حوار مع أخي (27) هل يسقط وجوب صدقة الفطر بعد صلاة العيد أم أنها واجبة حتى الموت

وليد: أخي خالد، ما حكم إخراج صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟

خالد: لا يجوز، لأنها تسقط بعد الصلاة لما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» سنن ابن ماجه  والبيهقي وأبي داود.

وليد: إذن، معنى صدقة من الصدقات، أنها ليست صدقة فطر، وأن صدقة الفطر سقطت لخروج وقتها، حسبما فهمتَ من الحديث.

خالد: نعم هذا صحيح، والحديث صريح: ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، وإذا صح الحديث فهو مذهبي.

وليد: هل جمعت الأحاديث الأخرى المتعلقة بالباب؟

خالد: هذا هو الحديث الذي يتعلق بالباب، أما ما  يمكن أن يحتج به من رواية ابن عمر رضي الله عنه، قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر , وقال: «أغنوهم في هذا اليوم» فهو حديث ضعيف ولا يصح.

وليد: أقصد هناك حديث آخر، وهذا الحديث الضعيف سنرجع إليه فيما بعد.

خالد: هو هذا الحديث فقط، ولا أظن أن حديثا غيره متعلق بالموضوع، ولم الرجوع إلى حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به، ومع الأسف كتب الفقه مشحونة بهذا النوع من الأحاديث الضعيفة، ويجب تنقية التراث الفقهي منها، فلا نأخذ ديننا من حديث ضعيف!

وليد: حسنا، هناك حديث آخر ثابت في الصحيحين واللفظ للبخاري، وهو عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».

خالد: لا أرى في الحديث ما يدل على وجوب صدقة الفطر بعد صلاة العيد.

وليد: ماذا تعني كلمة زكاة الفطر في الحديث؟

خالد: الزكاة المتعلقة بالفطر.

وليد: ما اليوم الذي يكون في الفطر؟

خالد: هو يوم العيد من الفجر إلى غروب الشمس.

وليد: وعليه فإن الزكاة هذه مرتبطة بالفطر وهو يوم العيد، الذي هو يوم فطر المسلمين من صيامهم، وجاز إخراجه قبله رفقا بالفقراء، ولكن الأصل أنه في يوم الفطر الممتد من طلوع الصبح إلى الغروب.

خالد: ولكن هذا غريب، ومخالف للحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، وأرجو مزيدا من التوضيح.

وليد: إذا علق الشارع حكما بوصف فإن هذا الوصف يكون علة لذلك الحكم، كقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) المائدة، ولو قلتُ أكرم المجتهد، فإننا نعلم أن الاجتهاد هو علة الحكم، فيكون الحكم مذكورا مع علته التي بينها الشارع، ولا يجوز العدول عن الحكم، ولو لم تكن له علة ظاهرة، فكيف والحديث ذكر الحكم معلقا بوصف الفطر، والفطر في يوم الفطر كله من الفجر إلى الغروب.

خالد: وماذا تقول في قوله عليه السلام: ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.

وليد: أليس من الواجب الجمع بين الأدلة والعمل بكل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خالد: بلى.

وليد: يمكن الجمع بين الحديثين بالقول: إن إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة مندوب، لأن الإخراج بعد الصلاة تكون المنفعة نقصت في بعض اليوم، فهي من هذه جهة نقص الانتفاع في بعض اليوم، أصبحت تشبه الصدقات الأخرى، بسبب ذلك التأخير عن وقتها المندوب إليه.

خالد: ولكن أليس في ذلك شيء من البعد.

وليد: لا، لأن العمل بجميع الأدلة يكون بأدنى سبب للجمع، ولو لم نفسر هذا التفسير لأسقطنا العمل بحديث الصحيحين السابق، وهو أصح سندا لأنه في الصحيحين، وأقوى مدلولا لأنه ذكر الحكم مع العلة وهي علة الفطر، فهو أقوى سندا ومدلولا، ونحن فسرنا الحديث الأقل رتبة في السند، والدلالة بما يتفق مع الحديث الأقوى وعملنا بكلا الحديثين، وأطعنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في كليهما.

خالد: هذا يعني أن من قال بإسقاطها بعد صلاة العيد وعدم إخراجها قد ردَّ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين.

وليد: صدقت، وهناك دليل آخر من الأصول.

خالد: أخبرني.

وليد: هل صدقة الفطر واجبة، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟

خالد: نعم.

وليد: إذن الأصل الوجوب، وهو يقين باتفاق، فمن الذي يجوز له أن يسقط عبادة أوجبها الشارع.

خالد: لا، أحد، ولا نعرف عبادة  أوجبها الله تعالى يمكن أن يسقطها الإنسان.

وليد: هل تعلم أن المدرسة الفقهية السنية بمذاهبها الأربعة توجب الإخراج لصدقة الفطر ولو بعد صلاة العيد، ولو بعد سنين طويلة.

خالد: ولكن أنا سمعت من يقول إنها تسقط.

وليد: لا أحد في الدنيا يسقط أمرا أوجبه الشارع، بسبب ما لديه من شبهة دليل وليس دليلا،  لأنه لم يجمع بين أدلة الشريعة، فقد أخذ بمتشابه قول النبي صلى الله عليه وسلم (ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) وهدم المحكم الحديث المحكم في الصحيحين سندا ومدلولا، وهدم زكاة الفطر بعد العيد بالمتشابه، مع أن الأصل أن ما أوجبه الشرع لا يجوز إسقاطه باتباع المتشابه وهجر المحكم.

خالد: يعني كنا قبل صلاة العيد في جدل محتدم بإخراج صدقة الفطر نقدا أم عينا، وبعد صلاة العيد هدمنا الواجب الشرعي نقدا وعينا.

وليد: إن الجدل لا يأتي بخير، ولو أننا تخيرنا ما جاءنا عن سلفنا الصالح بجواز الإخراج عينا أو نقد بهدوء وصمت، لكان في ذلك خير لنا، ولو رجعنا إلى مدرستنا الفقهية السنية العريقة في مذاهبها الأربعة، لوما وقعنا في هدم زكاة الفطر بعد صلاة العيد، ولوجدناهم أن ينصون على وجوب إخراجها مع كراهة التأخير بعد الصلاة، وأنها تبقى في الذمة إلى الموت.

خالد: هذا يعني أن من لم يخرج زكاة الفطر في السنوات السابقة لأنه فات وقتها بسبب الخروج من صلاة العيد فإنه يجب عليه قضاؤها، وبقيت في ذمته.

وليد: نعم لأن القول بعدم إخراجها بعد الصلاة لمن لم يخرجها قبل الصلاة، مصادم للسنة في حديث الصحيحين بآراء الناس، الذين قصروا عن رتبة الاجتهاد، فقد اتفقت المذاهب الأربعة أن ما أوجبه الله لا يسقط بآراء الناس، بل يجب القضاء.

خالد: ولكن الحديث الذي في الصحيحين يصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجها قبل الصلاة، والأصل في المر الوجوب فلم قلت بالندب قبل صلاة العيد خلافا للأصل.

وليد: نعم الأصل في الأمر الوجوب ولكن القرينة الصارفة هي نفس النص في الحديث وهي “الفطر” وهي في كل اليوم، فصرفنا الأمر من الوجوب للندب، بالإضافة إلى أن العلة هي كفاية اليوم، فالنص “زكاة الفطر” والعلة في الإغناء هذا اليوم.

خالد: وضح لي الأصلان القويان اللذان جعلا المدرسة السنية في مذاهبها الأربعة متفقة على بقاء الوجوب للإخراج ولو بعد صلاة العيد.

وليد: بقي أمر آخر، وهو الحديث الضعيف : وقال: «أغنوهم في هذا اليوم»، وهو مصرح باليوم ويشمل اليوم حتى الغروب، لأن اليوم هو النهار، فنقول يوم وليلة، أي النهار والليل.

خالد: ولكنه ضعيف

وليد: أليس هذا الضعيف مندرجا تحت أصل ثابت، وهو حديث الصحيحين، وأن العبادة الواجبة لا يسقط الناس أداءها، بل يجب قضاؤها.

خالد: نعم مندرج تحت الأصل.

وليد: هل علمت أخي خالد لماذا توجد أحاديث ضعيفة في مصادرنا الفقهية السنية في المذاهب الأربعة؟ وأنها يستدل بها على السبيل التبع لا الأصل، هل علمت كيف يعمل فقهاء أهل السنة والجماعة بالضعيف.

خالد: واضح، ولكن ما معنى قول الإمام الشافعي:  إن صح الحديث فهو مذهبي.

وليد: إن معنى كلام الإمام الشافعي أن الحديث صالح للاحتجاج، وأن السنة الصحيحة حجة، وليس معنى ذلك أن يفتى من الحديث دون النظر في مجموع الأدلة، بل نحن متعبدون بكل ما جاءنا عن ربنا ونبينا، كنا فعلنا في هذا الحوار، أما الحالة الانشطارية بأخذ نص هنا وهجر آخر هناك، فهو ضرب للكتاب بالسنة، والسنة بالسنة، وعلينا أن نتعامل من جميع النصوص الشرعية كتابا وسنة على أنها كلَّها كلمة واحدة، لا تتنافر حروفها، كما فعل سلفنا الأول، وهذا الحوار بيننا هو نموذج للفهم العميق لسلفنا الصالح في نصوص الشريعة.

خالد: أين أدرس مبحث تعليق الحكم الشرعي على وصف يكون علة للحكم، كما ذكرتَه لي في هذا الحوار:

وليد: هاك! جاء في نظم مراقي السعود:

 142-إن يُقرن الوصف بحكم إن يكن …  لغير عِلة يَعِبْهُ من فطن

فهذا يعني أن وصف الفطر في زكاة الفطر مقصود للشارع، ولو لم يكن علة لكان في كلام الشرع كلام حشو لا فائدة منه، ويصبح عيبا في الكلام.

وعند قوله أيضا:

685-والثالث الايما اقترانُ الوصف … بالحكم ملفوظين دون خُلف

686-وذلك الوصف أو النظير …  قرانه لغيرها يضير

وسندرس ذلك إن شاء الله تعالى في درسنا الأصولي في مسالك العلة.

خالد: نسأل الله تعالى أن يفهمنا وأن يعلمنا.

وليد: آمين

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

29-رمضان-1439

13-6-2018

عمان المحروسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top