كُفُّوا عن الفقير ولا تظلموه مرتين… وقصة المَثَل: أَحَشَفا وسُوء كِيْلة

تمهيد بقصة المثل: أحَشَفًا وسُوء كِيْلة:

يحكى أن رجلا اشترى تمرا، وإذا بالبائع يضع له أردأ التمر، وبعد ذلك أنقص في الكيل، فقال المشتري: أحشفا وسوء كِيلة، بكسر الكاف وسكون الياء، وهو مثل في من يرتكب خصلتين مكروهتين، أو يظلم مرتين، ونحن في هذا الزمان، أصبح الفقير يظلم ظلما فوق ظلم، ولا أعني بمرتين هنا العدد، بل أعني به التكرار دون حد العدد، كقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (4) سورة الملك، فإن المقصود تكرار النظر بلا قيد العدد، بل المقصود هو كثرته دون حد، وكذلك الفقير يظلم اليوم ظلما مكررا، وأحببت أن أبين وجوه الظلم الكثيرة التي يُظلم بها.

أولا: رفع السعر على الفقراء بسبب الشراء فوق الحاجة:

عندما يشتري أحدنا سِلَعا فوق الحاجة، فهذا يعني أنه زاد حجم الطلب على السلعة، مما يعني زيادة في السعر على الفقير، وهذا ظلم اجتماعي يقوم به عامة الشعب ضد الفقراء، بسبب رفع السعر على الفقراء، نظرا للطلب الزائد من غير حاجة، وهو الإسراف المحرَّم.

ثانيا: إلقاء الطعام فوق الحاجة في القمامة:

كان من الممكن تدارك الإسراف المحرم، بعدم استهلاك الطعام الزائد للحاجة بعد اكتشاف أنه زائد على الحاجة، وذلك بإعادة تدوير الطعام إلى الفقراء، بدلا من إلقائه في القمامة، وهذا يعني أن هناك تماديا في المعصية وإصرارا عليها مما يعني أننا أمام كبيرة تتعاظم شيئا فشيئا، ابتدأت بالإسراف الذي انتهى بالإتلاف في القمامة.

رابعا: هدْر الموارد ظلم عام لجميع المجتمع:

لا يقتصر الظلم بالإسراف والإتلاف على الفقير فحسب، بل يتعدى ذلك إلى ظلم المجتمع كله، لأنه هدر لموارد المجتمع، واستنزاف لخيراته، مما يعني شحا في المستقبل في تلك الموارد، بسبب الإتلاف والإسراف، وهذا يؤدي إلى الحاجة للاستيراد، وهو ضغط على دخول المجتمع، وسبب لهجرة رؤوس الأموال للخارج، وهذا كله يؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة على مستوى المجتمع كله أغنياء وفقراء، ولكن الخطوة الأولى لإفقار المجتمع ورفع الكلفة على الأغنياء والفقراء، هو ظلم الأغنياء للفقراء، فجازى الله الأغنياء بالغلاء الذي تسببوا به للفقراء، وهذه سنة الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) سورة النساء، وهنا كان الجزاء من جنس العمل.

خامسا: منع الزكاة:

من المعلوم أن الفقراء هم شركاء للأغنياء في أموالهم بالنِّسَب التي نص عليها الشارع، وإن على الأغنياء أن يقطعوا الشيوع، ويعزلوا أموال شركائهم الفقراء، حتى لا يَلْقَوا ربهم غاصبين لحقوق الآخرين، وينبغي استصدار قوانين ملزمة بتمييز أموال الفقراء من أموال الأغنياء، لرد الأموال المغصوبة إلى أصحابها، لتحقيق منافع الزكاة الاقتصادية والاجتماعية، لنكفل استقرار مجتمعاتنا الإسلامية، وقطع دابر الجريمة في جانبي الغلو والتحلل، لأن الزكاة تنزع فتيل الصراع بين فئات المجتمع، وتعمل على بنائه واستقراره.

سادسا: قصة لطيفة مع فقيه حنفي:

كان أحد فقهاء ساداتنا الحنفية في هذا الزمن، لا يشترى الخضار والفواكه إلا من النوع الممتاز، حتى لا ينافس الفقراء في سلعتهم، ولايرفع عليهم السعر بسبب زيادة الطلب، واستمر على هذا الحال إلى أن لقيه أحد دهاة التوفير وخبراء التدبير، فسأل هذا الداهية الشيخ عن دخله وراتبه، وأقنع فقيهنا بأنه فقير مستحق للصدقة وأن اعتقاده بأنه من الأغنياء ليس صحيحا حسب ما نصت عليه الخبرة الاقتصادية، ومع ذلك فإن شيخنا الحنفي يعطينا دروسا في الرقي والحضارة، ما يندر حصوله في هذا الزمان، وهو شعور الفقير بأنه غني، ولا ينسى إخوانه الفقراء، فيدفع مالا زائدا رأفة بإخوانه الفقراء، ويكفيه فخرا أن إخوانه الفقراء حاضرون في نفسه، بينما غابت نفسه، إيثارا لإخوانه الفقراء، وهو مثال رفيع من حياتنا المعاصرة، جدير بأن يحيى فينا جميعا.

سابعا: إحياء البيع المندوب لخدمة الفقراء:

مع أن البيع في الأصل مباح، لكن الفقهاء نصُّوا على أن البيع يندب أن يكون بأقل من ثمن المثل، وهذا أمر يفيد الفقراء والمساكين، وهو في ظاهره بيع وفي باطنه صدقة، وهذا من الصدقة الخفية، فأين تجارنا المسلمون، من البيع المندوب الذي يدخرون به الخير لأنفسهم يوم الدين، وأن البيع المندوب خير للتاجر في الآخرة منه للفقير في الدينا، يعني أن المستفيد الأكبر من البيع المندوب هو البائع أولا وليس المشتري الفقير.

ثامنا: من يلقي الطعام في القمامة يقترف هذه الجنايات مجتمعة:

كل من يلقي في القمامة طعاما صالحا للاستهلاك فقد اقترف الجنايات الآتية مجتمعة:

1-استنزاف موارد الأمة.

2-تعمد رفع الأسعار على الفقراء.

3-أتلف طعاما له قيمة مالية، ويدخل في النهي عن إتلاف الأموال.

4-تشويه قوى العرض والطلب في السوق، بإحداث طلب مشوه على السلعة، نتج عنه رفع السعر من غير موجب اقتصادي حقيقي.

5-مشابهة الرأسمالية المتوحشة في ظلم المجتمع.

6-الدخول في استهلاك مظهري مزيف، وهذا ينافي قواعد الاستهلاك في الشريعة  الإسلامية.

7-استنزاف موارد الأمة يؤدي إلى حاجة الأمة للاستيراد وهذا يضعفها اقتصاديا، ويدخلها في العجز في الميزان التجاري.

8-إن استنزاف الموارد فيه ظلم للأجيال القادمة، فجنايات المسرفين لا تقتصر على جيل بعينه، بل معاصيهم ممتدة، وسيحملون وزر ظلم الأجيال القادمة أيضا.

9-مضاعفة نفقات معالجة القمامة وزيادة العبء على الجهات المختصة بالصحة العامة، وهذا يحوِّل جزءا من الأموال العامة لمعالجة جنايات المسرفين على المجتمع.

10-على المسرفين أن يعلموا أنهم متضررون اقتصاديا بسبب إسرافهم، لأنهم يشترون ما لا يحتاجون، وعليهم أن يتذكروا أن وقوعهم في الأزمات المالية هو بسبب ظلمهم للفقراء، وهو قصاص إلهي معجل في الدنيا.

تاسعا: التوصيات:

1-عدم شراء ما زاد على الحاجة.

2-سن قوانين تنظم تغليف الطعام الزائد في المطاعم والفنادق، والتعاون مع الجمعيات الخيرية في هذا الشأن.

3-توفير فرص عمل خيري للشباب لتشجيعهم على العمل الخيري المثمر، في العناية بإخوانهم الفقراء.

4-محاربة ثقافة الديمقراطية الرأسمالية، التي لا تلتزم بقواعد الاستهلاك والإنتاج في الإسلام.

5-إحياء التدين المعرفي في الشأن العام للمجتمع، من أجل بناء مجتمع عادل ومستقر.

6-ملاحظة المعاني القيمة في الفقه الإسلامي وليس الفقيه الحنفي الذي ذكرت قصته إلا مثال من أمثلة كثيرة على حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على بناء المجتمع وإصلاحه.

7-إحياء دليل المستهلك المسلم الرشيد، وتعميمه بصفته ثقافة عامة في المجتمع.

8-كل ما ذكر في الطعام ينطلق على جميع السلع كالسلع والأدوات المنزلية وغيرها.

مقالة ذات علاقة: التدين في الفضاء العام: العجز في الميزان التجاري تلك المعصية المنسية

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

21-4-2017

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top