لَطْمِيات أهل السنة وضرورة الخروج من المستنقع

تمهيد:

 لم يكن تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس صدفة، ولا هو نتيجة البكائيات على الواقع، بل قام صلاح الدين بتحقيق شروط النصر، من جمع الكلمة حيث أسس المدارس الدينية للمذاهب الأربعة التي أسهمت في استرداد هوية الأمة في مواجهة الطوائف الباطنية في الداخل والغزو الصليبي من الخارج، وحقق بذلك التجانس والوحدة السياسية والاجتماعية، وأصبح العمل هو المقياس الذي يتنبأ بالنصر، وليس كما يفعل بعض المسلمين اليوم الذين يمارسون الانتظار دون عمل، ينتظرون أن يأتي النصر على غير أيدي أبنائهم، وأن يخرج النصر من غير بيوتهم.

أولا: الوطنية المريحة:

كلما ظهرت أزمة أو قاصمة من القواصم أفاق المسلمون من سباتهم، وبادروا إلى الدعاء بالرغم من أن الكثيرين ما زالوا غارقين في مستنقع الكبائر، ويزيد الطين بِلّة والمريض عِلة، البعد عن العمل والانشغال بلطميات الحزن والبكائيات على الّلبَن المسكوب، وتتحوّل -مع الأسف- بعض أفراد النخبة الدينية إلى صياغة الأدعية الجزلة من داخل غرف البث ذات الأضواء والألوان التي تذهب بالأبصار، بينما ينبري آخرون إلى التعليق على الأحداث في المستنقع، والصراخ والعويل وحصد الإعجابات على الفضائيات ومواقع التواصل، في وطنية مُريحة تتكرر مع القدس دائما وموسميا مع ضحايا المسلمين في الشام والعراق وبورما وغيرها.

ثانيا: أخطاء موسمية:

 مما يعني أننا ما زلنا نكرر الخطأ نفسه منذ قرون ولا نأخذ بالأسباب الواجب اتخاذها شرعا، لاسترداد مقدسات المسلمين، وفي أثناء اللطميات تعتبر الدعوة إلى الخروج من مستنقع الكبائر أمرا خارج الواقع، ومن يتكلمون عن ضرورة الخروج من المستنقع أولا هو من أسباب إجابة الدعاء، هم أناس متحجرون في التاريخ، ولا يعيشون في الواقع، وهم منسلخون عن الواقع.

ثالثا: تحويل عبادة الدعاء إلى استراتيجية الإلهاء:

وبعد انتهاء الأزمة التي هي إشعار الله تعالى المسلمين بضرورة الخروج من المستنقع، تختفي الرؤوس التي كانت تصرخ من داخل المستنقع، وتعود لتغرق من جديد في وحل الكبائر، وفي هذه الحالة يصبح العالِم شيئا مزعجا في الأعراس، وفي مباريات كرة القدم الأوروبية، ومسلسلات رمضان، ولا تنس ذلك الإزعاج عند معاملات البيع والشراء والغش التجاري، الذي يعج به مستنقع الكبائر الآسن، مما يعني أن حالة الدعاء في بداية الكارثة كانت حيلة نفسية في مواجهة الأزمة، مع الإصرار على ارتكاب الكبائر، واتهام المصلحين الناهين عن الكبائر بأنهم منسلخون عن الواقع، بينما في الحقيقة أصحاب الكبائر هم المنسلخون في الواقع، ومع الأسف الشديد وبعد أن تنتهي الأزمة تتلاشى حالة الدعاء، ويبقى الأمر على ما هو عليه حتى إشعار آخر.

رابعا: كيف تحظى بإعجاب سكان المستنقع:

لا يكلف هذا كثيرا، فأصحاب الأغاني الخليعة، والوالغون في المال العام من الفاسدين، فكفارتهم سلة من الخطابات الرنانة غير المكلفة وفيديوهات وكلمات حماسية للحصول على لقب الشرف غسيل الشعب، أو “ذو الغَسْلتين” غسيل الأموال وغسيل الذنوب، وهو أيضا المغفور له جماهيريا بإذن الشعب، وهذا اللقب سيؤهل صاحبه إلى مباراة جديدة في البرلمان القادم، وبعد انتهاء الأزمة يدخل الجميع في مرحلة البيات الشتوي في المستنقع، انتظارا لموسم أزمة جديدة، يتكرر فيها المشهد نفسه، وهذا يعني أننا يجب أن نقوي ذاكرتنا، وأن يكون نفسنا في العمل طويلا، وأن يكون شأنا يوميا، وليس موسميا.

خامسا: ثقافة المستنقع أن تكون مسلوخا في الواقع لا عنه:

 وحسب ثقافة المستنقع فإنه من الضروري الحذر من حالة ذكر الكبائر والفرائض أثناء الأزمة، لأن ذلك يعني أنك لست في مستوى المرحلة الدقيقة التي تمر بها الأمة، وهذا سيفقدك  الكثير من إعجابات سكان مستنقع الجدل وترك العمل، وسيتهمونك بأنك خارج السرب، ومنسلخ عن الواقع، بينما من مصلحتك الانتخابية تقتضي أن تكون مسلُوخا في الواقع لا عنه، لتراعي ثقافة المستنقع، فإذا كنت مقبلا على انتخابات، أو مصلحة ما مع جمهور المستنقع المهجور، فعليك بمواصلة اللطميات والبكائيات والصراخ، فإن هذا مفيد ومجرَّب، في ركوب أمواج الأزمات لتحقيق مكاسب خاصة، وهذا يتقنه الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.

سادسا: سكان المستنقع يتساءلون: لماذا لا يستجاب لنا؟

والسؤال الكبير المُحير لذوي الإقامة الدائمة في المستنقع، دعَوْنا فلم يستجب لنا! فما فائدة الدعاء؟ وأصبح بعض الناس في شك من الدعاء، مع أنه كان يجب أن يشك في حاله مع الله لا في عبادة الدعاء،  وكان الأجدر بالشيخ الفاضل ساكن الاستوديو الفضائي أن يحشد نفسية سكان المستنقع للخروج منه قبل التفنن في صيغ الأدعية في ثياب لوَّثتها الكبائر، والدعوة إلى التفاؤل بفضل الله تعالى وأن الله غفور رحيم، لمن يجدِّفون للخروج من المستنقع، وليس للمصِرين على الحِنْث العظيم، وإذا دعاهم الله لِبيته العظيم، وإقامة الصلاة، قالوا ليس الدين صلاة! وكلامهم صحيح، لأنهم يتحدثون عن صلاتهم، لا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، التي كانت في وسط المعركة، فدع أصحاب المستنقع يتحدثون عن صلاتهم، ودعنا نتحدث عن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.

سابعا: الخروج من المستنقع أولا:

إن سكان المستنقع يبقون في حالة غرق شامل بينما أهل العمل مشغولون بالعمل والبناء في شأن الدين والدنيا مؤتمرين بما أمرهم ربهم، منتهِين عما نهاهم، همُّهم العمل بصمت بعيدين عن الرياء، في الوقت الذي ينشغل آخرون برفاهية الكلام، يقدمون نظرياتهم وقناعاتهم، ناسين أن يقارنوا بين أعمالهم وأقوالهم، حتى إذا حلَّت قارعة بالمسلمين أو قريبا من دارهم، أخرجوا رؤوسهم من المستنقع بالصراخ والدعاء، ولو استثمر الشيخ الفاضل الأزمة والكارثة في حشد الطاقات النفسية الهائلة للمسلمين في صناعة قفزة نوعية للخروج من المستنقع، لكانت هذه خطوة للإمام، ثم بعد ذلك يصبح الدعاء في محله لأننا نقدم أعمالنا بين يدي الله مع الدعاء، وهنا يأتي الجيل الذي بعدنا ليبني على خطوتنا الأولى ليضع الخطوة الثانية، وهكذا نصبح أمة العمل لا الجدل، لها نفسها الطويل في البناء جيلا بعد جيل.

ثامنا: هل نحن عاجزون:

إن التوبة من الكبائر هي من عبادة الترك، يعني أن الناس مكلفون بكف أيديهم عن الحرام، وهذا الأمر في طاقة كل إنسان، لأن المنهيات هي تروك، أما الأمر فهو على الاستطاعة، فالكف عن الربا والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، والكف عن العقوق، والأمراض الاجتماعية التي تعمل على تفكيك المجتمع، كلها كبائر بابها الكف عنها، في طاقة كل مسلم ومسلمة، وتصور مجتمعنا خلا من هذه الكبائر فإنك سترى أمة واحدة فعلا، وليست شيَعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، أما رأس الأوامر البدنية الصلاة، والمالية الزكاة، ورأس المنهيات البدنية القتل والعدوان على الجسد المعصوم، ورأس المنهيات المالية الربا، جاء في صحيح البخاريعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا [ص:95] أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

مقالات ذات علاقة:

1-يرجى استخدم طريق العمل إلا للفئات الممنوعة من المرور

2-أرجو من التالية أوصافهم عدم الدعاء لِحَلب حتى إشعار آخر … الصمت لا يفيد والكلام لا ينفع

 

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

الجمعة المباركة

27-7-2017

عمان الرباط

شارك بتعليق