حوار مع أخي (22) لماذا أوجب الإمام مالك القضاء على من أكل أو شرب ناسيا في صيام رمضان… وسِّع صدرك

طارق: من الغرائب أن الإمام مالك يجتهد في مورد النص، فكيف يوجب على من أكل أو شرب ناسيا في نهار رمضان، أن يقضي الصيام ورسول الله -صلى الله عليه سلم- يقول في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة: «إذا نسي فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»، فلعله لم يبلغه الدليل.

وليد: نعم، قد يغيب الحديث عن مالك، لكنه لا يغيب عن أهل المدينة جميعا في القرون المفضلة، وفيها الصحابة والتابعون لهم بإحسان متكاثرون مجتمعون، في مسألة  متكررة وكثيرة الحدوث، وهي الأكل والشرب ناسيا في رمضان.

طارق: نحن نتبع المعصوم، وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن نترك قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى غيره، فهنا خالف مالك حديث رسول -صلى الله عليه وسلم، ومالك يقول: كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر، وعليه، بناء على قول مالك هذا يكون مذهبه هو أن صوم من أكل أو شرب ناسيا فصومه صحيح ولا قضاء.

وليد: حسنا، أين ما يدل على أن الصوم صحيح في الحديث الشريف، ولا قضاء عليه؟

طارق: قوله صلى الله عليه وسلم (فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه).

وليد: وكذلك الإمام مالك يأمره أن يتم صومه، ولكن أين ما يدل على أنه لا قضاء عليه؟ فالحديث ساكت عن القضاء وصحة الصوم، وما أمر به هو إتمام الصوم، ومالك يقول بوجب إتمام الصوم، فالحديث لم يأمر بقضاء ولا عدم القضاء، ولم يبين الصحة من عدمها، ولا يلزم من وجوب إتمام الصوم أنه صحيح، فقد أمرت الشريعة من أفسد حجه وعمرته بجماع أن يتم العبادة ولو كانت فاسدة، فمن أين جئت بأن وجوب الإتمام يلزم منه الصحة للعبادة؟

طارق: ما فائدة أن يتم صومه؟ ويرهق نفسه في إتمام عبادة فسدت عليه؟

وليد: وهذا يمكن أن يقال أيضا في إتمام الحج الفاسد؟ فهذا تقديم للرأي على النص؟ فقد أمر الشرع بإتمام النسك الفاسد، فلماذا تعترض على الشرع المجمع عليه؟

طارق: هل يعني ذلك أنه لا فائدة من إتمام الصيام؟

وليد: بل هناك فائدة، وهي أن الصوم يحتسب له أجر كصيام نافلة لا فريضة، وهنا تتحقق فائدة للصائم، وهي أن مالكا صحح فِعل الآكل الناسي في نهار رمضان ما أمكن، حماية لأفعال العباد من الإبطال لقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33) سورة محمد.

طارق: نفترض أن القضاء والصحة مسكوت عنهما في الحديث، فبأي شيء أبطل الإمام مالك صحة الصيام في الفريضة لمن أكل أو شرب ناسيا، وصححه وقال بعدم القضاء في النافلة وهذا تناقض واضح، يصحح العبادة ويبطلها في الوقت نفسه مع أنها واحدة هي الصوم، ولا فرق بين أن يكون فرضا أو نفلا.

وليد: ما حكم العبادة إذا فات ركن من أركانها عند جميع العلماء.

طارق: باطلة باتفاق العلماء، لأن الشيء يفوت بفوات ركنه، سواء كان ناسيا أم لا.

وليد: حسنا، ما هي أركان الصيام؟

طارق: النية وترك المفطرات من الصبح إلى الليل؟

وليد: هل الذي أكل أو شرب ناسيا ترك ركنا أم لا؟

طارق: نعم ترك ركنا وهو الإمساك عن جميع المفطرات، وعليه بطل صومه لترك الركن.

وليد: وعليه إبطال الصوم مستند إلى الإجماع، بناء على أن هدم الركن هو هدم للعبادة كلها، فمستند مالك الإجماع، على بطلان الشيء بفوات ركنه، واجتهد الإمام في غير مورد النص، لأن حديث أبي هريرة السابق ليس ظاهرا ولا نصا في بطلان الصوم، وأن الإجماع ليس معارضا للنص، لأن الإجماع في البطلان والقضاء، وحديث أبي هريرة ساكت عن الصحة والبطلان والقضاء.

طارق: حسنا، فلِم لا تُجْري الإجماع على صيام النافلة،  كما أجريته على صيام الفريضة، وتُبطِل صيام النافلة كما أبطلت صيام الفريضة؟!

وليد: ذلك لأن صيام النافلة له شبه بصلاة النافلة، ولصوم الفريضة شبه بصلاة الفريضة، وقد عرفَت الشريعة التخـفُّـف في النوافل لا في الفرائض، فمن صلى جالسا في النافلة مع القدرة على القيام فصلاته صحيحة باتفاق، وليس كذلك الفريضة، فمن صلى الفريضة جالسا مع القدرة على القيام فصلاته باطلة باتفاق، وهنا الإمام أعمل القياس على الإجماع في فريضة الصوم، وأعمل نص حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق، في إتمام الصيام في النافلة وتصحيحه، ويظهر أن الإمام هنا أعمل القياس مع نص حديث أبي هريرة، والإجماع معا، وكذلك ما ورد من بعض الآثار المتكلم فيها في أنه لا قضاء على الناسي، فهنا يكون مالك أعمل الحديث في محله، ومن أعمل الأثر في محله لا يعد رادًّا له.

طارق: ولكن لا يجوز القياس في العبادات.

وليد: هذا ليس صحيحا على إطلاقه، فقد قاس النبي -صلى الله عليه وسلم- في العبادات، فعندما سأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- النبي صلى الله عليه وسلم وقال: صنعت اليوم أمرا عظيما، قــبَّلتُ  وأنا صائم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” أرأيت لو تمضمضتَ بماء وأنت صائم؟ ” قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ” ففيم؟، فقد أجرى النبي صلى الله عليه وسلم القياس بين الصوم والوضوء.

طارق: عجبا من قدرة الإمام مالك على التصرف في الأدلة، فقد أعمَل نص أبي هريرة-رضي الله عنه- في صيام النافلة والفريضة، وأعمل القياس في صيام النافلة والفريضة، وأعمل الإجماع في صيام النافلة والفريضة، وجمع بين الأدلة كلها في مسألة واحدة.

طارق: ولكن هناك نص صريح أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة وهو في السنن وصححه بعض العلماء.

وليد: قال ابن يونس في  الجامع لمسائل المدونة  بعد عرض أدلة المالكية على وجوب قضاء الناسي: (فإذا ثبت هذا فما رووه من الحديث غير ثابت عندنا ) فالحديث عندنا ليس ثابتا.

طارق: ولكن نحن تعودنا أننا في مذهب مالك لا نهمل أدلة الغير ونفترض صحتها، فاذا يمكن أن نجيب عن متن الحديث عند من يظن صحة هذا الحديث.

وليد: نعم هذا صحيح إذ من الواجب تعليم الطالب أصول النظر والاستدلال وأننا لا نهمل السنة، وعلى فرض صحة الحديث فإنني أضع جملة من الأصول الضرورية للنظر في هذا الحديث، وهي:

1-عموم قوله تعالى : وكلوا واشربوا حتى يبتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وهذا يعني في ظاهره ركن الصوم وهو الامتناع، والحديث وإذا أردنا أن نخصص الآية بالحديث فإن التخصيص فرع التعارض.

2-والقياس والأصول العامة تقتضي بطلان الصوم لاختلال الركن.

3-إن الصحة والبطلان من الأحكام الوضعية التي لا يؤثر فيها النسيان والغلط.

4- جاء في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قالت: «أفطرنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس» قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: «لا بد من قضاء»، وهنا يؤكد صحة القياس المستند إلى مجموع النصوص، وأصل بطلان العبادة ببطلان ركنها.

5-إن مَن خرق القياس وقال بعدم القضاء  للصوم مع فوات الركن في الفريضة، لم يلتزم بقياسه فقال بوجوب القضاء على من جامع ناسيا، فمرة قال بقضاء الناسي ومرة بعدم القضاء.

6-بناء على ما سبق يتضح أن مسلك الترجيح بين مجموع النصوص السابقة في الكتاب والصحيح وحديث أبي هريرة المختلف في ثبوته من ناحية وليس في الصحيحين، فنرجح دلالة الكتاب والنصوص الصحيحة والقياس المستند إليها على حديث أبي هريرة سندا ومتنا، وعليه فمسلك الترجيح ثابت على فرض صحة حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث أبي هريرة لا يقوى على معارضة النصوص والأقيسة السابقة لا في سنده ولا في متنه .

وليد: فهؤلاء هم أئمة السلف وأحمد والشافعي ومالك، كلهم يعملون بما جاءهم عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم، وارتضى الله تعالى مذاهبهم لهذه الأمة قرونا طويلة عليها الإفتاء والقضاء.

طارق: ليست المسألة كما يحسب بعض الإخوة أنه إذا جمع كتب الرواية أنه حاز على أدلة الشريعة، فكتب الرواية فيها جزء من أدلة الشريعة، بينما القياس وغيره من الأدلة هو في كتب الفقه، ولا يجوز الإفتاء من كتب الرواية، لأن سند الدراية والفهم عن الصحابة والسلف هو في مصادر الشريعة الفقهية والأصولية.

وليد: نعم هذا صحيح، فلما توهم بعض الطلاب أن أدلة الشريعة في كتب الرواية، أصبح يرد أحكام  الشريعة بحجة أنه ليس عليها دليل، مع أنها مستندة إلى أدلة أخرى كالقياس الذي اتفق أهل السنة والجماعة على أنه من مصادر الشريعة، وتجد أن أكثر الوهم بعدم وجود الدليل على المسألة سببه رد القياس الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة رضي الله عنهم  والتابعين لهم بإحسان، وهذا النوع من الأدلة لا نجده في أسانيد رواية السنة، بل هو في أسانيد الدراية والفهم، في مصادر الفقه والأصول، نكتفي بهذا القدر ونكمل  الحديث في وقت آخر.

الهدف من هذا الحوار:

1-يهدف هذا الحوار إلى التعريف بصناعة الاجتهاد عند أئمة السلف، وليس القصد هو حمل الناس  في هذه المسألة على مذهب مالك، فإن في مذهب الجمهور سعة ويسرا في صحة صوم من أكل أو شرب ناسيا في نهار رمضان أن صومه صحيح ولا يقضي، ومذهب مالك أكثر احياطا للعبادة.

2-محاولة لإظهار قدرة إئمة السلف على التصرف في أدلة الشريعة وتنزيلها على محالِّها.

3-لَفت الانتباه إلى سند الدراية في الدين، وأنه كامن في الفقه وأصوله، وليس في كتب الرواية.

4-فَشَت مقالات غريبة ترد اجتهادات السلف وتبطلها إذا لم تجد لها نصا ظاهرا في كتب الرواية، مع أن الدليل الشرعي لا يقتصر على النص فقط،وإن من أدلة الشريعة ما هو في مدارس الدراية المتصلة بالصحابة رضي الله عنهم، الذين أخذوا الدين رواية ودراية وعملا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

5-تظهر شائعة بين بعض طلاب العلم: وهي أننا اليوم لدينا جميع نصوص الشريعة على الحاسوب، مما يعني أننا أصبحنا أكثر قدرة على فهم الشريعة من السلف، للأسف يحدث هذا مع أن ما في الحاسوب هو بعض ما أفاض به السلف على الخلف، ولكن السلف زادوا على ما في الحاسوب، سند الدراية والعمل، وإجماع الأمة على رسوخ قدمهم في الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا ما لم يظفر به الخلف الذي شاع فيهم تعصب الأفراد لآرائهم الدينية، ظهر فيهم الشقاق والاضطراب في الدين بالرغم من أن الحاسوب فيه كل الروايات، ولكن الاضطراب جاء من جهة الفهم لا من جهة عدم توفر الرواية.

6-رفع توهم بعض طلاب العلم أن السلف يخالفون الأدلة الشرعية، ودعوتهم إلى المزيد من التحري، وعدم القول على السلف بادي الرأي.

7-توضيح تكامُل سند الرواية في مصادر السنة مع أسانيد الدراية والعمل، الكامنة في المصادر الفقهية والأصولية، والرد على من يحاول صناعة الشقاق بين صناعة الرواية والدراية.

8-دفع توهم أن الإمام مالك يقدم القياس على الحديث، فالإمام لم يعارض حديث أبي هريرة بالقياس، لأن القضاء والصحة لم ينص عليهما في الحديث.

9- التأكيد على أن الأصل هو الجمع بين الأدلة عند الأئمة، وأن إعمال الأدلة أولى من إهمالها، وضرورة العمل بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يطرح منه شيء، وهنا مالك جمع بي الخبر والقياس والإجماع وأعمل كلا في محله.

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عمان المحروسة

21-6-2017

2 thoughts on “حوار مع أخي (22) لماذا أوجب الإمام مالك القضاء على من أكل أو شرب ناسيا في صيام رمضان… وسِّع صدرك

  1. مايو 22, 2019 - حمدان حسين

    السلام عليكم
    بارك الله فيكم فضيلة الدكتور…وجعل هذا فى ميزان حسناتكم..
    فهل لو تكرمتم علينا بإخراج هذه الحوارات كاملة فى شكل pdf حتى نستفيد منها ونفيد غيرنا من طلاب العلم بمصر…
    جزاكم الله خيرا

  2. مايو 24, 2019 - غير معروف

    الله يفتح عليك مولانا وينفع بكم …وجعلكم كالغيث اينما وقع نفع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top