التدين في الفضاء العام: العجز في الميزان التجاري تلك المعصية المنسية

أولا: عرض الواقع التدين الفردي والاجتماعي:

أ-التدين الفردي:

ماذا لو رأيتَ أخاك يشتري سيارة بمبلغ مالي لا يستطيع سداده لضعف دخله، ألا تنصحه وتقول له إن هذا إسرافا محرما، لا يجوز شرعا، لقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29)، سورة الإسراء، أليس الإسراف حراما شرعا، أليست النهاية الحتمية لأخيك هي الإفلاس، لأنه يستهلك أكثر من دخله، وكلنا يعد ذلك إسرافا محرما وسفها اقتصاديا نهايته مؤلمة، على ذلك الشخص المسرف، ما سأقوله هنا في رسالتي القصيرة هذه أن الإسراف: هو تجاوز الحد الشرعي في الإنفاق، وهو مقدَّر باعتبار دخل الإنسان، ويسره المالي، فما يمكن أن يُعدَّ إسرافا لمن يملك عشرة آلاف، لا يعد إسرافا لمن يملك مائة ألف دينار، ونحن جميعا نذُمّ ما ذمَّه الشرع، والإسراف من جملة ما ذمه الله تعالى.

ب-ماذا عن تدين المجتمع:

الغريب في الأمر أننا ننصح أخانا بعدم الإسراف وننهاه عن هذا الفساد المالي على مستوى الفرد فقط، ولكن ماذا لو اتسعت الدائرة، ورأينا شعبا وقع فريسة الإسراف، عندها تصبح المسألة لا علاقة لنا بها، وتصبح نسيا منسيا، ثم ننسى أننا نسينا، ولا نناقش المسألة ولا نعتبرها من المنكرات المحرمة علينا، ونُـخرِج المسألة من مِلَف التدين والحساب الأخروى، لتتحول إلى مجرد جداول ذات أرقام غير مفهومة، وكأن الأمر ليس من أمور الآخرة، يعني إذا عصى فرد بالإسراف فهو حرام وكبيرة، أما إذا تكررت المعصية آلاف المرات فهذا يعني أن المسألة لا علاقة لها بتدين المسلم!!!.

ثانيا: التدين الفردي والتدين في الفضاء العام:

هذا المثال الذي ضربته سابقا هو لبيان إشكالية في التدين لدينا نحن المسلمين، ذلك لأن التدين عند كثير منا هو تدين فردي قاصر على صاحبه، تدين شعائري يبقى محصورا أو قُـــل محاصَـرا في زاوية الشعائر من صلاة وصوم، ولا يتعدى هذا التدين ليصبح هو المظهر العام في المجتمع، وهذا الذي ضربته مثلا هو بيان لحالتنا، وهو أن فردا من الأسرة يقع في الإسراف المحرم فعندها تقوم القائمة ولا تقعد، لخطورة الإسراف على المسرف، أما إذا وقعنا جميعا في الدَّين وهو أننا نستورد أكثر مما نصدر، فيصبح الأمر نسيا منسيا، فعلى سبيل المثال بلغ العجز في الميزان التجاري الأردني في النصف الأول من سنة 2015 نحوا من 4,263.7 مليون دينار* (أربع مليارات وربع تقريبا)، دون أن نتحدث عن موقع ذلك في تديننا لله تعالى، وما الذي يأمرنا الله تعالى به في هذا المجال.

ثالثا: تحمل المسؤولية أمام الله:

إننا جميعا نتحمل المسؤولية في إحياء التدين الإسلامي في فضاء المجتمع، وعلى أولئك الذي قَــصَــــروا تدينهم على حياتهم الفردية الخاصة، دون الاهتمام بشأن المسلمين العام أن يعلموا أن هذا النوع من التدين هو تدين قطاع خاص لا يهتم بأمر المسلمين، ويكفي هؤلاء أن يعلموا أن صلاة المنفرد وحده هي بدرجة واحدة، ولكن إذا صلى معه آخر تصبح بسبع وعشرين والله يضاعف لمن يشاء، وكذلك لو صلى وحده فإنه يقرأ الفاتحة بضمير الجمع: نستعين، وليس أستعين، وليس الأمر هنا للتحليل وإلقاء اللوم على المتسبب، بقدر ما هو إحياء الشعور بالتدين الذي يهتم بالشأن العام، والقدم بالقدم والكتف بالكتف ينهض المسلمون.

رابعا: أمثلة على التدين المطلوب في الفضاء العام:

أ-تدين الطبيب:

ماذا لو أن طبيبا في مستشفى استقبل شيخا مسنا ضعيفا؟ وقال: يارب هذا الشيخ ضعيف من ضَعَــفة الناس، وهو يا رب طريقي إليك، ألم يقل العلماء: إن خير العبادات ما تــعدَّى نفعها للناس؟!، وماذا لو رأى معلم طالبا جاهلا حُرم من نعمة الوالد أو الوالدين وقال: يا رب هذا الطالب المسكين هو طريقي إليك! كيف يكون حالنا إذا عاملَت المعلمة الصالحة الطالبة على مقعد الدراسة على أن هذه الطالبة هي التي سترعاها في كبرها وشيبتها، أليست حاجة المعلم والمعلمة في الآخرة إلى العمل الصالح أشد من حاجة المعلمة والمعلم في الكبر إلى أبنائهم، ونحن جميعا كالمعلم والمعلمة ولكن شرف مهنتهم يقتضي أن يـُخَـصوا بالذكر قبل غيرهم، وماذا لو أن الموظف العام في دائرته قال: يا رب سأعامل كل من يراجعني في دائرتي مثل: أبي وأخي وابن عمي، وتعفَّف عن أي مال حرام مهما كانت الظروف، وكل ذلك يا رب في سبيل رضاك.

ب-عدم الإضرار بالمجتمع:

وفي الصورة المقابلة أين التدين في الشارع؟ كم مرة خرج المصلون من المسجد، وإذا بأحدهم قد جاء متأخرا للصلاة، وأوقف سيارته معترضة سياراتٍ أُخَــــر، وخرج أصحاب السيارات وحُبِسوا في سياراتهم إلى حين انتهاء المتعبـِّد الذي أغلق عليهم وعلى أولادهم الطريق، وهو يتخشع في صلاة النافلة في المسجد، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : أعطوا الطريق حقه، أليس إعطاء الطريق حقه من التدين المأمور به شرعا، أليس في مجتمعنا من يحب التنفل بالصوم في شوال وذي الحجة بالإضافة لفريضة رمضان، ولكن الحوادث المميته هي في ساعة الإفطار؟! وأنا متأكد أن من يصوم النوافل ويمتنع عن شهواته في النهار، قادر عليه إحياء التدين في: الشارع، والاستهلاك، والإنتاج، والوظيفة العامة، والقيام بواجباته الشرعية التي تمثل فرض الكفاية بما أولاه الله تعالى إياه من شؤون المسلمين سواء كان طبيبا، مهندسا، معلما، قاضيا، عاملا، سائقا …..

خامسا: تكامل العبادة الفردية مع العبادة الاجتماعية:

وما سبق لا يعني بحال من الأحوال التغافل عن قيمة التدين في الشعائر من صلاة وصيام في السمو بروح المسلم التي تنفع الناس، وتزود الإنسان بالطاقة الروحية الكافية للإقلاع ثم التحليق في فضاء المجتمع، ولا ننسى هنا أن نلفت الانتباه إلى أن كثيرا من المسلمين يحبون دينهم وأمتهم، لكن ينقصهم التدين المعرفي الضروري لمعرفة فروض الكفاية، ودورها في نهضة المجتمع، وهذه الفروض لا تكون إلا في الحياة الإنسانية الجماعية، ويمكنها أن تؤسس لنا حياة اجتماعية كريمة، مهما كانت الظروف الاقتصادية، لأننا مخلوقات مُكَــــرَّمة لا كائنات اقتصادية، وبإمكاننا أن نحقق النهضة بالتوكل على الله تعالى وطلب ما عنده لا ما عند الناس.

*للاطلاع على واقع الميزان التجاري الأردني انظر تقرير دائرة الإحصاءات العامة على الرابط

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

صبيحة الجمعة: 27/8/2015

3 thoughts on “التدين في الفضاء العام: العجز في الميزان التجاري تلك المعصية المنسية

  1. أغسطس 28, 2015 - لؤي جانم

    بوركتم د. وليد؛ وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: مَن لَمْ يهتَمَّ بأمرِ المُسلِمينَ فليس منهم.
    والمسؤولية الجماعية من أخطر المسؤوليات وأعظمها، فالكلّ راعٍ والكلّ مسؤول عن رعيته.
    أسأله تعالى أن يوحّد قلوب المسلمين ويؤلّف بينهم.

  2. أغسطس 28, 2015 - د. وليد شاويش

    شكرا أخي لؤي على حسن تقديرك للأمور وبوركت

  3. أغسطس 28, 2015 - غير معروف

    نفع الله بكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top