قاعدة الفرق بين الفتح الإسلامي المبين والاحتلال العسكري الـمُشِين

يتساءل المسلم اليوم ما الفرق بين الفتح الإسلامي والغزو الاستعماري فكلاهما فيه الحرب والسيطرة على أرض الغير، إذن  فما الفرق؟

أولا: العزو الاستعماري يفسد بالأخلاق:

1-إن الغزو الاستعماري ينطلق من فلسفة المنفعة المقدسة في دين الدَّهرية (العلمانية)، وأن  الموارد موزعة توزيعا عشوائيا وأن من يملك قوة السلاح والتقنية أحق بها لعدم العدالة في التوزيع، فحيثما كانت المنفعة المقدسة فثم وجه الاستعمار، فهو طور متقدم للغزو القبلي القديم على الكلأ والنار، ولكن أصبح اليوم على النفط والذهب والدينار، فالغزو الاستعماري طور متقدم للغزو في القبائل البدائية، وتغير في الشكل لا في المضمون.

2- وإن من العبث خوض الحرب من غير هذه المنفعة المقدسة في فلسفة الدَّهرية (العلمانية)، حيث تُقوَّم الحروب بالمكاسب الدنيوية بصرف النظر عن التكلفة الأخلاقية فالأخلاق لا تخضع للقياس المادي بحسب نظر الدهرية (العلمانية)، والحرب هي الحرب، ما دام نحاس الرصاص أرخص من دم الإنسان، فإن ارتفع سعر الرصاص على ثمن الدم فعندئذ ترفع راية الأخلاق وحقوق الإنسان لارتفاع سعر الدم، لأنه أصبح بكميات تجارية مربحة، وتصبح الأخلاق عندئذ ذات جدوى اقتصادية، وتفيد في الضغط على الضعفاء وتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية واقتصادية.

ثانيا: الفتح الإسلامي أخلاقي بامتياز:

1-مما سبق نعلم أن الدنيوية هي المحرك للغزو الاستعماري، أما الفتح الإسلامي فيفسد إذا دخلته الدنيا، ويصبح وبالا على صاحبه يعني أن على المسلم أن يتحرر من الدنيويات الزائلة، وأن يهب نفسه لله تعالى على أمر غيبي بعد الموت، وأن ثبات الأخلاق هو أساس المعركة.

2- لذلك كان الصحابة الفاتحون يرون أن الدنيا أقل من أن تكون محلا للثواب، فأرواحهم أغلى عليهم من اللعاعة التي يسعى إليها الاستعمار الدموي، فكانوا أحرارا حقا، لأن رجاء ما عند الله وليس النهب المسلح هو المحرك في جهاد الفاتحين، ومنطلق الفاتحين أن جميع الأرض واحدة هي لمن خلقها، وهم في الدنيا مضحون لا متكسبون، والسيادة للمؤمن الذي يلتزم بالشرع، وأن جميع الأعراق والأقوام واحدة في نفسها لأب وأم واحدة، وهنا تم تنحية العنصرية والقومية التي فرقت بين الخلق، وقامت عليها الحروب القومية التي أهلكت الحرث والنسل، وكان الغزو الاستعماري هو الوجه القبيح للاستعلاء القومي.

ثالثا: الغزو الاستعماري والاستصال الثقافي:

1-يحرص الغزاة على محو فكر وتاريخ الشعوب الضعيفة، حتى تتم عمليات النهب والسلب في ظل الجهل والتبعية الثقافية، ويستعمل الغزاة دعاية التعمير والتطوير والاعتراف  بالآخر الذي هو المستعمر فقط، وتستعمل هذه الدعاية على شكل مهدئات ومسكنات للضحايا، لمنع الشعوب من حقوقها الشرعية، ويصطنع الغزاة ظلامات وهمية كظلامة العمال والمرأة والطفل  ليقوم بدور المنقذ والمصلح، ولدمج الشعوب المستضعفة في ثقافته، وعلى فرض اندماجها فإنه يعتبرها نخبا ثانيا وثالثا.

2-أما الفتح الإسلامي فلا يكره على تغيير ثقافة الشعوب التي تغلب على أرضها، فهو يأذن لهم بالقيام بطقوسهم الدينية كما يشاؤون ولا يعنى بالتغيير السكاني في المدن، ولا باختراع علم إنسان ليسهل له السيطرة على الضعفاء بواسطة الاحتيال والنصب الثقافي، فالإسلام  لا يبحث عن منافقين ولا عن عملاء ثقافيين، ولا عن كتائب التجسس الثقافي، ويعنيه الوضوح التام والتعامل على أساس القسط والعدل حسب الحق النازل من السماء، وأساس ذلك الرقابة الأخروية، وليس المنفعة الدنيوية، مع تحميل المسؤولية لكل أصحاب الأديان عن ديانتهم، وأن البلاغ الشرعي قد حصل لهم.

رابعا: الفقه هو إدراك الفرق:

هناك الكثير من المتشابه ولكن هناك فارق جوهري مختلف، فكما أن للأنسان عينين وقلبا وأذنا وأمعاء، فهذا لا يعني أنه بهيمة لأن البهائم تشترك مع الإنسان في ذلك، فلا تعني كثرة المتشابهات شيئا مع وجود الفارق الجوهري، وهو أن الفارق بين الإنسان والبهائم هو الفكر والروح العالمة، وأن كل تلك المتشابهات الكثيرة في الأعضاء لا يمكنها أن تساوي بين الإنسان والبهائم، لذلك فإن إدراك الفارق المؤثر بين الفتح الإسلامي والغزو الاستعماري هو أخلاقية الفتح الإسلامي، ولا يعني تشابه الرماح والخيول والسيوف والأرض والمعركة شيئا إلى جانب الفارق الأخلاقي المؤثر.

وكبته عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

الطريق إلى السنة أجباري

22-رمضان-1440

26-5-2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top