد حصلت له مثوبة عشرة أشهر، ومن صام ستة أيام فقد حصلت له مثوبة ستين يوماً وذلك الدهر؛ فأفضلها أن يكون في عشر ذي الحجة؛ إذ الصوم فيه أفضل منه في شوال، فإن قال: لعلّي أموت؟ قيل له: فصُمْها في شعبان).

3- (من شوال) ليس نهيا عن صوم الست في ذي القعدة وذي الحجة:

لم تنص السنة على نفي صوم السِّت في ذي القعدة وذي الحجة، بل صرحت بأن الصوم هو في شوال، ورأى مالك أن شوال لا خصوصية له في أمر الصيام وفضله، وإنما ذكر على أنه بعد رمضان، لقوله -صلى الله عليه وسلم- كصيام الدهر، وذي القعدة وذي الحجة من الدهر، فلِمَ أُخْرجا من الدهر في فضل صيام الست، وهنا كره الإمام أن يقصد متابعتها أيضا لرمضان، وأن الأمر في ندب صيام الست لا يقتصر على شوال، بل هو حاصل في ذي القعدة وذي الحجة، وشوال لا ينفي ذي القعدة وذي الحجة، إنما جرى ذكره من باب التنبيه على الصيام بعد رمضان، ولو صام المسلم بالقيود الآتية لم يكن صومه بدعة ولا مكروها، كما زعم المفتون بالرواية ممن يخلط بين الفقه والحديث، وموضوع كل منهما، وهذا خطأ كلي أنتج الكثير من الفتاوى الشاذة والتفرق في الدين الذي نهينا عنه شرعا.

رابعا: الحاجة التي كانت في نفس يعقوب:

أضمرت في نفسي أنه بعد انتهاء شوال، يكون بعض الناس قد فاته صوم الست في شوال، ومن باب فتح باب الخير، نقول له صُمْها في ذي القعدة، أو في ذي الحجة وصيام ذي الحجة أفضل من صيام شوال، فنكون بتعدد الاجتهاد فتحنا باب المسارعة للخيرات، وأظهرنا تكامل مدارس فقه السلف الأربع، وأنها في مجموعها تمثل الشريعة، ولكن شاء الله تعالى أن تظهر أمراض فهم الرواية جملة، ومنها ما سبق من الفهم السقيم في الرواية عن الإمام في مسألة صيام الست في  شوال، وهذا يُظهر بجلاء حجم الخطأ في المنهج في الإفتاء من الرواية، والخلط بين الدراية والرواية، والتشويش على المسلمين في طريقة تلقي الشريعة، الذي أشاع الفوضى في المعرفة الشرعية من حيث يحسِب أنه يحسن صنعا.

خامسا: الطريقة الصحيحة لطلبة العلم  هي أخذ فقه الإمام من مصادر الفتوى والدراية لا النقل والرواية:

كنت قد بينت في كثير من محاضراتي الإشكالات في طريقة التلقي عموما، ومذهب الإمام مالك خصوصا، وهو أن الفتوى عن الإمام لا تؤخذ من الموطأ ولا من المدونة لما فيهما من الإطلاقات التي يعرفها أئمة المذهب، ولكن تؤخذ الفتوى من الكتب المعتمدة للفتوى، وضوابط التعامل مع هاته المصادر، وطرق الاستفادة منها، وترجيح بعضها على بعض وهكذا، وفيما يأتي أنقل نصا من كتب الفتوى في مسألة صيام الستة من شوال:

1-نص خليل:

قال خليل بن إسحق في مختصره: (وكره البيض: كستة من شوال)

2-شرح الدردير:

جاء في الشرح الكبير للدردير على مختصر خليل:

(وكره كونها) أي الثلاثة الأيام (البيض) أي أيام الليالي البيض ثالث عشره وتالياه مخافة اعتقاده وجوبها وفرارا من التحديد وهذا إذا قصد صومها بعينها، وأما إن كان على سبيل الاتفاق فلا كراهة (كستة من شوال) فتكره لمقتدى به متصلة برمضان متتابعة وأظهرها معتقدا سنة اتصالها.

3-حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:

قال الدسوقي مُحَشِّي الدردير: (قوله إذا قصد صومها بعينها) بأن اعتقد أن الثواب لا يحصل إلا بصومها خاصة (قوله، وأما إن كان على سبيل الاتفاق) بأن قصد صيامها من حيث إنها ثلاثة أيام من الشهر اهـ تقرير عدوي (قوله لمقتدى به) خوفا من اعتقاد العامة وجوبها وانظر التقييد به مع ما في ح عن مطرف من أنه إنما كره مالك صومها لذي الجهل خوفا من اعتقاده وجوبها اهـ بن (معتقدا سنة اتصالها) أي معتقدا أن الثواب لا يحصل إلا إذا كانت متصلة واعلم أن الكراهة مقيدة بهذه الأمور الخمسة فإن انتفى قيد منها فلا كراهة وعلى هذا يحمل خبر أبي أيوب «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر الحسنة بعشرة أمثالها فشهر رمضان بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين تمام السنة» اهـ كذا قال بعضهم وتبعه شارحنا وبحث فيه شيخنا بأن قضيته أنه لو انتفى الاقتداء به لم يكره ولو خيف عليه اعتقاد الوجوب وليس كذلك وقضيته أيضا أنه لو انتفى إظهارها لم يكره ولو كان يعتقد سنية اتصالها، وليس كذلك بل متى أظهرها كره له فعلها اعتقد سنية اتصالها أو لا، وكذا إن اعتقد سنيته كره فعلها أظهرها أو لا فكان الأولى أن يقال فيكره لمقتدى به، ولمن خاف عليه اعتقاد وجوبها إن صامها متصلة برمضان متتابعة وأظهرها أو كان يعتقد سنية اتصالها فتأمل.

سادسا:سلامة الكُلِّي تعني سلامة الجزئي (سند الفهم المتصل بالأئمة):

إذا أفتى طالب العلم من النص مباشرة سواء كان نص الشرع من كتاب وسنة، أو قول الأئمة،  فهو يفتي بما فهمه هو لا بفقه الإمام، وكان عليه أن يسلك المسلك الصحيح في المعرفة عن الشرع والأئمة المتبوعين، فقد قضى جهابذة الفقه أعمارهم في تحصيل الفهم عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم، واقتنصوا الأوابد وقيدوا الشوارد، وضيقوا الباب على الشيطان أيما تضييق، ولكن آفة هذا الزمان -مع الأسف- هي انفلات العامة على الرواية، ولم يميزوا الغث من السمين، ولا الشمال من اليمين، فعاثوا فسادا في المعرفة الشرعية، وأصبحنا أمام أهواء لم يَعُد لنا قِـبَل بردِّها إلا أن يشاء الله، وأصبح التدين حالة شخصية وفهما فرديا، وفقدنا فقه الأمة والجماعة، وصار كلٌّ له ليلى ومذهب يغني عليه، ومن يستعِن بالله يُعَنْ.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عَبْد ربه وأسير ذَنْـبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

9-7-2016

8 thoughts on “الخطأ في الكلي ليس كالخطأ في الجزئي … صيام الستة من شوال عند المالكية هل هو بدعة أم مكروه أم هناك تفاصيل

  1. أغسطس 24, 2016 - إسماعيل علي (أبو علي)

    بورك اليراع سيدي
    أجزل الله لكم المثوبة ونصر بكم الدين بحرمة سيد المرسلين

  2. يونيو 28, 2017 - غير معروف

    جزاك الله خيرا ونفع بكم دكتور وليد

  3. يونيو 28, 2017 - abdelmatine

    جزاك الله خيرًا

  4. يونيو 28, 2017 - abdelmatine

    جزاكم الله خيرًا

  5. مايو 11, 2019 - غير معروف

    بارك الله فيكم أستاذنا ونفع بكم

  6. يونيو 6, 2019 - غير معروف

    بوووووووووورك فيكم وفي علمكم دكتور وليد

  7. يونيو 8, 2019 - غير معروف

    ما شاء الله حفظك الله وبارك الله فيك وفي علمك مقالة فصلت وأزالت الغموض الذي عشنا فيه سلمت أياديك وبوركت دكتور وليد

  8. يونيو 8, 2019 - غير معروف

    جزاك الله خيرا يا دكتورنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top