هل يجوز التعامل بالبيتكوين…تحقيق مناط النقد الشرعي على العملات الرقمية (البيتكوين نموذجا)

تمهيد: توضيح معنى تحقيق المناط:

 1-مثال على تحقيق المناط:

يعني تحقيق المناط تنزيل الحكم على محله، فمثلا: الزكاة واجبة للفقير، فالحكم هو وجوب الزكاة، ومحل الحكم هو الفقير، ولكن يبقى أن ننزل حكم الزكاة للفقير، على الأفراد الفقراء، بمعنى: علينا أن ننزل الزكاة للفقير على محلها في الواقع، فإذا علمنا أن الفقير من لا يكفيه ما عنده لحاجاته: كتعليم الأولاد وفاتورة الماء والكهرباء، فنقول مثلا: سعيد مستحق للزكاة لأنه لا يجد ما يكفيه لحاجاته، فسعيد هو المحل الذي تنزل عليه الحكم الزكاة للفقير، وذلك بناء على معرفتنا في الحكم ومعرفتنا في محله في الواقع وهو سعيد، وبناء على ذلك يلزمنا أن نتصور أولا من هو الفقير، وكيف يُعرف نظريا، ثم بعد ذلك نبدأ بمناقشة هل سيعيد فقير مستحق للزكاة أم لا؟

2-كيف نحقق مناط النقود؟

قبل أن نعرف هل العملة الرقمية نقود شرعا أم لا، علينا أن نتصور ما هي النقود من الناحية الشرعية أولا، وما الحكم الشرعي فيها نظريا، قبل أن ننزل الحكم على محله في الواقع، وهو النقود الرقمية، كما فعلنا في مثال الزكاة للفقير سابقا، فكيف نحدد النقود بإحكام التصورات فيها، ثم بعد ذلك نتساءل هل العملات الرقمية تثبت لها أحكام النقود شرعا أم لا؟ وهنا لا بد من طرح جملة أسئلة حول ما هية النقود شرعا، ثم بعد ذلك نطرح السؤال ما هي العملات الرقمية وهل تنطبق هذه أوصاف النقد الشرعية على العملات الرقمية أم لا؟ باختصار لا بد من ثلاثة إجراءات هي:

أولا: تصور الوصف الشرعي للنقد من الناحية الفقهة ( الحكم ومحله في الناحية النظرية).

ثانيا: تصور النقود الرقمية في الواقع ( محل الحكم في الواقع)

ثالثا: تنزيل الحكم الشرعي في (أولا) على محله في (ثانيا)

وفيما يأتي بيان ذلك:

أولا: تصور الوصف الشرعي للنقد من الناحية الفقهة ( الحكم ومحله في الناحية النظرية).

أحببت أن أذكر هذا التصور على شكل نقاط على النحو الآتي:

1-لسنا متعبدين بمادة معينة للنقود، فقد كانت دنانير المسلمين رومية ذهبية عليها الصليب، ودراهمهم فارسية عليها صورة النار المقدسة عند المجوس.

2-الأصل في النقود هو جريان العرف بها، ولا تقتصر على الذهب والفضة، بل أن تؤدي النقود دورها على النحو الآتي:

أ-أنها وسيط للتبادل بين السلع، دون كلفة اقتصادية، خلافا لو أردت أن تبيع بناية لتأخذ النقد فقد تجني ربحا، أو تخسر في عملية البيع، بسبب تسييل الأعيان إلى نقود.

ب-لا استرباح في تداول  النقد بالنقد سواء بالقرض أم بالبيع، فتداولها بالقرض مع زيادة ربا نسيئة، وفي بيع النقد بالنقد يجب أن يكون حالا دون أجل إن اختلف الجنس مثل: دينار أردني بدولار أمريكي، وإن تماثل الجنس دولارا أمريكيا بدولار أمريكي، فيجب أن يكون حالا متماثلا في العدد.

ج-إن النقود معيار للقيمة، فأنت تقول هذه البناية ثمنها مائة ألف دينار، لا عشرة أطنان من سلعة كذا، فالنقود تمثل معيارا للقيمة، وهي تتسم بالثبات والاستقرار إلا في حالات استثنائية.

د-أداة للادخار، فهي يمكن ادخارها، وللمدفوعات الآجلة.

ثانيا: تصور النقود الرقمية في الواقع ( محل الحكم في الواقع):

1-التوصيف للنقود الرقمية مشتهر:

لا أريد أن أطيل التفصيل في شرح العملات الرقمية لاشتهار أمرها، وتلافيا للتكرار، لكنها في الجملة تتشكل على شكل وحدات نقدية غير ملموسة، عبر برمجيات إلكترونية، ويتم تبادلها بواسطة الشابكة (الإنترنت)، ويمكن مبادلة المنافع والسلع بهذه الوحدات الرقمية.

2- الدور الوظيفي للنقود الرقمية من الناحية الاقتصادية (الواقع):

لم تزل النقود الرقمية في طورها الأولي، فلها ميزات في تسهيل التبادل عبر الشابكة، ولكنها ما زالت تعاني تخلفها عن الأصل الشرعي في النقود وهو جريان العرف بها، واطراده في هذا التعامل، وهي ما زالت تحمل في طياتها غررا في أموال الناس لا يغتفر، وهي بذلك تفقد أصلين مهمين يحولان دون اعتبارهما نقودا من الناحية الشرعية، وهناك فوارق مؤثرة بين النقود الرقمية والعملات الورقية، تمنع قياس النقود الرقمية على العملات الورقية.

ثالثا: تنزيل الحكم الشرعي في (أولا) على محله في (ثانيا):

1-قياس العملات الرقمية على العملات الورقية قياس مع الفارق:

أ-توضيح معنى القياس مع الفارق:

ليس كل فارق بي الأصل والفرع يعتبره الشرع، بل يمكن أن يلغى الفارق لعدم تأثيره في الحكم،فالخمر حرام وتلغى الفوارق غير المؤثرة كاللون والطعم، فاختلاف الخمور اليوم عن خمور الجاهلية هو كاختلاف ربا المصارف اليوم عن ربا الجاهلية، وهناك فارق من النوع المؤثر في الحكم، وسأبين الفارق المؤثر بين العملات الورقية والعملات الرقمية، وهو ما يمنع قياس العملات الرقمية على العملات الورقية، وأن سرد الأشباه بين العملات الرقمية مع وجود الفوارق المؤثرة لا يفيد شيئا، وأن مجرد الشبه لا يصلح للقياس بل لا بد من استيفاء الشروط الأخرى للقياس، كوجود الفارق المؤثر، فإنه مانع من القياس، وفيما يأتي عرض للفارق المؤثر المانع من قياس العملات الرقمية على الورقية.

ب-الفوارق المؤثرة بين العملات الورقية والنقود الرقمية:

ما روي عن مالك رحمه الله بأنه يعتبر النقود نقود بالعرف ولو كانت جلودا، وكما فعل ذلك عمر رضي الله عنه أنه أراد أن يجعل من جلود الإبل نقودا، لا ينطبق بحال على العملات الرقمية، لأن الورقية لها صورة ملموسة ويمكن أن تدخل في قصد المتكلم كعمر رضي الله عنه ومالك رحمه الله، خلافا للحالة الرقمية التي لا يتصور أن تكون بحال داخلة في قصد المتكلم، وهو ما يعرف في الأصول بالصورة النادرة هل تدخل في العموم أم لا.

النقود الرقمية يتم استخراجها بوسطة احتمالات مبرمجة تقوم على الحظ، ثم تُستَحل بها أموال المجتمع، وهذا يختلف عن النقود السلعية كالذهب والفضة التي تحمل في نفسها قيمة سلعية، والعملات الورقية التي تتحظى بالحماية القانونية من المصدر لها.

إن النقود الورقية تمثل دينا على السلطة النقدية، وهي السلطة المسؤولة عن إصدار النقد، مما يعني أن الدولة تسجل الإصدار النقدي دينا عليها، بينما تصدر العملة الرقمية بواسطة القمار المحوسب، ولا ضامن لها.

الجهة المصدرة للورقة النقدية معلومة، والورقة دين عليها، ففي حال تلف الورقة النقدية يمكن مراجعة الجهة المصدرة وتسليم الورقة التالفة، وأخذ ورقة صالحة محلها، خلافا للعملة الرقمية فتلفها يعني ضياعها، ويترتب عليها هلاك المال.

لم يستقر العرف على كون العملة الرقمية نقودا، فما زالت محل تردد، ومن شروط العمل بالعرف الاطراد، وشرط الاطراد غير متوفر لا سيما مع منع العديد من الدول التداول بالعملات الرقمية في نظامها النقدي والمصرفي.

تعزز النقود الرقمية حالة الفصام النكد بين دورة الإنتاج والنقود بسبب العشوائية في إصدارها، وعدم وجود جهة ذات سيادة تتحمل المسؤولية عن تداولها وما يمكن أن تؤدي إليه من آثار جانبية كالتضخم.

لا بد من التمييز بين النقد والأموال التي تشكل الثروة، كالسلع والمنافع، فالعملات الورقية لا تشكل ثروة في نفسها، ولكنها تمثل حقا على الثروة، ووسيطا لتبادل الثروة.

إن العملات الورقية تصدر من قبل المصرف المركزي ضمن ما يعرف بالعناصر المقابلة للإصدار، وهي احتياطيات من الذهب والعملات الصعبة وغيرها، ويؤخذ بعين الاعتبار الناتج الوطني عند الإصدار، وأهمية التوازن بين المعروض النقدي من العملة المصدرة وبين السلع والخدمات، والحماية من التضخم.

وإذا تأملنا في النقود الرقمية نجد أن المصدر مجهول، ولا يتحمل مسؤولية تجاه هذه النقود، ولا يوجد أي ضمان للحماية من التضخم بسبب التعامل بها، وبينما تكون قيمتها الدفترية صفرا تتجاوز قيمتها في أسواق الوهم الآلاف من الدولارات، ووتذبذب في سوق التعاملات تذبذبا حادا لعدم وجود الضامن لها والمسؤول عنها.

2-أصل قياس الشبه بين العملات الورقية والرقمية:

كلا العملات الورقية والرقمية لا تملكان قيمة ذاتية في نفسهما، أي لا تحملان قيمة سلعية، والتعامل بها قائم على الثقة فقط، وأقول نعم هذا صحيح، ولكننا نقول إن قياس الشبه معتبر بغلبة الأشباه، وليس بشبه واحد، فكما أن الإنسان يشترك مع الحيوان في وجود أعضاء القلب والعيون والرئتين، إلا أن هذا الشبه لا عبرة به أبدا، لوجود فارق مؤثر وهو أن الإنسان مفكر خلافا للحيوان، فلا يعني وجود تلك الأشباه الكثيرة بين الحيوان والإنسان، أن يقاس الحيوان على الإنسان، فوجود فارق واحد وهو أن الإنسان مفكر، كاف لنفي هذا القياس، وما قدمته من الفوارق كاف لعدم جواز إلحاق النقود الرقمية بالعملات الورقية.

3-الأصل في أموال الناس التحريم:

أ-لا يجوز استباحة السلع والمنافع بيد الناس، إلا بمقابل عادل، مما يعني أن السؤال المطروح هل توفر العملات الرقمية وسيطا آمنا لتبادل الثروة؟ مع حالة اضطراب أسعارها، ونموها نموا هرمونيا جامحا دون وجود مقابل.

ب-هل تمثل عملية التعدين وهو مشترك لفظي أطلق على علميات احتمالية ببرامج إلكترونية يتم من خلال توليد النقود، وهي تشترك مع عمليات التعدين الطبيعية واستخراج الموارد التي تمثل الثروة الحقيقية؟ بينما العملات الرقمية لا تتصف بخصائص الثروة الحقيقية، مما يعني أننا أمام مشترك لفظي اتحد اللفظ واختلف المعنى.

ج-إذا كانت العملات الرقمية لا تمثل ثروة، ولكنها تنشأ من علميات برمجية احتمالية، وتثري الأفراد عن طريق الحظ، ثم تمنح أصحاب الحظوظ أولئك ثروات المجتمع نتيجة حظوظهم في عملات لا تحمل قيمة سلعية ولا منفعة.

4-أصول السياسة الشرعية ومسائل الإمامة (السلطة النقدية):

أ-هل يمكن اعتبار العملات الرقمية التي لا تحمل قيمة في نفسها، كالعملات الورقية التي لا تحمل قيمة في نفسها، أم أن هناك فارقا مؤثرا في الحكم الشرعي، وهو أن العملات الورقية تصدر وتحتسب دينا على الجهة المصدرة، ولها حماية قانونية، واطرد العرف بها؟ وتعتبر هذه الفروق مؤثرة في الحكم الشرعي، ويصبح قياس العملات الرقمية على العملات الورقية قياسا مع الفارق، وليست قياسا بنفي الفارق؟

ب-ما مدى الأمان والحماية القانونية التي تتوفر لهذه العملات الرقمية من حيث إمكانية تعرضها للقرصنة الإلكترونية، وإتلافها بلا ضمان لأنها لا تتمتع بوجود ملموس يمكن حراستها، ومراقبتها، وعدم استقرارها يسبب فوضى اقتصادية تتحمل الدولة (الإمامة) مسؤولية ذلك.

ج-فيما يتعلق بتأثيرات هذه العملات الرقمية في الاستيلاء على الثروة، فهل يمكن ضبطها للتحكم في التضخم وكبح جماحها كونها تصدر من الأفراد أصحاب الحظ السعيد؟! أم أن التضخم سيلتهم الثروة بسبب تعذر كبح جماحها لأن المصدر للعملات الرقمية هم الأفراد خلافا للعملات الورقية؟ وما أثر فشو التضخم غير المسيطر عليه داخليا على أمن المجتمعات الإسلامية التي تعاني من التضخم أصلا؟

د-على افتراض أن السلطات النقدية ممثلة في المصارف المركزية أصبحت أمام أمر واقع، ما مدى استقلالية السلطات النقدية في دولنا العربية والإسلامية أمام الطوفان النقدي الرقمي العالمي؟ وهل يعني ذلك مزيدا من التبعية للنظام النقدي الدولي؟ وأننا أصبحنا أمام عولمة نقدية لا قبل لنا بها؟ ما مدى تقدير السلطة النقدية بوصفها راعية السياسة الشرعية في هذا الأمر؟ وهل هي قادرة على اتخاذ قرارت مستقلة فعلا؟ تراعي النظام النقدي المحلي في ظل ضغوطات تصل إلى حد القهر الاقتصادي والسياسي العالمي؟

هـ-إن هذه النقود الافتراضية تسبح في خيال من الإنترنت الذي ليس لنا سيطرة عليه، وأن المنتج للبرمجيات هو الذي سيهيمن على حركة النقود الرقمية وعندئذ سنصبح سنا في دولاب، وتزداد تبعيتنا الاقتصادية، مع العلم بأن حربا نشبت بين المسلمين والروم عندما تم تعريب النقود، وهذا يعني أهمية الاستقلال النقدي في التاريخ الإسلامي.

و-لا تجوز البتكوين لعدم استقرار العرف بها، خصوصا مع عدم استقرارها اقتصاديا، وتحفُّظ العديد من السلطات النقدية على التعامل بها، فالعقيدة حفظ للفكر، والعبادة حفظ للنفس، والزواج حفظ للنوع، وإن المعاملات حفظ للعيش، ولا حفظ للعيش مع اضطراب العملات الرقمية.

الخلاصة:

 لدى تنزيل مناط الغرر والعرف والأصول العامة المتمثلة في تحريم الغرر وأصل الإمامة، فإن النقود الرقمية ما زالت لم تتوافر فيها صفات النقد الشرعي الذي يصلح أن يكون وسيطا في تبادل السلع والخدمات، ويُنظَر في مستجدات النقود الرقمية في كل مرحلة بحالها، ولا مانع مستقبلا من جواز التعامل بها بشرط تحقق المناطات الشرعية للنقد الشرعي.

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

صبيحة الجمعة المباركة

23-جمادى الأولى-1439

9-2-2017

عمان المحروسة

شارك بتعليق

Scroll to top