مناقشة هادئة في كتاب علم نفس الإلحاد والإيمان (1)

هذه خلاصة مداولات هادئة مع أخي العزيز د. ريكان إبراهيم مؤلف كتاب علم نفس الإلحاد والإيمان، وقد تمخص اللقاء الأول عن خلاصات تجارب د. ريكان في علم النفس ممارسا وباحثا ومؤلفا، وقد أحببت أن أضع هذه الخلاصات بين يدي القراء، لما رأيت فيها من الأهمية والفائدة:

أولا: مفهوم الإلحاد:

تم تداول مفهوم الإلحاد، حيث انطلق المؤلف من مفهوم الغرب للإلحاد، وهو إنكار وجود الله تعالى، حسبما ما هو مسطر في علم، النفس، وقد أشرت إلى أن معنى الإلحاد مختلف في العقيدة الإسلامية، فيمكن أن يقر الإنسان بوجود إله، لكنه يلحد في صفات الله تعالى وأسمائه، فيصف الخالق بصفات المخلوقين، أو وصف المخلوقين بصفات الخالق، مما يعني أن تحرير المفاهيم مهم وضروري، وينسحب ذلك على مفهود الدين نفسه عند الغرب، حيث يمكن أن تتسلل مفاهيم فلسفية للدين، تختلف عنه في الإسلام، وتقوم بتطبيق مفهوم الغرب للدين على دين المسلمين.

ثانيا: أسئلة الطفل الأولى:

1-تم تداول أسئلة الطفل الأولى، وأن الطفل في مجال السؤال عن الله تعالى هو أشجع الشجعان، ولا يوجد ما يخيفه أو يمنعه من طرح السؤال، وأن الإجابة على أسئلة الطفل العقلية لا ينبغي أن تكون مباشرة، لأن الطفل عاطفي، وليس عقلانيا يقيم أدلته حسب الترتيب المنطقي، ولكن يمكن تحويل السؤال إلى جوانب النعم والعواطف، والنظر فيما حولنا، بدلا من الإجابة على أسئلة الطفل مثل من خلق الله تعالى، لتعذر الإجابات العقلية الرصينة بسبب صغر سن الطفل، وهنا تكمن مهارة الأم في تقديم الإيمان العاطفي بحسب حاجة الطفل.

2-وقد أشار د. ريكان بأن عواطف الأم الدينية أكثر مناسبة لتلقي الدين في مراحل الطفل الأولى، من إيمان الأب الذي يغلب عليه طابع التدبر، لذلك فإن إيمان الطفل العاطفي يناسبه عاطفة التدين عن الأم، لا التدبر الصفة الغالبة عند الأب، لذلك علينا الاهتمام بالأم، لأنها مدرسة الإيمان الأولى لتلقي الدين.

ثالثا: من قصص العيادة النفسيه النفسية:

1-ذكر د. ريكان حالة نفسية عرضت عليه في العيادة في بغداد، وهو أن طالبة هندسة جامعية في السنة الثالثة، كانت تعيش حالة خوف من الله تعالى غير طبيعية ، وطلب د. ريكان من أخيها أن يراقبها في السور التي تقرأها، فكانت تقرأ آيات الوعيد والعقاب والعذاب دائما، وعندما راجعت العيادة، سألها د. ريكان لماذا هذا الخوف الشديد من الله تعالى، هل ارتكبت ذنبا كبيرا يستحق كل هذا الخوف.فقالت : لا.

2-فطلب الدكتور ريكان من أخيها، أن يدخلها المستشفى على الفور، لأنها تعاني من انفصام شخصية، لأنها تخاف من ذنب لم ترتكبه، وقال: لو ارتكبت ذنبا، لا عتبرتها حالة كآبة، ولكنها لم ترتكب جناية ولا ذنبا، فصنفها على أنها حالة انفصام شخصية، ولكن الأهل رفضوا إدخالها المستشفى، وطلبوا من الدكتور ريكان أن يعطيهم الدواء وتأخذه في البيت، فقال: لا بد من أخذ الدواء تحت إشراف الطبيب في المستشفى، ولكن أهل الفتاة لم يستجيبوا، وبعد أشهر قليلة بلغه أن الفتاة قد انتحرت مع الأسف الشديد.

3-قلت: ولا بد لنا في حالات الانتحار أن نتبصر حالة المنتحر إن كان يعرف بمرض نفسي أم لا، وذلك من خلال معرفة أهله وسجله الطبي النفسي إن وجد، وهل يمكن مع المرض أن يفقد الإنسان الوعي معه كالجنون، وهذا يدعونا إلى ندرس عوارض الأهلية كالجنون والعته وفق معطيات تطور علم النفس العلمية، من حيث هو علم ووصف.

 4-ولا بد أن نحذر من دخول الفلسفة الغربية فيه، بحيث يمكن أن يفيد علم النفس في فهم عوارض الأهلية، وتحقيق محل الحكم في تنزيل عوارض الأهلية في الواقع، نظرا لما يترتب عليه من أحكام فقهية.

5-يلاحظ في القرآن تجاور آيات الرحمة بآيات العقاب، وآيات الجنة بآيات النار، ضرورة تنويع القراءة من القرآن والمرور بآيات الرحمة، والعتاب الرقيق، واللطف والعقاب، وقد أشار الدكتور ريكان إلى آيات سورة الرحمن وما فيها من اللطف الآلهي ومنته على عباده ورأفته بهم، وإسباغ النعم عليهم.

رابعا: الإلحاد بين الرجل والمرأة:

1-أما ما يتعلق بالإلحاد من حيث الجنس ذكرا أم أنثى، فقال: إن الإلحاد في الرجل أكثر، نظرا لشخصيته، القائمة على إثبات الذات والعناد والتمرد، قلت لعل ما يعرف في القرآن أن أكثر أعداء الأنبياء هم من الرجال، لا من النساء.

2-وأشار أيضا إلى أن إيمان المرأة يقوم على الاستسلام والاتباع، قلت: وذكر الحنفية تعليلات كثيرة من النص والعقل على عدم تطبيق حد الردة على المرأة، ويمكن أن يضاف إلى أدلة الحنفية التعليلات النفسية في مجال تدين المرأة.

3-إن الرجل إذا دخل إلى معرض الكتاب مثلا، فإنه يتوجه إلى الكتب التي تطرح الأسئلة القلقة، والقائمة على التدبر، خلافا للمرأة التي تتجه إلى كتب الوجدان والعواطف الإيمانية، مثل الأذكار والقصص، وما إلى ذلك، وهذا لا ينفي عن المرأة أصل التعقل في الإيمان، بل الحديث عن صفات في الرجل والمرأة معا، ولكنها تكون في الرجل أكثر من المرأة، أو في المرأة أكثر من الرجل.

4-إن المرأة يقوم تدينها على التخويف والترهيب أكثر من الترغيب، وهذا مشاهَد من خلال متابعة الدكتور مرضاه في عيادته، قلت: ولعل في ذكر بعض الأحاديث النبوية في تخويف النساء خاصة أكثر من الرجال، كقوله -صلى الله عليه وسلم فيما جاء في صحيح البخاري: (فإني رأيتكن أكثر أهل النار)، وكذلك خطاب الرجل مختلف عن المرأة، فما وعد به الرجال من الحور العين هو أنسب لطبيعته، فإن الرجل يمكن أن يَعِد ابنه بأن يزوجه، ولكن الفتاة تأنف من هذا الوعد، ولا تقبله لأنه لا يليق بها، وهذا يلفت الانتباه إلى أن القرآن الكريم خطاب دقيق ويراعي اتجاهات النفس الإنسانية، وهو خطاب من كان بها خبيرا، سبحانه وتعالى. 

***كان اللقاء في يوم الثلاثاء 11-7-2017، الساعة: 5:30 عصرا، المكان: منزل د. ريكان في عمان، الرابية.

الطريق إلى السنة إجباري

د. وليد مصطفى شاويش

الجمعة المباركة

14-7-2017

عمان المحروسة

شارك بتعليق