حوار مع أخي (26) هل تشرب إذا أذن الصبح وكأس الماء في يدك أهمية الصناعة الأصولية في رد المتشابه إلى الـمُحكم

أحمد: من البدع في رمضان ما يسمى بالإمساك، وهو ترك الأكل قبل أذان الصبح، فكيف يخالف الناس السنة والرسول صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة في سنن أبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمع أحدكم النداء والإناءُ على يده، فلا يضعْه حتى يقضيَ حاجته منه».

وليد: هل النداء في الحديث الشريف محتمل لنداء الصبح وهو الأذان الثاني الذي هو أول النهار ، والأذان الأول الذي هو في الليل قبل طلوع الصبح؟

أحمد: نعم لفظ “النداء” محتمل للأذان الأول والأذان الثاني، وإن حملنا على الفجر، فهناك فجران: فجر كاذب يكون في الليل، ثم الفجر الصادق هو الذي يدخل به وقت صلاة الصبح، بل يمكن أن يحتمل أيضا أذان المغرب، أي إذا أذن المغرب فلا تنتظر انتهاء الأذان ثم تأكل وتشرب، بل اشرب عند أول الأذان وعجل الإفطار.

وليد: إذن، الحديث متشابه وحـمَّال أوجه، فكيف نعمل بالمتشابه المحتمل لمعان عدة.

أحمد: نرده إلى المحكم، والمحكم يفسر المتشابه، لأن المحكم في دلالته هو الذي لا يحتمل معنى آخر.

وليد: هل ردَدْتَ أخي أحمد الحديث المتشابه إلى المحكم؟

أحمد: بل أحمل النداء على المعنيين، فيجوز الأكل مع الأذان الأول، ومع الأذان الثاني أيضا، والحديث لم يخصص نداء دون آخر.

وليد: حسنا، أليس من الواجب أن تجمع الأدلة جميعها، وتعمل بها جميعا، ولا يجوز العمل بنص دون آخر، وأن نصوص الشريعة يَعضِد بعضُها بعضا؟

أحمد: نعم، صحيح، وأنا آخذ بالنص، والنص صحيح وواضح.

وليد: ماذا تقول في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (187) سورة البقرة، ما حكم الأكل والشرب بعد طلوع الصبح بناء على الآية الكريمة.

أحمد: يحرم الأكل في النهار مطلقا، بناء على الآية الكريمة.

وليد: هذا يعني أنه إذا أذن الأذان الثاني فيحرم الطعام والشراب لأنه قد تبين بياض الصبح، وهذا يعني أن الآية غير محتملة للأذان الأول، بل هي نص في الأذان الثاني، ودلالتها محكمة، بينما الحديث محتمل للأذان الأول والثاني وأذان المغرب، ولا بد من رد الحديث المتشابه المحتمل لآية الكريمة المحكمة في سندها ودلالتها.

أحمد: حسنا، كيف  تَردُّ المتشابه (المحتمِل) إلى المحكم (غير المحتمل).

وليد: نقول إن حديث أبي هريرة محتمل للأذان الأول والثاني: أما الآية فغير محتملة، فهي تنهى عن الأكل والشرب بعد طلوع الصبح، وكذلك حديث ابن عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري، فإنه ينهى عن الأكل عند الأذان الثاني، فعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، فالآية الكريمة والحديث الشريف ينهيان عن الأكل إذا طلع الصبح، والأذان الثاني مُعْلِم بطلوع الصبح كذلك، ولا أكل ولا شرب مع طلوع الصبح، وما تقوله يا أخ أحمد، يجيز الأكل في النهار بعد طلوع الصبح، لأنك تقول أن يأكل المسلم ويشرب بعد بَدْء الأذان.

أحمد: وماذا تفيد الآية وحديث ابن عمر في فهم حديث أبي هريرة؟

وليد: تعتبر الآية الكريمة (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) مع حديث ابن عمر رضي الله عنه الذي ينهى عن الأكل والشرب مخصِّصين لعموم النداء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لأنهما أخص من حديث أبي هريرة العام، فنعمل في  حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الأذان الأول فقط، فيجوز الأكل والشرب في الأذان الأول، ونعمل بحديث ابن عمر والآية الكريمة في الأذان الثاني، ونكون عملنا بجميع ما جاءنا من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أحمد: هذا يعني لو أنني أخذت بظاهر حديث أبي هريرة بالأكل مع الأذان الثاني، أكون قد هجرت الآية المحكمة وحديث ابن عمر رضي الله عنه، يعني تركت الكتاب والسنة، واتبعت المتشابه، وباتباع المتشابه بطل صيامي على المذاهب الأربعة.

وليد: ليس هذا فقط، بل تكون هدمت الإجماع القاطع على أن الآية نص في تحريم الأكل بعد طلوع الصبح، وعمل الأمة المتواتر على أن الأكل بعد طلوع الصبح مفطر ويجب القضاء، بسبب اتباع المتشابه وهجر المحكم، فالإجماع حجة قاطعة، وبالإضافة إلى هدمك القياس.

أحمد: وما دخل القياس هنا، وهذا أمر تعبدي.

وليد:القياس هنا معناه الأصول العامة، وهو أن الشيء يفوت بفوات ركنه، وركن الصيام ترك المفطرات في نهار رمضان، فمن أكل في النهار فقد أفطر، وعليه القضاء ولن ينفعه اتباع المتشابه من الأدلة، فما عندك هو شبهة دليل وليس دليلا، وزد على ذلك أنك خالفت قواعد الدلالة في النصوص وهي دلالة الاقتضاء التلويحي.

أحمد: ماذا تعني بالاقتضاء التلويحي؟

وليد: أي أن يدل النص باللزوم العقلي على حكم من الأحكام، مثل قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ  [المائدة: 6] فيجب أن تغسل جزءا من الرأس للتأكد من غسل جميع الوجه، وأن تغسل جزءا من العضد لتتأكد من غسل جميع اليدين إلى المرفقين، فكذلك يجب أن تترك الأكل والشرب في جزء من الليل لتتأكد أنك صمت كل النهار، وهذا يدل عليه النص باللزوم، وهو ما يسميه الأصوليون بالاقتضاء التلويحي.

أحمد: أليس في حديث أبي هريرة يُسر على الناس، ولا نشق عليهم ،فإذا كان الإناء في يد أحدهم أكل وشرب، والدين يسر.

وليد: التيسير حيث يسرت الشريعة، وحيث حدَّت الشريعة حدودا وقدرت مقادير، فلا يجوز الخروج على حدها، فلو خرجتَ عن حد الشرع فأجزتَ الأكل والشرب بعد طلوع الصبح، فما الحدُّ الذي ستقف عنده، بعد خروجك من حد الشرع، فكل له إناؤه وله طعامه وشرابه، وهذه أوصاف خفية لا تنضبط في مدتها، والشريعة لا تربط أحكامها بالأوصاف الخفية غير المنضبطة، وهذا الخروج على حد الشرع كان بسبب اتباع المتشابه، وهِجْران النصوص المحكمة في الكتاب والسنة، وهجران عمل الأمة الذي يمنع الأكل والشرب إذا طلع الصبح، وهجران الأصول والأقيسة بسبب تتبع المتشابه، مما أدى إلى هدم ركن من أركان الإسلام وهو الصوم بسبب الفتاوى الشاذة.

 الطريق إلى السنة إجباري

عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

24 رمضان 1439

8-6-2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top