الحرية الاقتصادية المطلقة هي صانعة الاستبداد الاقتصادي إقطاع الشركات نموذجا

يتألم الناس كثيرا من الاستبداد السياسي الذي يصادر آراءهم ويكمم أفواههم، ولكنهم قلما ينتبهون إلى الاستبداد الاقتصادي الذي ينهب أرزاقهم، ويصادر ما في جيوبهم من مدخرات، وترى الناس في ظل الفوضى وعموم الاستبداد يتغنون بالحرية، ويزعمون أن سقفها السماء، ناسين أن هذا السقف غير المحدود للحرية هو المادة الخام التي يُصنع الاستبداد منها، فالاستبداد هو أيضا هو حرية لا سقف لها، وأحببت في مقالتي هذه أن أكتب في الحرية في المجال الاقتصادي، وكيف يحقق الإسلام تلك الحرية ويَـحُفُّها بسياج من العدل، حتى لا تَتَغوَّل من جديد، ثم تتحول إلى أداة للاستبداد.

أولا: عرض لواقع الحال:

لقد ثارت أوروبا ثورتها المعروفة على نظام الإقطاع، حيث كانت الأرض تتركز بيد القلة التي تهيمن على الثروة، وتستخدم البشر كآلات في تلك الأراضي مقابل الطعام، دون تحقيق أي عدالة أو توازن بين تلك القلة والكثرة، وردا على هذا الظلم قامت ثورة على ذلك النظام وأرست نظام الحرية المطلقة في الحياة، ومنها الحياة الاقتصادية، وسادت مقولة: دَعْه يَـــمُــــرّ دَعْه يعمل، وساد الاعتقاد بأن حرية الفرد هي قُطْب الرحى في الحياة الاقتصادية، وليس للدولة من دور سوى الحراسة فقط ،كدور شرطي المرور في الطريق.

ورافق الحرية الاقتصادية تلك، حرية سياسية في جو ديمقراطي أساسه الفرد، التي ترتكز إلى المساواة والحرية، ولكن لم تلبث أن تتحول تلك الحرية المطلقة إلى مادة خام لصناعة الظلم والاستبداد، وبوابة خلفية دخل من خلالها إقطاع جديد هو إقطاع الشركات، التي تستحوذ على رؤوس أموال تعجز عنها دول مجتمعة، وتختلف عن نظام إقطاع الأرض الأوروبي أنها إقطاع متنقل في نواحي الأرض، وله سلطة نافذة في البرلمانات والنواب، ولها حكومات تخدمه وتعيش عليه، وبقي للفرد من كل هذه الحرية يوم الانتخاب كل دورة انتخابية، وحرية الكلام والتعبير، بينما لإقطاع الشركات حرية الحكم وتحقيق المكاسب من جيوب المخدوعين بحرية الثرثرة، التي يدفعون ثمنها من جيوبهم، بعد أن كانوا يدفعونها من دمائهم التي لا ينتفع بها الاستبداد والإقطاع السابق، وهذا تطور لصالح نظام إقطاع الشركات، التي لا ترى نفعا في سفك دماء هؤلاء الضعفاء كما كان في إقطاع الأرض التقليدي، ولكن يمكن أن تنتفع بأموالهم وأيديهم العاملة في طور إقطاع الشركات العابرة للحدود، وهذا الإقطاع قادر على سن القوانين في جو ديمقراطي لا يؤمن بالثابت والمقدس، وهو أيضا عابر للجغرافيا بمعنى أنه إقطاع منقول إلى شعوب تتغنى بحرية سقفها السماء، لا ثوابت لها من العقيدة والشريعة، وهو ما يوفر له بيئة خصبة يحقق مكاسب بمقدار القوة والنفوذ، وليس بمقدار ما يقدم من منفعة اقتصادية للشعوب المغلوبة، مما يعني أن إقطاع الشركات أصبح طورا متقدما لإقطاع الأرض البائد.

ثانيا: لماذا الحرية المطلقة هي طور متقدم للاستبداد ونظام الإقطاع الاقتصادي؟

إن الحرية المطلقة المدجَّجة بالمساوة، لا تميز بين الضعيف والقوي، وتضعهما جميعا في حَلْبة مصارعة حرة، يستفيد منها القوي، بينما يسحق الضعيف، وهو يتغنى بالحرية المطلقة التي ساوت بين القوي والضعيف، ولكن كان حَـــتـْـفه فيما تمناه، فالقوة تملك الخبرة ورأس المال والمعرفة، وترسانة من القوانين، التي يسنها برلمانيون في الغالب هم أصحاب الشركات، أو لحم أكتافهم -كما يقال- من فتات أموال تلك الشركات، وترسانات القوانين لصالح الشركات، ليست إلا من باب شكر ولي النعمة-في نظرهم- لتلك الشركات المالكة للإعلام المموِّل لحملات الترويج لهم، ثم تأتي الحكومات صدى لتلك البرلمانات، وهي أيضا تنشد الرضا من تلك الشركات التي تمارس طيشا ماليا، على النحو الذي حصل في الأزمة المالية العالمية الأخيرة سنة 2008، وعندما تهوي الشركات تقوم الحكومات بإنقاذ إقطاع الشركات من الضرائب التي يدفعها الشعب، وهو العمال الـجُدُد في نظام الإقطاع الجديد، وهو تطور نوعي في نظام الإقطاع، حيث أصبح النبلاء وإقطاعيو الشركات ينقذون إقطاعهم من جيب ضحايا الإقطاع نفسه، وهو ما لم يكن موجودا في نظام الإقطاع الأوروبي في العصور الوسطى.

ثالثا: كيف يوفر الإسلام الحرية الاقتصادية ويغلق الباب أمام الاستبداد في الوقت نفسه؟

إن الآية الكريمة التي تمثل المنطلق الأساسي للمعاملات المالية في الإسلام هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) ومن ثَم فإن الأساس في التعاقد هو الرضا، ولكن الشريعة ضبطت هذه الحرية في التعاقد بسقوف شرعية، لا تطلق العِنان للحرية الاقتصادية حتى لا تتحول فيما بعد إلى نظام الإقطاع، حيث تمثل المحرمات الشرعية حواجز على جانب الطريق ضد الانزلاق في وادي الاستبداد السحيق، الذي يؤدي إلى إنتاج ذئاب الإقطاع الاقتصادي، فالشرع يشترط اقتصادا حقيقيا قائما على التراضي الحر، ويحرم الاستناد إلى القوة في تحقيق المكاسب والنفوذ، ويريد عملية اقتصادية حقيقية، غير مدعومة بالنفوذ السياسي، والنفوذ الاقتصادي القائم على الاحتكار، وقد جاءت العديد من الأحاديث الصحيحة على لسان نبي الرحمة، يرفع فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- بناء السدود الواقية من الظلم، وفيما يأتي نموذج يمثل شيئا من فيض النبوة الرحيمة العادلة التي تغلق الباب أمام الاستبداد الاقتصادي.

رابعا: النهي عن بيع حاضرٍ لبادٍ، وعن تلقي الركبان نموذجًا للجمع بين العدل والحرية:

معنى بيع الحاضر للبادي، أن يأتي المنتج من خارج المدينة لبيع سلعته، ويدخل بها السوق، فيقول له أحد تجار السوق إنك إذا بعت سلعتك اليوم ستبيعها بسعر أقل، ولكن وكِّــلْني ببيعها، فأبيعها لك بالتدريج بسعر أعلى، فيرفع التاجر والمنتج بذلك السعر على المستهلك، والصورة المقابلة لها هي صورة تلقي الركبان، في هذه الصورة يخرج التجار إلى خارج البلد قبل أن يصل المنـتِج إلى البلد، ويعرف أسعار السوق، فيبيع المنتِج بأقل من سعر السوق، لعدم معرفته بالأسعار في السوق، مما يعني ظلما للمنتج، وبالجمع بين النهْيَــيْـن الشرعيين يتضح أن الشريعة أرادت أن يكون السوق مكانا حرا للعرض والطلب دون تضليل، أو محاولة لزيادة السعر أو نقصه لأسباب لا تتعلق بالسوق.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يضع بهذين النَّهْيين الشرعيين نقطة توازن تجمع العدل والحرية في الوقت نفسه بين المنتج والمستهلك، وذلك يؤدي إلى تحديد السعر وفق عرض وطلب حُــــرَّين، دون ظروف مفتعَلة من قبل المنتجين والمستهلكين، ونقطة التوازن هذه توفر سوقا حرة فِعلا وعادلة فِعلا، بخلاف السوق الذي يقوم على احتكار إقطاع الشركات، وإطلاق يد الأقوياء في المصارعة الاقتصادية الحرة التي سقفها السماء -كما يزعمون- في طحن الأقوياء للضعفاء، بحجة قوى العرض والطلب المصطـنَعة، ثم ادعاء أن السعر في تلك المصارعة الحرة الظالمة هو وَفق ما يسمى بالسوق الحر، بينما هو في الحقيقة نتاج تلك المصارعة الحرة بين القوي والضعيف المرفوضة شرعا، ويرى الشرع أن هذه حرية مميته، ومساواة مَـــقِـــيتة، ولا بد من رد الأمر إلى الميزان الشرعي في علاقات التبادل الاقتصادي، حتى لا يعود نظام الإقطاع بـِجِلْد أكثر نعومة، وأنيابٍ أشدَّ فتكا، مما كان عليه نظام الإقطاع في العصور الوسطى.

خامسا: النهي النبوي يقضي على مشكلة تحقيق أرباح بسبب عدم تماثل البيانات:

يقصد بعدم تماثل المعلومة تلك الحالة التي تكون فيها المعلومة متاحة لطرف واحد، دون الطرف الثاني، يتضح من النهي النبوي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على أن تكون الأسعار واضحة لجميع الأطراف في السوق، وأن السوق الـمُـتـَّبـِع للشرع هو جهاز له كفاءة عالية في تحديد السعر العادل وفق العرض والطلب الطبيعي وليس المفتعَل، وهذا يعني أن عدم تماثل البيانات في السوق المالي أن بعض أطراف التعامل ليست لديهم بيانات ومعلومات كافية لا تخاذ قرار الصفقة السليم-وإن شئت قل الصفعة- فأغمار الناس الذين يدخلون في الأسواق المالية (البورصات) ليست لديهم المعلومة الكافية لاتخاذ القرارات المالية بكفاءة، ومن ثم من يملك المعلومة هو القادر على تحقيق ربح غير عادي، بينما تجار البسطات والبالَة سابقا، المتنكرون بثياب رجال “البورصة”، ليست لديهم معلومة سوى الشاشات الإلكترونية الجميلة التي تعبث بتخطيط القلب لدى هؤلاء المتنكرين، بينما ينام رجال الإقطاع نوما هنيئا ملء عيونهم، لمعرفتهم بمآلات المكاسب والمخاسر في السوق، بينما يسهر تجار البسطات والبالة سابقا جَـــرَّاها ويختصِمون، ثم ما تلبث أن تنقلب البورصة برجال البسطات والبالة ومن باعوا أراضهيم للإتجار بـ “البورصة” بسبب توفر المعلومة للأقوياء، وحجبها عن الضعفاء، في ظل حرية سقفها السماء.

سادسا: ملاحظة في الحديثين الشريفين:

يلاحظ المتأمل لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبيع حاضر لباد، وعن تلقي الركبان الحرص النبوي على العدل والحرية في الوقت نفسه، وهي نقطة التوازن بين الأقوياء والضعفاء، والمنتج والمستهلك، والمصدر والمستورد، ويستفاد من النهيين النبويين، عدم جواز تحقيق ربح غير عادي للمنتج أو المستهلك، خارج إطار السوق الكفؤ الصحي اقتصاديا، الذي يتمتع فيهما العرض والطلب بحرية سقفها سماء الشريعة التي هي مظلة الحياة الإنسانية العادلة، التي تكفل الحرية العادلة، وليست الحرية التي تكفل الحرية والمساوة في صراع الغالب مع المغلوب، والقوي مع الضعيف، وحسبك دليلا على الجميع بين الحرية والعدل فريضة الزكاة، الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد كانت أول حرب في الإسلام بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي حرب من أجل الفقراء، بقيادة الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو تاجر أنفق كل ماله في خدمة الإسلام وتحرير الرقيق، والإنفاق على الفقراء، في صورة جامعة للحرية والعدل في نموذج واحد، هو الإسلام .

للمزيد بحث بعنوان أثر البيوع المنهي عنها شرعا في الوقاية من الأزمات الاقتصادية

يرجى النقر على الرابط أسفله

http://wp.me/p54piM-3z

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

صبيحة الجمعة 27-2-2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top