لا يمكن الفصل بين كفاءة السوق ووجوب الصلاة… فهل تفهم طائفة اللادينيين ذلك؟

تمهيد:

1-يسعى الفكر اللاديني المستورد من التاريخ الغربي، إلى أن يجد له مكانا ولو ضيقا في ديار الإسلام، إلا أنه وجد دينا مختلفا هذه المرة، وجد في القرآن الإيمان والعلم قرينان لا ينفصلان، ومع ذلك ما زال رجال اللادين يبحثون عن فجوة في كتاب الله، ولكن في كل كرة يرجع إليهم البصر خاسئا وهو حسير.

 2-فما زال الإعجاز العلمي بالرغم من بعض المبالغة فيه أحيانا، يقرع رؤوسهم بالشواهد القاطعة، ولكنهم يعاندون حقائق العلم والواقع، كما فعل قساوسة الكنيسة من قبل في العصور الوسطى، وأصبح القرآن اليوم يقوم بدور العلم، بينما قساوسة الفكر اللاديني يحاربون العلم والحقائق إذا خالفت عقائدهم المستوردة من التاريخ، وليس الإعجاز العلمي وحده هو الذي يقرع رؤوسهم، بل إن الحياة الإسلامية قائمة على الجمع بين الإيمان والعلم، والحياة والروح، وفيما يأتي أبين العلاقة بين كفاءة السوق في الاقتصاد والصلاة.  

أولا: وجوب السعي إلى صلاة الجمعة:

إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فإنه يجب على الرجال البالغين الأصِحّاء أن يبادروا لحضور الجمعة، وذهب الإمام مالك إلى أن البيع يفسخ وقت الجمعة، إذا وقع في وقت وجوب السعي، وذهب الإمام مالك أيضا إلى أن البيع يمنع في السوق بين الذين لا تجب عليهم الجمعة كالمسافرين والنساء وغير المسلمين، وأن التبايع منهم لا يجوز في هذا الوقت، ولو كانوا ممن لا تجب عليهم صلاة الجمعة، فما السبب في منع البيع في السوق ولو كان ممن لا تجب عليهم الجمعة؟.

ثانيا: عدم كفاءة السوق وقت الجمعة:  

عمّم الإمام مالك قوله تعالى (وذروا البيع)، لجميع من وجبت عليه الجمعة ومن لم تجب، عملا بعموم الخطاب للمؤمنين، هذا من حيث النص، أما من حيث المعقول، فإن ذهاب من وجبت عليهم الجمعة من البائعين والمشترين، إلى المسجد وقت الجمعة، يعني خروج قوى عرض وطلب مهمة من السوق، مما يعني أن السوق لم يعد كفؤا بسبب ذلك، وهذا يعني أن السوق أصبحت لا تمثل قوى العرض والطلب بشكل عادل، ومن ثَم فإن توزيع الربح لن يكون عادلا، وفاز الذين لم تجب عليهم الجمعة بالربح، بخلاف من ذهبوا للجمعة أداء للواجب، وهذا ظلم في توزيع ربح السوق، في ظل غيبة من سعَوا لأداء فريضة الجمعة، وكان ذلك سببا في خسارة الربح.

ثالثا: النقل عن الإمام الدردير:

قال الإمام الدردير في الشرح الكبير: (( (و) كره (بيع) من لا تلزمه (كعبد) ومسافر مع مثله (بسوق وقتها) أي من حين جلوس الخطيب على المنبر إلى الفراغ من الصلاة لئلا يستبدوا بالربح دون الساعين لها لا بغير سوق ولا بغير وقتها))، وواضح أن هناك قوى عرض وطلب ممن لا تجب عليهم الجمعة سوف يستبدون بالأرباح، بسبب ذهاب من وجبت عليهم الجمعة إلى الصلاة، وهذا ليس عدلا بسبب عدم كفاءة السوق، بالإضافة إلى سد الذريعة، حتى لا تتعلق قلوب المصلين بالسوق، مما قد يؤدي إلى تفريطهم في الجمعة مستقبلا، وضعف اهتمامهم بالجمعة وخطتبتها.

رابعا: طائفة اللادينيين ووَهْم الفصل بين العبادة والسوق:

وما سبق يعني أن السوق جهاز اقتصادي لا ينفصل عن صلاتنا، وصلاتنا لا تنفصل عن سوقنا في ديننا، فكيف يمكن لطائفة اللادينيين أن تجبر المسلمين على الفصل بين سوقهم وصلاتهم، أم أن طائفة اللادينيين ستبقى تعاني من حالة الانفصال عن الواقع، وتريد أنت تبقى في ظلام التاريخ الذي نشأت فيه، وتفضل معاداة المسلمين في دينهم ودنياهم، أم ستفضل هذه الطائفة العيش في صراع الدين واللادين إبَّانَ العصور الوسطى، فأجسادهم بيننا بينما تعيش عقولهم في عصور الظلام في أوروبا، وردود الأفعال على الدين المحرف في تلك العصور، إلى متى ستبقى هذه الطائفة تستورد تاريخ الغرب، وخردوات الثقافة اليونانية، وتبيعها في سوق الوكالات على أنها حداثة.

خامسا: طائفة اللادينيين ووهم الفصل بين الإسلام والعلوم الطبيعية:

ستبقى طائفة اللادينيين تعيش حالة الوهم وانفصام الشخصية بين الواقع والتفكير، ففي الوقت التي يشهد فيه العلماء من شتى المعتقدات الدينية بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وبما لا يدع مجال للشك في ذلك، إلا أن اللادينيين يمارسون طقوس القساوسة في إنكار الإعجاز العلمي، وتوافق الشريعة مع الطبيعة، والعبادة مع السوق، مما يعني أن هذه الطائفة تسلك مع الإسلام سلوك الكنيسة مع علماء الطبيعة، فقساوسة الفكر اللاديني لا يختلفون عن بطارقة الكنيسة الذين حاربوا العلم، وهاهم سدنة تاريخ الغرب ينكرون الواقع الإسلامي شريعة وطبيعة، ويعيشون في أوهام الرد على الكنيسة في العصور الوسطى.

سادسا: الدين المحرّف لا يعيش في الواقع:

إن الفكر اللاديني يقوم على أساس الانفصال بين الشأن العام والدين، وهذا نتاج صراع تاريخي غربي بين رجال الدين ورجال اللادين، وتنافُسِ كلا الفريقين على الهيمنة على من يضل الناس عن صراط الإسلام، ونظرا لاصطدام الكنيسة بالطبيعة وخروجها من الواقع بسبب اعتقادات تبين خطؤها، وأنها من صناعة رجال الدين، وقد نفى الإسلام أن تكون تلك الدعاوى لها أساس من الصحة، وبين أنها من صنع الرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ففي هذه الظروف ظهر الفكر اللاديني ردةَ فعلٍ على العقيدة المحرَّفة، وزعم أن التدين حالة فردية، وعلى الإنسان أن يتخلى عن تدينه في الشأن العام، ردًّا على فلسفة الكنيسة التي تأمر الإنسان أن يخرج من الحقائق العلمية من أجل التدين.

الثنائي المأساوي رجال الدين ورجال اللادين:

1-أصبح الفكر اللاديني يصنع التناقضات في الحياة الإنسانية بين العلم والدين، والعقل والنص الديني، والرجل والمرأة، ورجل الأعمال والعامل، والولاء والمعارضة، والإنسان الطبيعة، هذه الحالة التي حولت الإنسان إلى كائن “بيولوجي” متصارع،  ساجد في معبد المنفعة والأرباح، وأنتجت فكرا استعماريا أوروبيا ارتكب الموبقات في حروبه الاستعمارية ضد الإنسانية.

 2-وكان أشد فتكا بالبشرية من رجال الدين أنفسهم، وهو متحالف أيضا مع الطوائف الباطنية الخرافية ضد الإسلام والمسلمين، لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقيم الحياة البشرية على التكامل بين العقل والنقل، والمرأة والرجل، والعامل وصاحب العمل، والإنسان والطبيعة، والحاكم والمحكوم، ويقضي على ثنائيات القطيعة التي تصنعها الأديان الوضعية والمحرفة بالاشتراك بين الثنائي المأساوي رجال الدين ورجال اللادين.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

6-7-2017

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top