هل يندب التكبير من أول أيام ذي الحجة ؟!… تقديم ما عليه العمل على القول

أولا: عرض لرأي التكبير من أول ذي الحجة:

تعرض بعض الآراء الدينية لمسائل الفقه من خلال النظر في نص جزئي دون الالتفات على المدرسة الفقهية السنية في مذاهبها الفقهية المقررة  والمعتمدة، وحِرْص هذه المدارس السنية على نقل تطبيقات السلف العملية للدين، وحسب هذه الآراء أن تجد رواية ونقولا ضعفتها المؤسسة الاجتهادية الفقهية، ثم محاولة بعث الحياة فيها مع أن جماهير السلف قد هجروا العمل بها، وعليه، فإن محل البحث هو: اختصاص التكبير بالندب دون غيره من الأذكار ابتداء من الأول من ذي الحجة، وهذه مناقشة لإبراز طرق الترجيح بين القول والعمل، ولا يقلل من أهمية القول ببدء التكبير من ذي الحجة .

ثانيا: الرواية التي بني عليها اختصاص التكبير بالندب ابتداء من ذي الحجة:

جاء في صحيح البخاري  في باب فضل العمل في أيام التشريق وقال ابن عباس: ” واذكروا الله في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق ” وكان ابن عمر، وأبو هريرة: «يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما» وكبر محمد بن علي خلف النافلة.

ثالثا: تقييم الرواية من حيث السند:

1-الرواية معلقة لا مسندة:

وقد جاءت هذه الرواية معلَّقة في الصحيح، وعند ذكر هذه الرواية لا بد من بيان أنها معلقة غير مسندة (غير موصولة)، وما روي معلَّقا في الصحيح لا يأخذ حكم المسند، ولا بد من النصح للمسلمين الذي يثقون بالصحيحين، ولا يفرقون بين المعلَّق والمسند، لأن الروايات المعلقة لا ينطبق عليها شرط البخاري في صححية، لأنه سمى كتابه الجامع الصحيح المسند، وليس المعلق كالمسند، فربما يقطع العامي بصحة الرواية لمجرد سماعه بصحيح البخاري، فيتوهم أن الرواية لها قوة الحديث الصحيح المسند، وعلى فرض وصلها فإنها لا ترقى إلى رتبة ما في الصحيح.

2-الرواية باقية على الانقطاع ولم يصلها ابن حجر:

ومن المعروف أن الإمام ابن حجر العسقلاني وصَلَ معلقات صحيح البخاري في تغليق التعليق، ولكنه يصرح في فتح الباري بأنه لم يجد هذا الحديث موصولا، فقال في فتح الباري (2/ 458): وكان بن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر إلخ لم أره موصولا عنهما وقد ذكره البيهقي أيضا معلقا عنهما وكذا البغويوقد ذكره البيهقي أيضًا معلقًا عنهما، وكذا البغوي وابن عمر مرّ في أول كتاب “الإِيمان” قبل ذكر حديث منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه).

رابعا: الأدلة الشرعية ناطقة بخلاف الرواية المنقطعة عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما:

1- الكتاب:

قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله)، فالآية ناطقة بأن ذكر الله تعالى بعد قضاء المناسك ويكون ذلك في أيام الرمي بعد وقوف يوم عرفة،  وليس في من أول ذي الحجة، انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 348)

2-القياس:

الناس تبع لأهل منى في التكبير، ولا يكبر الحاج قبل منى،  وعمل الأمة على التكبير بعد ظهر يوم النحر لا قبله، فهي أول فريضة بعد رمي جمرة العقبة. انظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 348)

خامسا: عمل أهل المدينة على خلاف ما رواية عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما :

1-عمل أهل المدينة:

من المعروف أن مذهب مالك هو قضاء عمر وفتاوى ابن عمر وكان ابن عمر مفتي المدينة، وعمل أهل المدينة التكبير في أيام منى بعد قضاء النسك الأكبر وهو عرفة كما هو منطوق الآية الكريمة، (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله)، قول مالك في المدونة: الأمر عندنا أن التكبير خلف الصلوات بعد النحر أن الإمام والناس يكبرون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا، في دبر كل صلاة مكتوبة وأول ذلك دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذلك دبر صلاة الصبح في آخر أيام التشريق، وإنما يأتم الناس في ذلك بإمام الحج وبالناس بمنى، قال: وذلك على كل من صلى في جماعة أو وحده من الأحرار والعبيد والنساء، يكبرون في دبر كل صلاة مكتوبة مثل ما كبر الإمام) والمنقول عن ابن عمر  هو التكبير في يوم  العيد.

2-نصوص شراح صحيح البخاري على الرواية المنقطعة:

أ-قال ابن بطال في شرح صحيح البخارى (2/ 563): وأما خروج ابن عمر، وأبى هريرة إلى السوق وتكبير الناس بتكبيرهما، فقالت طائفة به، والفقهاء لا يرون ذلك، وإنما التكبير عندهم من وقف رمى الجمار؛ لأن الناس فيه تبع لأهل منى كما قال مالك. وأما تكبير محمد بن على خلف النافلة، فهو قول الشافعى، وسائر الفقهاء لا يرون التكبير إلا خلف الفريضة.

ب-جاء في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 114): قال أبو جعفر الحنفي: كان مشايخنا يرون التكبير في الأسواق في أيام العشر، والفقهاء لا يرون ذلك كما نقله عنهم ابن بطال، وإنما التكبير عندهم من وقت رمي الجمار؛ لأن الناس فيه تبع لأهل مني

ج-وجاء في الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (3/ 80): (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر) وفي بعضها: في الأيام العشر، على الوصف؛ أو البدل. هذا الذي رواه عنهما ليس عليه عمل الأمصار)

سادسا : كلام دقيق سند عمل أهل المدينة المتواتر :

جاء في ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (1/ 45):

قال ابن القاسم وابن وهب رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث، قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث وتبلغهم عن غيرهم فيقولون ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على غيره.

قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر ابن عمر بن حزم وكان قاضياً، وكان أخوه عبد الله كثير الحديث رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفاً للقضاء يعاتبه، ويقول له: ألم يأت في هذا حديث كذا؟ فيقول بلى.فيقول أخوه فما لك لا تقضي به؟ فيقول فأين الناس عنه، يعني ما أجمع عليه من العلماء بالمدينة، يريد أن العمل بها أقوى من الحديث، قال ابن المعذل سمعت إنساناً سأل ابن الماجشون لمَ رويتم الحديث ثم تركتموه؟ قال: ليعلم أنا على علم تركناه)، ولم أشأ التعليق على النص السابق مكتفيا بفهم القاريء.

الطريق إلى السنة إجباري

وكبته عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

عمان المحروسة

2-ذي الحجة-1439

13-8-2018

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top