نقض مقولة: التمييز بين السياسي والديني

مراسم التفكير

قام بتفريغ الصوتية

فضيلة الشيخ الدكتور محمد الغافود جزاه الله خيرا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا يا أرحم الرحمين.

نتكلم اليوم عن موضوع الساعة وهو الديني والسياسي كما يتكلم به فيه الإعلام بسبب الحالة التي مرت بظروفنا الإسلامية، وهو أن  هناك هيئات فتوى كانت تفتي بأمور ثم بعد ذلك بين عشية وضحاها تنقلب الأمور رأسا على عقب مما استدعى سؤالا من كثير من المسلمين مفاده كيف نميز بين الديني والسياسي؟

هذا السؤال إذا طرح يحتاج أصلا إلى مزيد من التوضيح والشرح ولابد قبل الإجابة عليه أن نبين ما هو السياسي وما هو الشرعي؟ وهل السياسي هو من الشرعي أم لا؟ والتحقيق هل السياسي مقابل للديني أم هو جزء في عقيدتنا وشريعتنا من الديني؟

ما هو واقع في الإعلان بعد ما حدثت تلك الهزات الارتدادية في موضوع السياسة والفتوى وقيادة المرأة للسيارة أم عدم قيادتها، وهذا نموذج ومثال ولكن هناك أمثلة كثيرة بصرف النظر عن الجهة أو الهيئة أو الاسم أو البلد، إنما نريد أن نناقش الأمر في سياق الأصول الشرعية، وسنمر على الأمر مرورا ولن نفصل فيه كثيرا لأن هناك مقالة مفصلة على الموقع الرسمي في هذا الأمر.

طرح هل الفتوى فوق السياسي أم لا؟ بمعنى هل السياسي يرجع إلى الفتوى؟ أم هل المفتي هو الذي يرجع إلى السياسي؟ هل السياسة فوق الفتوى أم الفتوى فوق السياسة؟

هذه الاستشكالات الواقعة هي بسبب عدم وضوح ما هو الشرعي أصلا؟

نحن نقول إن الشرعي هو عبارة عن المخزون العلمي في هذا الدين، تفسير وحديث وفقه وفتوى وقضاء وأصول لذلك نقول إن هناك تفصيلا فيما يتعلق بالشرعي وكيف يتعامل هذا الشرعي مع الواقع؟

نقول إن لدينا مخزونا علميا يشبه الخزان، هذا الخزان فيه الماء وفيه صنابير تفتح على الواقع، وهذا المخزون المائي هو العلم؛ كتب الفقه المقارن كتب الفتوى كتب القضاء كتب أصول الفقه كتب السياسة الشرعية، لكن كيف يتنزل هذا المخزون العلمي على الواقع؟

المخزون العلمي الشرعي له في تزله إلى الواقع ثلاثة مسارب :

الأول : الفتوى.

الثاني : القضاء.

الثالث : السياسة الشرعية.

فنحن إذن أمام ثلاثة مسارب متوازية ليس بعضها فوق بعض، إنما هي على خط مستقيم واحد تقوم ببث الشريعة من خلالها في الواقع.

أولا : الفتوى .

فإذا أردت الفتوى فالفتوى هي  لحالة معينة بمعنى أن السائل يذهب إلى المفتي الذي بدوره سيسأله عن أحواله، وتختلف الفتوى باختلاف المستفتي؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتي بحسب السائل، فلما يأتي السائل له صلى الله عليه وسلم ويقول له أي الأعمال أفضل فيقول له بر الوالدين، ويأتي آخر ويقول له الصلاة لوقتها، ويأتي آخر ويقول له الجهاد في سبيل الله، وعليه فالسؤال الواحد تكون له عدة إجابات تختلف باختلاف المستفتي، لأن المستفتي يفتى بحسب حاله، فمن لم يكن له والدان تقول له بر الوالدين؟ قد يكون شابا يافعا ذكيا ألمعيا قد تدله على العلم، لذلك كان بعض أهل العلم يقولون كنا إذا رأينا الفتى نابغا ألمعيا لم نتركه حتى نخرجه عالما، إذن هو اقتناص المؤهلين لما يصلح لهم، لا يضيع وقته مع من لا يحسن التعلم، فمن لا يحسن التعلم قد يكون صالحا في موقع آخر قد يكون جنديا شجاعا وصادقا ووفيا، لذلك الفتوى تتغير بحسب المستفتي لأنها مصلحة له، فمثلا لو أردنا أن نفتي بلادا يتفشى فيها الفقر، عندنا جيوب فقر بعيدة ومترامية الأطراف وعندنا حقوق ضائعة فهل نفتي الناس فيها في زكاة الفواكه على مذهب السادة الحنفية أم نفتيهم على مذهب السادة المالكية؟ نقول إن مذهب الحنفية مذهب معتبر معتمد فلم لا نوسع دائرة وعاء الزكاة؟ فأنا بحاجة إلى توسعة وعاء الزكاة لأكثر الأموال الزكوية.

فهنا إذن عندما نظرت في جيوب الفقر أنا راعيت مصلحة المجتمع ومن ثم فأنا أتكلم في حالة معينة فأخاطب المجتمع أن أخرجوا زكاة أموالكم على مذهب السادة الحنفية، ومن لم يخرج وأخذ بقول المالكية فهو في سعة الله وفي عفو الله لأن الله تعالى يقول “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” التوبة : (115)

إذن لما يأتيك البيان الحرام الذي لا اختلاف معتبر فيه كتحريم الربا والزنا والغش وغيرها فهذه لا مراعاة فيها، هذه خطوط حمر لا يجوز أن يتجاوزها أحد.

إذن أنا أفتي بحسب حالة معينة والفتوى تتوخى الإصلاح والبناء والتنمية وتتوخى استقرار المجتمع وما إلى ذلك.

وعليه فعندما أتكلم بالفتوى فأنا أخاطب فردا بعينه أو مجموعة من المسلمين عبر وسائل الإعلام والاتصال وأقول لهم أخرجوا زكاة الفواكه باعتبار اختيار قول علمي فقهي موجود من الخلاف المعتبر وهو رأي السادة الحنفية، كذلك فيما يتعلق بزكاة الديون مثلا لأننا نريد أن نتوسع في وعاء الزكاة محاولة لردم فجوة الفقر في المجتمع المسلم..

ثانيا : القضاء .

أما القضاء فهو خصومة بين اثنين، فالفتوى لا تحتج بها على الناس، فأنت سألت سؤلا فهل لك أن تأخذ الفتوى وتقول للناس التزموا بها هذه حجة عليكم؟ اختلفت معك في المال مثلا فذهبت وأتيت بفتوى وقلت لك هذه هي الفتوى وعليك أن تلتزم بالدين؟ لا يصح ذلك لأن هذه الفتوى لي وخاصة بالمستفتي ولا يصح أن يحتج بها على الآخرين، لأنها أعطيت لك بناء على قولك وتسأل عن نيتك .

وعليه فلفتوى هي قاصرة على المستفتي، وهي قول بغير إلزام، لأنها إبلاغ بحكم الله تعالى على غير وجه الإلزام.

أما الخصومة بين الناس فبابها القضاء والشهادات والبينات ولا يحكم في أعراض الناس ولا في أموالهم ولا دمائهم إلا ببينة، فلو اتصل بك أحد يقول لك والدي باع قطعة أرض لأخي ولم يقبض ثمنها ونريد نحن الورثة أن يرد إلينا أخونا أموالنا.

أقول له وما يدريني أن أباك باع أو لم يبع فأنا لست صاحب بينات ولا آتي بالبينات ولا أحكم على البينات، وعليه فأنت مسألتك قضائية، والقضاء هو الذي يحكم فيها، لأن الشأن فيها هو النظر في البينات وهذا من شأن القضاء.

فالقضاء هو رفع الخصومات الدنيوية، يأتي رجل يدعي دينا على رجل ولم يأخذ بينة والمدين أنكر الدين وقد أخذه فعلا فالقاضي سيحلف المتهم اليمين ويحكم ببراءته بعد ذلك لأنه لا بينة، لكن هل حكم ببراءته في الدنيا أم في الآخرة؟ حكم ببراءته في الدنيا لكنه لم يبرئه في الآخرة، فالقضاء لا يبرئ أحدا في الآخرة إنما فقط يبرئك من المطالبة في الدنيا.

وعليه فباب القضاء هو إنكار المنكرات ولا يمنحك براءة في الآخرة، لكن الفتوى عندما تفتي في مسألة من المسائل التي تسأل عنها وكانت فعلا من باب الفتوى فأنت تقول له أنت لست ملوما ولست مذنبا في هذا لماذا؟ لأنك تسأله عن قوله وتسأله عن نيته، لأنه يأتيك المستفتي عارضا حاله عليك وعندئذ لابد أن تتبين حاله وتعطيه الفتوى حسب حاله وزمانه ومكانه وبلده.

أما القضاء فقلنا إن شأنه البينات لذلك لا يوجد حكم في الدماء خارج القضاء، ولا يوجد حكم في الأموال خارج القضاء، فلا تكون هذه خارج القضاء، ليس المفتي من يتكلم في الدماء والأموال؛ بمعنى أنه يحكم في مال هذا ودم هذا.

وعليه فالمسار الثاني قضاء وهو الخصومة بين اثنين أو جماعتين يطالبون الحقوق وشأنهم البينات، لذلك لم يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين وبرأهم لعدم وجود البينة رغم أن هناك آية قرآنية تقول “يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ” التوبة(74)، لكن هذا وحي والوحي لا يعتد به في مجلس القضاء، وهذا أكبر دليل على منع التفتيش على قلوب الناس، ومرفوض شرعا أن تبحث في نياتهم وتحاكمهم على نياتهم، لأن ذلك يجعل الشخص قد نصب نفسه رجل دين، ويصبح الناس يجلسون أمامك على كرسي الاعتراف، هذه ليست بضاعتنا، والأصل في المسلم البراءة ولا نفتش على قلوب الناس، والأصل الظاهر والسلامة.

أما شأن السياسة الشرعية فشأن من شؤون الإمامة، ونظر في المصالح العامة، درء مفسدة ارتكاب أخف الضررين، تحقيق مصالح سد ذرائع، وشرطها ألا تصطدم بالإجماعات، بمعنى أيها الحاكم أسلك فينا سياستك وافعل في هذه السياسة كل ما يجلب مصلحة لهذه الأمة، وكل ما يدفع مفسدة وستجد نفسك أيها الحاكم أحيانا بين ضررين، فلست أنت تسكن في الجنة ومن ثم تختار المفسدة الدنيا لدفع المفسدة العليا

وارتكب الأخف من ضرين : وخير لذى استوا هذين.

فإن تعذر الاختيار وتساوت المفسدتان فعند ذلك تختار إحداهما، وستجد أن السياسة الشرعية ليست حالة مثالية ولم نضع الحاكم في حالات مثالية، بمعنى أن الحاكم عند نزوله إلى الحياة العملية قد يضر إلى تضييق بعض الأمور أو إلى فتحها، لكن هذا التضييق والفتح ليس لمصلحته إنما لمصلحة الأمة، قد يراقب قد يفعل كما فعل عمر عندما يبحث عن أصحاب الحوادث والشبه الذين يسيئون إلى المجتمع فهو حارس للمجتمع.

وعليه فالسياسة الشرعية مسار مستقل موازي للإفتاء، والحاكم لا يرجع في مسألة تقدير المصالح إلى المفتي، لأن من المفترض أن هذا الحاكم عنده هيئة فقهية كما هو في الدولة الحديثة ما يسمى الاستشارة القانونية بمعنى أن هذا الوزير له مستشار قانوني أراد أن يتخذ قرارا في التربية والتعليم فهو يمارس السياسة الشرعية في التربية والتعليم والمستشار القانوني سيقول له أنت بهذا القرار الذي تتخذه ستخالف النظام ولا يسمح لك كوزير أنت تخالف النظام، إذن القرار والتعليمات لا يجوز أن تخالف النظام والنظام لا يجوز أن يخالف القانون والقانون لا يجوز أن يخالف الدستور.

إذن نحن عندنا إجماعات وعندما يكون هناك استشارة شرعية معنى ذلك أن هناك من يقول للحاكم أنت هنا مصطدم بإجماع واتفاق أو أنت هنا في قول شاذ، لكن أثناء سيره وتحركه لتحقيق المصالح ودرء المفاسد لتحقيق منافع المجتمع وتنمية المجتمع وتطوير المجتمع فهو يسير على وفق ضوابط الشريعة من حيث الإجماعات وهو ناظر في الشأن العام ولا شأن له في الإفتاء.

فمثلا إذا اتخذ مدير الترخيص والمرور قرارا بإغلاق شارع فهل يحتاج إلى فتوى؟ أو وزير التعليم بتأجيل امتحانات الثانوية العامة فهل يحتاج إلى فتوى؟ لا لا يحتاج إلى فتوى لأنه يمارس سياسة شرعية، لذلك السياسة الشرعية هي تسير على وفق قواعد الشريعة وعلى وفق إجماعاتها بما يجلب المصلحة وبما يدفع المفسدة، فلم يكن عمر رضي الله عنه عندما اتخذ قرارا بفتح بلاد فارس لم يكن بحاجة أن يأخذ فتوى من ابن عباس، صحيح هو مجتهد وهو رجل الدولة لكن قراره هذا ليس من باب الفتوى وإنما هو من باب السياسة الشرعية.

وعليه فعلى هذا وأن مسار الفتوى يوازيه مسار القضاء ويوازيهما مسار السياسة الشرعية كلها على نفس المستوى فأين ستتعارض السياسة مع الفتوى؟ فلن تتعارض السياسة مع الفتوى ولا يتصور أن تتعارض السياسة مع الفتوى كما لا يتصور تعارض الفتوى مع القضاء ولا القضاء مع السياسة، لأن كل واحد منها له مسار مواز، بمعنى لو أن رأس الدولة ارتكب جناية وتحاكم كما كان يتحاكم الخلفاء الراشدون على قدم المساواة مع رعيتهم فإن النظر للقضاء فالمسألة ليست من باب السياسة ليتخذ فيها قرارا سياسيا.

وعليه فمن أين تدخل علينا مقولة السياسي والديني إذا كانت السياسة هي أحد مسارات الشريعة الثلاثة، فهل مسار السياسة خارج عن الدين ومقابل له أم أن السياسي هو من الدين؟  نعم السياسي هو من الديني، فكيف تجعل الديني والسياسي؟ بمعنى أن هناك خط الدين وهناك خط السياسي؟

بناء عليه كما قدمنا من هذه المسارات الثلاثة وأنها جميعا هي في صف الشريعة وجميعا هي تأخذ من الشريعة، فلا يتصور أن يكون الدين قسم والسياسة مقابلة وتسير مع الدين كما لو كانا خطين متوازيين، بل السياسة مسار ولون من ألوان الشريعة في الواقع.

من أين جاءت لابد من تمييز الديني من السياسي؟

هذه قدمت من فلسفة ثقافية غربية نتيجة العولمة الثقافية وتغلغلها في الإعلام وتغلغلها في الثقافة، ومع الأسف قد تكون على أقلام بعض الدعاة والمصلحين من حيث لا يشعرون، تأتي ويصبح هنا من تمييز الديني من السياسي، هذا صحيح في بلد غربي عانا الويلات من جهة الدين وجعل الدين في قوقعة معينة في حياة الفرد، أما المجتمع فشأنه السياسي، إذن هنا يتصور في هذا الفكر وفي هذه الثقافة المنابذة للدين أو التي تجعل الدين لونا من ألوان أخرى كثيرة وأن الدين ليس مهيمنا وليس متحكما وليس نافدا لأنه فعلا هو وضع البشر، والسياسة وضع البشر، وبشر مع بشر، لكن عندما تكون الشريعة إلاهية وجاء بها نبي بل ببلاغ محكم ولها فواعدها ولها موضوعاتها، ولها مباحثها وأصولها التي تجرد الإنسان المجتهد من نوازعه الشخصية وذاته، وضمن منهج أصولي حاكم يكون صارما، هذا المنهج في طرق تفكير المجتهدين سيكون المجتهد محكوما بالشرع وليس المجتهد هو صانع للشرع، وبما أنه يسير ضمن قواعد ثابتة ضابطة حاكمة للنظر إذن هو متجرد من ميوله التي نسميها الهوى.

وعليه فالفقه الإسلامي هو بحث موضوعي لأنه يملك منهجا، أما رجال الدين فلا يملكون منهجا إنما هي سلطة نهائية مطلقة للإنسان زعمت العصمة لرجال الدين قرونا طويلة استبدوا بالإنسانية باسم الدين وباسم السماء وباسم الآلهة، ثم جاء بعد ذلك وضع بشري جديد فكما كانت مرجعية رجل الدين مصوم ونهائية ولا يحاسب على ضوء منهج حاكم ثابت جاءت كذلك اللادينية هي نفسها تجعل الإنسان مرجعية نهائية ولا تجعل له في ذلك ثابتا كما أنه لم يكن هنالك ثوابت عند رجال الدين، وعليه فهي استبدال سلطة مطلقة في رجال الدين بسلطة مطلقة أيضا لرجال الأعمال لرجال الدنيا لرجال اللادين، فكما كان هناك مجمع الكرادلة هنا الآن أصبحوا يصطنعون مجالس يكون فيها لرجال الأعمال سلطة مطلقة باسم الشعب وذاك كان يحكم باسم السماء، والشعب مسكين في كلا الحالين ومهضوم في كلا الحالين وكذلك الإنسانية، بل إن الجرائم التي وقعت على الإنسانية في عهد رجال اللادين كانت أفتك وأشد خطرا من رجال الدين، لماذا؟ لأن الإنسانية سواء في ظل رجال الدين أو في ظل رجال اللادين لا توجد ثوابت مطلقة حاكمة إذا كان المرجع البرلمان سنسيطر على البرلمان بأموالنا فيكون الموظف في البرلمان رجل أعمال أو موظف لدى رجل أعمال، وفي النهاية أصبحت الرأسمالية هي الحاكمة، فبعدما بدلت البشرية الدماء الكثيرة بعشرات الملايين للتخلص من نظام الإقطاع والقيصر والبابا وجدوا أنفسهم أمام إقطاع الشركات، إقطاع جديد ونمط جديد، وكل هذا بسبب تنكب طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام.

إذن السياسة الشرعية في الإسلام ليست مطلقة بل فيها قيود على الحاكم أكثر من رجال اللادين، لأن الحاكم قد يستورد إلى البرلمان من يشاء وبالتالي يصبح يتخذ مشروعية من نفسه، لكن عندما تقول الشريعة تملك إجماعات لا يستطيع البرلمان أن يتجاوزها، كتحريم الربا مثلا فهو قطعي لا ينفع فيه موافقة إجماع على إباحته لا من هيئة ولا من الشعب ولا المجتمع ولا الأمة ولا يحله أهل السموات والأرض، إذ حرمه الله فلا ينسخ تحريمه إلا الله تعالى .

كيف يستبد برأس مال المجتمع من قبل رجال الأعمال؟ بحيث أنك تجد البنوك فيها تسعون بالمائة هي رأس مال المجتمع والمؤسسون عشرة بالمائة لكنهم يتحكمون في مائة بالمائة وهم أصحاب القرار في مائة بالمائة، أما أعضاء الجمعية العامة فهم لا يدرون موقع الجمعية حتى يصوتوا أصلا ولا يعرفون مكانها، ومن ثم أصبح هناك استئثار برأس المال الذي ليس هو رأس مال رجال الأعمال أنما رأس مال المجتمع ويضع القوانين لخدمة رأس المال، لذلك تجد تضخما هائلا في رواتب مديري شركات المال بينما أصحب رأس المال لا يكادون يحصلون على الفتات والنسبة تكاد تكون معروفة، أما المودعون فهم أصحاب الحظ العاثر فيعطوا نسبة ليست عادلة رغم أن هذا مال وهذا مال، وهذا وديعة وهذا سهم لكن اختلفت نسبة الربح، أما عن مكافآت رجال الأعمال على شركات خاسرة كما حدث في الأزمة المالية العالمية وجدوا أن كثيرا من مديري البنوك يتقاضون مكافآت بعشرات الملايين من مؤسسات خاسرة.

إذن أصبح هناك انفصال بين الملكية ورأس المال، أصبح من يدير لا يملك ومن يملك لا يدير، وهذه فجوة خطيرة في الرأسمالية الغربية هي التي يحاولون ردمها من خلال الحاكمية أو الحوكمة التي يمكن أن نسمعها لدى كثير من البنوك، كالبنك المركزي الذي يريد أن يقيم حوكمة ليضبط السوق المالي لأن المدير يعرف الأخبار ويعرف مداخل الشركة فقد يوحي إلى بعض أصحابه بالشراء ويترابحان معا، وإذا كان الأمر كذلك بسبب معاندة النبوات، أصبح هناك هيمنة رأسمالية خطيرة على رأس مال المجتمع وهو رأس مال المجتمع، أين تتحقق العدالة وكيف تتحقق العدالة بين المرابي والمجتمع؟ ستجد أن الشريعة تمتلك أدوات عدالة حقيقية ضامن من انزلاق المجتمعات نحو الفتنة وضامنة للعدالة حتى لو كنت نائما في بيتك الشريعة ستحميك، لذلك عندما تأتي صيغ الاستثمار من الخارج هي جاءت من بيئة رأسمالية يجتمع فيها أصحاب البنك ورجال التشريع والقانون، والقانون يهم استقرا التعامل والأمن فقط، أما الذي يضع القانون والعقد فهو رأس المال، والقانون يقول مادام أن المواطن رضي فأنا لا دور لي، هو موافق على صيغة العقد، لكنها موافقة نتيجة احتكار في صناعة العقد، فلذلك عندما تقرأ أي عقد استثماري مع البنك أنظر إلى الانحياز الواضح لرأس المال وحماية رأس المال وتقليص المخاطر وتحويلها على الجهة الضعيفة فيصبح هنا الاقتصاد هرم مقلوب رأسه في رأس المواطن الضعيف وقاعدته عند أصحاب المكافآت الهائلة الذين يعيشون على رأس هذا الضعيف، فما يلبث الأمر أن ينهار بالجميع، حلت الأزمة كيف سننقد البنوك التي ستحمي شركات السيارات وشركات الإنتاج؟ وإذا انهار النظام البنكي انهار الإنتاج؟

احضروا دافع الضرائب الذي هو المواطن الذي ظلم، فيظلم مرتين ويسكب رجل الأعمال مرتين، من الذي سيحمي المجتمع؟ الشريعة، لذلك الشريعة تذهب في العقود مذهبا كبيرا في الشروط العقدية الشرعية، بمعنى لا يمكن تحويل المخاطر على الطرف الآخر، إنما تقوم على تقسيم المخاطر بين أطراف التعامل وتقوم على توزيع عادل فليس لك أن توزع المخاطر كما تشاء، تأتي إلى عمل عقد إجارة ثم تقول له بعد ذلك أنت تضمن الشقة إذا تلفت وهلكت، الشريعة لا تبيح ذلك، أنت المالك وأنت الذي تتحمل عبء التلف وليس المستأجر، أنت الذي تجني الأرباح فتجعل هلاك العين ودفع الأجرة على الطرف الآخر وتكون أنت في أمان وتقوم بجني الأرباح على حساب المجتمع وتكسب كسبا لا مبرر له شرعا دون أن يكون هناك توازن عقدي صحيح وواقعي في هذا العقد المبرم بين المؤسسات المالية أو المؤسسات الاحتكارية وأفراد المجتمع.

وعلى هذا فالسياسة الشرعية هي نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حراسة الشريعة وفي تسيير أمور الدنيا بالدين، وهذا من قوله “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” النساء(59)

وأولوا الأمران لهم نظران :

نظر من حيث إنهم محكومون بالحكم الشرعي.

ونظر من حيث إنهم حاكمون على المسلمين.

وعليه فالحاكم ليس مطلق الإرادة والنظر، فهو محكوم من حيث الشرع وإن كان حاكما من حيث الناس، وعليه طالما أنه محكوم فسياسته راجعة إلى الشرع وتصح أن تسمى شرعية، أما إن خرج عن الشرع ولم يعد محكوما به فسم سياسته بما شئت سياسة وضعية أو سياسة سياسية أو سمها ما تشاء، إذ العبرة بالمسى وليست بالأسماء.

موقع قيادة المرأة للسيارة مما ذكرنا :

 هنا هذا الحدث سيجعل موضوع كبير جدا ويضخم لتبرير فكرة جديدة وهي أن انظروا إلى تناقضات رجال الدين والدولة انظروا إلى أفعالهم وكيف أصبحوا خدما للسلطان وما إلى ذلك، لكن نحن نقول لابد أن نؤسس للأمر أولا، فقلنا إن الفتوى لها مجال والقضاء له مجال والسياسة الشرعية لها مجال، والحال هنا أنه لا يوجد خطاب من الشارع يقول للمرأة أن تقود السيارة أو لا تقود، فيأتي من يقول جاز لها زمان أن تقود الراحلة فجاز لها الآن قيادة السيارة ولا يوجد إشكال والأصل فيه الإباحة فلا ضير في قيادتها.

المفتي هنا لا يجد في المسألة أي مخالفة لأي حكم شرعي أصلي، فالآن من المفترض أن الأمر أصبح برقبة الحاكم فقط فيقول مثلا أنا منعت قيادة المرأة للسيارة سدا للذريعة، فيناقشه مستشاروه من العلماء هل هو فعلا سد للذريعة أم فتح لها عندما يأتي السائقون ويكون لهم مسكن بالبيت ويقود بالزوجة والبنت؟ ونحن في غنى عن ذلك ولتقد السيارة.

وبناء عليه فسنناقش ونقول إن سد الذريعة هو أن تمنح الحق في القيادة لا أن نضيق عليها، وليست القضية كبيرة ولا معقدة وذلك أننا صعدنا على القمر أو حررنا القدس بإيجازنا القيادة أو منعها، فالقضية ينظر له في حكمها الشرعي أنه لا يوجد فيها حكم أصلي يقول تحرم القيادة، وعليه فتلقى على عتبة صانع القرار السياسي ويوقل المفتي فيها أنها على أصل الإباحة، والمباح للحاكم أمر تقييده أو تركه بحسب مصلحة الأمة وليس بحسب العادات والتقاليد ولا بحسب وجهة نظر خاصة، فالأمر في عهدة الحاكم بناء على ذلك، فلا إشكال إذن من حيث الحكم الأصلي كفتح الطرق مثلا وتحديد السرعة وغيرهما، لكن لما آتي وأقول إن هذا حكم أصلي ولا يجوز للمرأة أن تقود السيارة وهو أصلا ليس من باب ومسار الفتوى لأنه ليس عندنا حكم أصلي بالتحريم أو بالإباحة، وإنما عندنا الحكم الشرعي أن هذا لا يوجد فيه أي اختلال من ناحية التطبيق الفقهي، كما في قيادة السيارة في شارع ليس عليه علامات تحديد السرعة، فهذا أمر مطلق فلو حدده الحاكم بسرعة معينة فلا نقاش بعدها، فهو الذي يقرر ما فيه المصلحة، ولا يتصل الحاكم هنا بدائرة الإفتاء ويطلب منه الرأي هل يجوز أن نضع علامة للسرعة أولا، فالمفتي لا يبحث في هذا والحاكم لا يستشير المفتي في هذا إنما يتخذ قرارا فيها لأن قراره فيها يكون مبنيا على جلب المصالح ودرء المفاسد وسد الذرائع والأصول العقلية وهذا يكون في مسار مواز لمسار افتاء، كما في وضع إشارة المرور مثلا مردها للحاكم فإن حققت المصلحة فبها، فهو قرار سياسي لكنه منضو تحت الشريعة من حيث المصالح العامة، وعليه فما يتعلق بالسياسة الشرعية من حيث الإباحة مندرج تحت جنس وأصل كلي كالطرق “أعطوا الطريق حقه” رواه الإمام أحمد، لكن لا يوجد عندنا نص بتحديد سرعة في الطرق أو جاء فيها حديث أو انعقد عليه إجماع، وعليه فهذه الإطلاقات هي التي تطلق يد الحاكم لكنه ليس خارجا عن أطر الشريعة العامة كالمصلحة، فله أن يقسم مصالح المسلمين إلى دوائر كالوزارات المتنوعة لتقديم الخدمات للناس وتيسير حوائجهم، وهو من باب القرار السياسي القائم على المصلحة والخاضع للحاكم، لأن الحاكم له مستشار شرعي كما في الدولة الحديثة مستشار قانوني، فيقول له مستشاره أنت بذلك لم تخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا جليا ولا قاعدة فقهية فانطلق فيما يحقق المصلحة، وكذلك لو قال الحاكم سأقطع علاقاتي مع تلك البلاد لما لهم من محاولات لإفساد الأمن في البلاد مثلا وأن هناك ذرائع فساد ما، فلا يقول المفتي إن ذلك حرام لاختلاف مساره، فهو لا ينظر في القرار العسكري الذي يكون مبنيا على خبرة علمية واستراتيجية وإعلامية، فالحاكم المسلم لما يريد اتخاذ قرار الجهاد يكون له مستشار شرعي وهو يتخذ قرارا سياسيا فيكون معه ابن عمر وابن عباس في المجلس ليتأكد أن الحاكم لم يتجاوز إجماعا شرعيا ولا قياسا جليا ولم يتجاوز نصا كفاحا ويرد كتاب الله وسنة رسول الله، فهو ينظر إلى أهم شيء وهو أن الحاكم لم يضرب إحدى هذه الأعمدة ويمضي قولا شاذا، وعندها يقال له امض ونحن وراءك، لذلك لم يكن هناك فتوى لقرار سيدنا أبي بكر الصديق -t- في قتال المرتدين لأنه ليس من مسارات الفتوى وإن كان ليس خارجا من الدين ولا مقابلا له.

ومنه فنحن لا نقبل أن يقحم علينا فكر لاديني يجعل السياسي مقابل الديني، لأنه كما قلنا لدينا مسار سياسي له نظره في المصالح له نظره في الشأن العام، له نظره في ترتيب شؤون الرعية الدنيوية لكنه ليس خارجا من أصول الشريعة الكلية، بل هو منضو تحتها وطاعته هنا واجبة فيما اتخذ من قرار كقرار سيدنا أبي بكر الصديق -t- بحرب المرتدين، فهو ليس عنده نص بقتالهم لكنه ينظر في خطر هذه الفتنة التي قامت والتي تتوجه إلى أصل النبوة وإنكار أصل النبوة، وعليه فلابد من حماية الشريعة وحماية الدين وهو بذلك مجتهد، والحاكم إن لم يكن مجتهدا فلا أقل من أن يكون مجتهدا مرجحا أو يكون مجتهدا في مذهب، ويكون له هناك مستشارون من المذاهب الأربعة ليتأكد من رتب القرار الذي اتخذه فربما يخالف مسائل أساسية في الشرع ، وهذا يستوجب أن يكون بين يديه الخبرة في الدين والخبرة في الاقتصاد والخبرة في الإعلام والخبرة في المال والخبرة في الوضع الدولي وكل مجالات وشؤون الحياة فيكون في قراره تكامل ويحيط بالرأي العام ويتأكد من عزيمة الشعب بأنه مصر على الجهاد والقتال كما فعل سيدنا رسول الله -e- في استشارة أصحابه في غزوة بدر، فكان هناك استطلاع للرأي وتأكد من الرغبة والنية الصادقة على أن هؤلاء الرجال عازمون على القتال لكن أنت تأخذ قرار قتال وشعبك لا يريد وتقحمه في وهمية هنا وهناك قد تكون هناك قرارات ومعارك لإشعال الداخل فقط عن قضية كبرى لذلك هل يعقل أن يكون قرار أهل الاختصاص فيه جهات عدة بعد بحث ومناقشات وأخذ ورد يأخذه خطيب من على منبر؟ هل نحن نوجه خطابا حماسيا؟ هل الجهاد الشرعي هو دغدغة عواطف؟ أناس نائمون وبالكاد يمتنعون عن المال السحت تدغدغ عواطفهم بخطب منبرية رنانة عن الجهاد والتضحية بالنفس وهم لا يضحون برغباتهم وشهواتهم، ومازالوا يحتاجون إلى أوليات التعليم في الدين ويحتاجون إلى الانتهاء عن الكبائر، ويحتاجون إلى مسيرة إصلاح طويلة المدى، لذلك فالجهاد شرعا عبء كبير تحمله الأمة ولا يحمله فرد ولا تحمله جماعة وليسهو قرار حزب ولا قرار فئة هي قضية مصلحية للأمة، والمراعى فيه مصلحة الدين ومصلحة الأمة، وليس كما نسمعه أن فلان هو عالم رباني هو الذي يخطب في الجهاد وذاك يخطب في المرور والسير وذاك يخطب عن الشجرة والبيئة فنجد أن هناك خطابات متناقضة داخل المجتمع الإسلامي ففي مسجد تجد الهدوء في الخطاب والكلام على زراعة الشجر ومقاومة التصحر والمسجد الذي بالجوار يكاد يعلن الجهاد قاب قوسين أو أدنى، فالمسألة تحتاج إلى مشروع إصلاح كبير في الأمة في الفهم، على الأقل لا تكون مضطربة في مرجعية الشريعة في مساراتها حتى لا يتسلل الإلحاد واللادين من خلال هذا الاختلاط الذي نعيشه اليوم ومن خلال هذا الاضطراب في الفتوى في السياسة والسياسة في الفتوى، وأصبحنا دبلوماسية في عالم العقيدة وعقيدة في عالم الدبلوماسية ثم فتش على دين المسلمين في هذه الأكوام من القش المختلط، لذلك لابد من أن يكون الدين واضحا فيما يتعلق بالفتوى وفيما يتعلق بالقضاء وفيما يتعلق بالسياسة، وأفضل ما يمكن أن نعمله هو أن نكون عاملين في جانب السياسة والإمامة، فلو افترضنا أنه وقع خصومة بين دولتين مسلمتين هذا يدعي وهذا يدعي ووقع قطع علاقات بينهما وشعوبهما جنس واحد ولحمة واحدة ولا نصطف مع هذا ضد ذاك والعكس فماذا أفعل في ضمن هذا المعترك الذي أرادت فيه السياسة أن تجند هذا الشيخ معها هنا والشيخ هناك معها هناك ويصبح هناك اصطفاف ديني بحيث ينظر المسلم إذا الدين مع هؤلاء  و الدين مع هؤلاء  أيضا وكل منهما يقاتل صاحبه وهؤلاء هم أهل الحق وهؤلاء هم أهل الحق فأين الدين؟ إذن سببنا إشكالا بمثل هذا، وفي مثل هذا الاختلاط عندما تختلط علينا السياسة فالأمر ليس محيرا من حيث الدين وإن كان قد يحير من حيث كونه سياسة لماذا؟ لأننا في هذه الحالة ننحاز إلى الإجماعات، ماهي؟ ” وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” الحجرات(9)

فننحاز إلى الإصلاح لا إلى الاصطفاف هنا وهناك، فعندما يرى المتخاصمون بحرا من المطالبين بالصلح، وفي خضم المطالبين بالصلح وعودة الأخوة وأن تعود المياه إلى مجاريها كما كانت وأن يعود المسلم يشد يده بيد أخيه لا أن نصبح هنا فريق وهنا فريق وكلانا يتسول في الخارج الرضا حتى يكونوا معنا ضد أخينا وهنا نكون قد فرطنا عقدنا، وعليه فالذي يجب هو الانحياز إلى الإجماعات، فإن نشب قتال فننحاز إلى حرمة الدم المسلم من الفريقين حتى ينتبه المتخاصمون ما المكاسب التي سنحققها على جثت المسلمين منهما، ما هي المكاسب أن تكون هنا أرملة وهناك يتيم؟ ما الفائدة ؟ هل سنصلح الاقتصاد ما فائدة الرفاهية للأيتام وقد فقدوا المعيل ثم بعد ذلك نكتشف أننا كنا نحرك من قبل جهات كل منها تدعم وترفد النار بالحطب ونحن الطب.

وعليه ففي هذه الموضوعات في حال وجود الصراع فلا يوجد فتوى في هذه القضايا وأن هؤلاء على حق؟ فمن ادراك أنهم على حق؟ هل جاءت الدوائر المعلوماتية المتيقنة واجتمعت عندك حتى قلت إنهم على حق؟ وغلا فمن أين تعرف أنهم على حق؟ لذا نقول لابد من الانحياز إلى القواعد العامة والإجماعات عندما يختلف المسلمون، وعندما يرى المختلفون أن الأمة ليست مع الخلاف، وأن هذا الخلاف والشقاق يضر بالأمة جميعا وأن الجميع ليس مصطفين هنا وهناك فيكون هذا الجميع هو الأجدر بأن يقود عملية الإصلاح لأنه ليس منحازا ولا مائلا لطرف دون آخر عندها نقول إن المسلمين أصبحوا في وعي في السياسة لأن فيه انحياز إلى القواعد العامة كحرمة الدماء وحرمة الأعراض وحرمة الدين فلا يقول أحد هذا شيخ قال كذا والآخر قال كذا ويجعلوهم في محل سخرية فنكون من حيث نعلم أو لا نعلم أننا نسخر بالدين وتضعف ثقة الناس بالدين وليس بشيخ الدين.

ومن هنا نعلم أن الفتوى حقل مواز لحقل السياسة والفتوى لا تأخذ من السياسة والمفتي لا يرد فتواه على السياسي، والسياسي ينبغي أن يكون له مستشار شرعي يبين له أنه لم يخالف الشريعة، لأن سعيه للمصالح لا يوجد عليه نص خاص إنما هي مطلقة تقوم على المصالح وتتغير بتغيرها لأنها ليست فتاوى إنما سياسة قائمة على النظر في المصلحة والمفسدة.

لذلك ينبغي أن نلاحظ هذا التمايز بين هذه المسارات الثلاثة، لأن هناك اليوم من يحاول أن يشوه صورة الفتوى، وأنها أصبحت عبارة عن موظف عند الحاكم، إذن أتركوا الفتوى مادامت كذلك إذن سيتركونها في الصلاة والزكاة والصوم والحج وكل شيء .

وعليه فهناك من يريد أن يتخذ من رجال العلم شيوخ خدمات فقط كمذيع للسياسة يتكلم بإباحة ما يأمر به السلطان، وإذا ترك السلطان المباح جعله هو حراما وأصبحت المرجعية المطلقة في الفتوى للسلطان وهذا لا يصح ولا يخدم السلطان أصلا في النهاية لأنه عندما يفقد الشعب الثقة بالسلطان ويفقد الثقة بالعالم فمن الذي سيضبط هذا الشعب من الذي سيوجه سينفلت الشعب من الاثنين وعند ذلك لم يكن لهذا الشيخ أي مصداقية وعندما يتكلم سيقال له أنت مكانك الإذاعة وليس المسجد ودار الفتوى.

لذلك لابد أن نحمي الإسلام والفتوى من اقتحامات الولاء والمعارضة، فمثلا لو كنت في مجلس وسمعت من يسخر من حديث ولو جلد ظهرك وأخذ مالك، وهو صحيح، لكن أنت أخذت هذا الحديث النبوي الشريف ووظفته في دائرة الموالاة، فلم يعد هذا حديثا لأنك وظفته في خدمة قرارات تستبد أو القرارات ظالمة للمجتمع.

وبالمقابل تخرج المعارضة وتقول هذا هو الدين تطيع ولو جلدك وأخذ مالك اضحكوا من الحديث فصارت السخرية من الحديث، والحديث النبوي فوق الحاكم والمحكوم وليس خداما لهذا ولا ذاك، بل كلاهما محكوم بالحديث، لكن لما اصطنعنا ولاء ومعارضة فالآن في الغرب من الطبيعي أن تنشأ الولاء والمعارضة لأنه لا يوجد حق ثابت ومطلق أصلا لأن الحق يتقرر في البرلمان والبرلمان يقرر ما يشاء وعليه فلا يوجد ثوابت ولا إجماعات غير متحركة لأن إجماع اليوم سنلغيه غدا وهذه مشكلة، ما العمل؟

إذن أصبح هناك ولاء ومعارضة هذا يصنع القانون إذا تمكن وذاك يغيره إذا تمكن ويضع ما يشاء، لكن هل نحن بهذه الطريقة؟ لا نحن عندنا ثوابت شرعية، والولاء بالنسبة لنا للثوابت الشرعية، الولاء لثوابت الأمة الولاء لإجماعات الأمة، والحاكم حارس لإجماعات الأمة، والأمة معينة للحاكم، وحيث حصل مخالفة للشرع فالأمة ناصحة الأمة لا تتحول إلى معارضة شاملة إنما تقول له هذه الجزئية حرام وغيرها أصلح هذه فلا يتصور اصطفاف ولاء مقابل معارضة لوجود إجماعات لأن الإجماعات هي التي تلتف حولها الأمة والحاكم أيضا ومصداق ذلك قول الصديق -t- :اطيعوني ما اطعت الله فيكم –أي طيلة طاعتي لله في أمركم” إذن ثبت المرجعية وثبت رقابة الأمة فمن أين تكون هناك قضايا الولاء والمعارضة؟ فإذا افترضت أنت وخرجت عن طرقة الأمة في ممارسة العمل الإجتماعي العام والعمل السياسي فاصطنعت ولاء واصطنعت معارضة، ثم تأتي لهذا الحديث فتقتنصه من عليائه وتوظفه هنا، وذاك يوظف كلام الأعرابي لعمرt “والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا” رأينا اعوجاجا إذن سنقومه بسيوفنا، لكن كيف ستكون الأمور؟

إذن أصبح هناك ثقافة مهيمنة ثقافة العولمة ويؤتى بالدين لخدمة اتجاه ضد اتجاه، إذن هل جاز لي أن أوظف حديث وإن جلد ظهر وأخذ مالك وأضعه في سياق ثقافة غربية ولاء ومعارضة؟ ويؤتى بكلام النبي e ليهزأ به، ثم لم لم تأت بحديث ” «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، وَلَيَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» رواه الطبراني في الكبير.

لماذا تركت هذا وأخذت هذا؟ إذن أنت توظف الحديث وجعلت الدين دين خدمات ولم يعد الدين حاكما.

إذن الشريعة حاكمة على الجميع وليست خادمة للولاء دون المعارضة أو العكس إنما هي حاكمة عليكما وهي فوق الجميع وهي حارسة للجميع، فعندما تختلفون وتضطربون ردوا إلى الله ورسوله ” فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” النساء(59)

لو كان الله والرسول يؤدون إلى النزاع فما فائدة ردنا لهما؟ لا فائدة، فإذن إذا ردك لله والرسول لقطع المنازعة فهذا يعني أن الله والرسول قاطعان للمنازعة فإن بقيت فأنتم لم تردوا لله والرسول والخلل فيكم ولو أحسنتم الرد لما بقيت المنازعة ولحسمتم مادة الخصومة.

هذا هو المجتمع عندما نتصوره في حالته الصحية النقية الصافية، أما حيث تلوثت بالعولمة والثقافة الغربية وبعد ذلك أصبح ينتزع هذا الحديث وتنتزع هذه الآية وتنتزع هذه السنة ذاك ينتزع للمعارضة وذاك ينتزع للموالاة ماذا بقي لكم من دينكم؟

إذن الشريعة حاكمة ليست محكومة، والشريعة فوق ولي الأمر وعلى ولي الأمر أن يطيع الله ورسوله في المسلمين، وهذا حارس لولي الأمر لأن بعد ذلك لو قال ولي الأمر عندما يتنازع مع الناس والناس يتنازعون معه سنقول للجميع ردوا إلى الله ورسوله لأنكم حرستم الله ورسوله لأننكم لم تستخدموا الدين في صناعة الشقاق والنزاع والخلاف، عندما ستردون إلى الله ورسوله ستجدون أن فيه قضاء وفيه حكما سيحرس الجميع، أما وأنكم قد فعلتم ما فعلتم وجعلتم الشريعة قطعا ” الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ” الحجر(91)، كل جهة تأخذ جزء كيفما شاءت لحسابها، فلما جئتم تردوا لله ورسوله ما وجدتم الشريعة لأن كل النصوص قد تم توظيفها، والنصوص التي كنا من خلالها سنحكم في النزاع قد تم تلويثها بهذا التطبيق، إذن أنتم تجنون ما كسبتم وعليكم أن تصلحوا ما أفسدتم.

نكتفي بهذا القدر في هذه المسارات الثلاث التي اقتضاها الحال والواقع من محاولة استغلال اضطرابات الفتوى مع السياسة ليقول لنا اتركوا الفتوى جانبا وخذوا السياسة فقط واجعلوا الدين على جنب بمعنى أصبحنا أمام طرح تعالوا نميز بين الديني والسياسي، نقول لك السياسي جزء من الديني ولا يضطرب مع الفتوى في الحالة الصحية الصحيحة، أما لو رأيته قد اضطرب فاعلم أن هناك خللا قد حصل ونحن نعالج ذلك الخلل، لأن الفتوى والقضاء والسياسة الشرعية جميعا خطوط هي متوازية وتقف على استقامة واحدة لا يعدو بعضها على بعض .

ونكتفي بهذا القدر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك بتعليق