هل تنطبق أحكام الذهب والفضة على العملة الورقية؟

الصوتية: 59:هل تنطبق أحكام الذهب والفضة على العملة الورقية؟
أولا: كيف تعامل الشرع مع النقود في عصر البنوة والخلافة الراشدة:
حديثنا اليوم عن العملات الورقية المعاصرة، مثل دينار أردني أو كويتي، فلا بد من معرفتها أولا، ولا بد من إحكام التصورات حول ذلك الشيء، ثم بعد ذلك نتكلم من الناحية الشرعية بناء على التصور، فالعملات الورقية أمر مستحدث فرضته طبيعة التطور التاريخي للإنسانية، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم تعامل بالدنانير الذهبية الرومية، وكانت الدراهم كِسروية فارسية ساسانية، ولم يكن للعرب عملة مستقلة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- تعامل بها مع أنها كانت مطبوعة بالصليب، وكانت عملة الدراهم الفضية عليها شعار الفرس ونارهم، وهذه الهوية الشخصية لتلك الحضارات في ذلك الزمن.
فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشكل، مع أن كثيرا من الأحكام تتعلق بالدنانير والدراهم في المهور والزكاة، ويصلون وهذه النقود في جيوبهم إلى أن جاء عمر رضي الله عنه فأدخل شيئا من التغيير دون إزالة الصليب أو النار، ولكن كان هناك تنظيمات شرعية للنقود، مثل: الصرف، والزكاة، وتحريم كنز المال، فنظمت الشريعة التداول دون أن تعترض على الشكل، أو المادة التي تصنع منها النقود، مما يستنتج أن الحكم الشرعي للنقود لا يتعلق بطبيعة المادة أوشكلها، بمعنى أننا لو تعبدَنا الله بعملة الذهب لنصَّ على ذلك، فسكت الشرع ولم يفصل في ذلك،  وروي أن عمر رضي الله عنه هَمَّ أن يجعل جلود نقود الإبل نقودا، فخاف أن يذبح الناس الإبل لأجل جلدها.
ثانيا: تطور النقود المعاصر:
العالم متطور، فاستحدث نقودا جديدة، والعملة الورقية هي اختراع اوروبي، كان الناس يضعون الذهب عند اليهود لأنهم كانوا يملكون قاصات حديدية، ويأخذ الناس وثائق بودائع الذهب، ولكن الناس قلّةً منهم يأخذون ذهبهم، وبدلا من نقل الذهب وتبادله أصبح الناس يتبادلون الوثيقة التي يغني تبادلها عن تبادل الذهب نفسه، وأصبحت هذه الوثائق غير اسمية لا تحمل اسم صاحبها، مثل العملات الآن لتسهيل عملية التبادل، وأصبح الناس لا يتبادلون الذهب والفضة، ولكن يتبادلون الوثائق وعندما قامت الثورة الصناعية واحتاجت إلى المال، صارت البنوك تصدر النقد وكل بنك له إصداره، ثم احتكرت الدولة إصدار النقود، وتحولت الوثائق إلى وثائق لحاملها، لما يؤدي إليه حملها من مخاطر وكلفة، وأصبحت البنوك المركزية هي الجهة الحكومية المخولة بإصدار النقد.
ولم تتقيد جهات الإصدار بإصدار النقد حسب الذهب المتوفر لها، وأسرفت المصارف في الإصدار وبقي ارتباط الذهب بالنقد في نطاق ضيق، وكانت الولايات المتحدة آخر دولة تفك الارتباط بين الذهب والدولار،  بقرار من نيكسون سنة 1971م، وأصبح الإصدار يراعي الثقة في الإصدار وكمية النقود المناسبة للتداول، دون ربط ذلك بالذهب مباشرة، وفي هذه الحالة يمكن أن يحصل التضخم بسبب الاستهتار في الإصدار، وقد أصبح التعامل في العملات نتيجة الثقة بها، مثل الشيك، قيمته ليست منه بل من ملاءة الجهة المصدرة له، هذا بالإضافة إلى أن هذه العملات تستمد قوتها من القانون، حيث اعتبرها القانون وسيلة إبراء في الديون مطلقة، حيث تبرأ ذمة المدين بسداد دينه بالعملة الورقية للبلد، خلافا للشيك فمن حق الدائن أن يعترض، يعني هناك تصور قانوني وممارسة اقتصادية في مجال العملات.
ثالثا: تعددت أنظار العلماء للعملة الورقية بحسب تصورهم لها:
ولما جاءت العملات إلى بلاد المسلمين اختلف العلماء فيها، هل هي وثيقة بدين؟ فلا تزكى، أم هي  عروض تجارة، وتزكى زكاة عروض التجارة، ومنهم من قال إنها ليست كذلك، بل هي نقود، لعدم انطوائها على منفعة بذاتها، بل هي وسيط للتبادل،  وبناء على أنها عروض لا زكاة فيها مثل السيارة والخزانة في المنزل، وبناء على ذلك من معه مليون دينار فلا زكاة عليه فيها لأنها عروض، وهذا خلاف ما عليه المجامع الفقهية ودوائر الفتيا.
ولكنها في الحقيقة ليست عروضا كالسيارة والمقتنيات، فهي لا تؤدي منفعة بذاتها، وهي  ليست وثيقة بدين، بل مَن يستدينها هو الذي يوثقها بسند دين، ومن الخطأ الشائع أن هذه النقود تمثل ذهبا في المصرف المركزي وهذا غير صحيح، وهي تتداول ليس بصفتها مقابل الذهب، بل بالثقة التي يمنحها الناس والقانون لها، وهي لا تقابل سلعا أنما هي وسيلة تبادلها.
فعند النظر للممارسة الاقتصادية والتنظيم القانوني فإن هذه العملات تقوم بدور الذهب والفضة وسيطا للتبادل، والله تعالى لم يتعبدنا بمادة معينة نقودا كالذهب والفضة، ولو كان الأمر كذلك لما ساغ لعمر -رضي الله عنه- أن يهُمَّ بجعل النقود من جلود الإبل، أو نكون متعبدين بنقود الذهب والفضة وفيها الصليب ونار كسرى.
لذلك العملات اليوم هي بديلة للذهب والفضة، وسيط لتبادل السلع، وقيمة المتلفات، مثل ثمن الأرض وكلفة إصلاح الضرر، وهذه العملات أخذت دور الذهب والفضة وقيم الأشياء، بل أصبح الذهب سلعة تقيم بالعملات، واستقال الذهب من وظيفته وسيطا للنقود، وعليه تطبق جميع أحكام النقود على العملات، فيحرم بيعها ببعضها إلى أجل، ووقوع الربا فيها، وتجب فيها الزكاة.
ويطرح لدينا أن هذه العملات هي مؤامرة على المسلمين وأنهم يعطونا ورقا وهي من علامات الساعة وهذه العملات حيادية تصبح طاعة لله بإنفاقها في سبيل الله وإعانة الضعيف وقد يعصي الله تعالى بالدينار نفسه، ولو أنك قلت لدينار تكلم لحدثك بما رآي من معاصي.
رابعا: ما يجعل النقود حلالا أو حراما هو سبب الكسب:
فمَن أخذ الدينار بسبب حلال فهو حلال، وإن أخذه بسبب حرام فهو حرام، واتصل بي أحد الإخوة يعمل زمّارا، طلب منه رفقاؤه أن يشارك في حفلة، وقالوا له:  خذ على الساعة مبلغ يزيد على أربعين دينارا للساعة، وعندنا الأستاذ الدكتور يأخذ على الساعة 25 دينارا، فقال لي: عندما أرجع من الحفلة إياها وما فيها من حرام، فإنني  أعزل أجرة تلك الليلة حتى لا أطعم منها أولادي، ولا آكل منها ولا أشرب منها لأنها حرام، وهذا مثال على عصاة أمة محمد -صلى الله عليه وسلم، فقلت له: لَيت هذا الورع عندما دُعيت إلى الحفلة، لا بعدها، في هذه الحالة الزوجة والأولاد يأخذون النفقة باعتبار النفقة الواجبة، فهي حلال للزوجة بنفقة حلال، ولا توصف النقود بنفسها حلالا وحراما قال الناظم:
ومُشترٍ من ماله الحرام *** مستهلَكا كالشراب والطعام
يلزمه الثمن أما الأكَلة *** فلم يكن يَهمهُم ما فعله
على خلاف غاصب المطعوم *** إذ عَينُه لربه المظلوم
فمن سرق مائتي دينار، وأعدّ عزومة لإخوانه، يستحب لهم التورع ولا يحرم عليهم الأكل، لأن الذي يلزم السارق هو المائتي دينار، لأن حق المظلوم في المائتي دينار، ولا يتعلق حقه بعين الطعام.
وهناك حالة أخرى، وهي أن إخوة لا يزورون أختهم، لأن زوجها يعمل في بنك ربوي، وبناء على أن عمله حرام، فمن الورع قطعوا رحمهم حتى لا يأكلوا الحرام!!! ولو زاروا أختهم فإنهم يأكلون بسبب مباح وهو الضيافة، ويبقى الحرام على الزوج، فالنقود تصبح حلالا أو حراما بسبب الكسب، ولو كان الأمر كما ظن هؤلاء الإخوة لحرُمَت دنانير اليهود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فبضاعة اليهود الربا والخنا، فلو حرم على الزوجة وإخوانها لحرم على الرسول والصحابة دنانير اليهود، ونحن منهيون عن التفتيش في خصوصيات الناس، لما في ذلك من الطعن فيهم وإساءة الظن بهم.
فنحن نخطئ خطايا كبيرة، ثم نتورع في القضايا الصغيرة، فليس من التدين سؤال الناس عن سبب الكسب، ونلاحظ أن هناك إقبالا على الورع المجاني، كلنا ذو خطأ وتقصير، ولا بد أن تدخل الشبهة، ومنهج الدين واضح ولديه فواصل في الأحكام.
ويتعذر الآن الالتزام بإصدار النقد بناء على الربط المباشر بالذهب، واعتبار ذلك عبادة، لأننا لا نملك احتياطيا من الذهب، بل لدينا احتياطي من النفط والزراعة، والمسألة مبناها على المصالح مثل استخدام وسائل القتال السابقة، أما تناقص قيمة العملة فالمشكلة حاصلة حتى في الذهب، فيمكن أن تتذبذب أسعار الذهب أيضا، وإن كان الذهب أكثر أمنا، ولكنه ليس في مقدورنا توفير ذهب يفي بحجم المبادلات.

شارك بتعليق

Scroll to top