حوار معي أخي (18) هل تخرج صدقة الفطر عينا أم نقدا وتحريم الإنكار على الاجتهاد المعتبر

مقدمة:

هذا الحديث الآتي ليس محاولة لترجيح قول جواز إخراج زكاة الفطر نقدا، بل لإبراز طريقة التعامل مع تعدد الاجتهاد، وأن الاجتهاد ولو كان مرجوحا في نظر المجتهد، أو من يقلد ذلك للمجتهد، ولكنه راجح في نظر مجتهد آخر، فيحرم الإنكار على الاجتهاد المرجوح في نظر المجتهد، مادام المجتهد الآخر الذي أجاز إخراج القيمة النقدية هو متبع لأصل معتبر شرعا وله في ذلك سلف صالح، وأن الإنكار على الاجتهاد المعتبر هو إنكار على الشرع نفسه وعلى السلف الصالح، وإدخال للأمة في حلقة مفرغة لا نهاية لها، فليس الحوار للترجيح في مسألة بعينها، بل هو بيان لكيفية التعامل مع تعدد الاجتهاد المعتبر، فمن أراد أن يخرج القيمة أو الطعام فلكل ما أراد، وليكن ذلك بهدوء، ودون تعصب مذهبي، وإثارة النزاع والشقاق بين المسلمين.

خالد: نحن في كل رمضان نرى مخالفات للسنة، ومن هذه المخالفات إخراج صدقة الفطر نقدا، وهو خلاف ما جاءت به السنة عن رسول الله -صلى عليه وسلم، ولا يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا، ويجب التقيد بما  جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث.

وليد: ما هو الحديث؟

خالد: عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرض زكاة الفطر في رمضان على الناس صاعا من تمر وصاعا من شعير على كل حر وعبد ذكر وأنثى من المسلمين، وهذا الحديث صحيح ، وأيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب»

وليد: واضح أن الحديث الشريف قد نصّ على هذه الأصناف، وأنه يجب أن نخرج الزكاة منها، ولكن هل ما ورد فيه هو على سبيل الحصر، وأن التعبد في صدقة الفطر يحصل بها فقط، ولا يحصل بغيرها؟

خالد: طبعا عدَّدَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأصناف، وصدقة الفطر تعبدية، بدليل أنها وجبت على الفقير فيما زاد عن قوته يوم العيد، وعليه نحن أمام عبادة، والأصل في العبادة الامتثال والالتزام.

وليد: يعني المسألة قطعية، أم اجتهادية، يعني هل يمكن أن يتعدد فيها الاجتهاد بين إخراج القيمة والأصناف المذكورة  في الحديث.

خالد: نصُّ الحديث واجب الاتباع، ولا اجتهاد في مورد النص.

وليد: نعم صحيح لا اجتهاد في مورد النص، ولكن كيف يزكي أهل الفلبين مثلا، وليس من طعامهم هذه الأمثلة التي ذكرَها في الحديث، فطعامهم الأرز، وليس مذكورا في الحديث، والأمر تعبدي كما قلتَ أنت، ولا اجتهاد في مورد النص!

خالد: نعم معنى التعبد واضح، ولا اجتهاد في مورد النص، ولكن الأمر يحتاج إلى تفكر في الأمر.

وليد: هل اقتصر الذين لم يجيزوا القيمة من فقهاء السلف على الأصناف فقط تعبدا، أم أجازوا أعيانا أخرى إن لم تكن الأصناف المذكورة من قوت أهل البلد، أم  لم يتقيدوا بالأصناف المذكورة، وجعلوا ما لم يذكر في الحديث وكان قوتا لبلد ما، فإنهم يُـخرِجون من غالب قوت البلد، ولو لم يكن مذكورا في الحديث؟

خالد: أجازوا أعيانا أخرى، فمن كان قوتهم الأرز يخرجون الأرز.

وليد: وأين التعبد الذي ذكرته بوجوب الاقتصار على الأصناف الواردة فقط؟ فقد بينتَ أن الأمر تعبدي، والعبادات تبقى حسب بيان الشارع، لأن مبناها على الامتثال، وأنت الان تذهب مذهب التعليل بغالب قوت البلد، ولم تقتصر على الأصناف المذكورة، وقلت بالتعليل وهو ما ذهب إليه الحنفية، وبناء عليه فإن الجمهور (الشافعية والمالكية والحنابلة) متفقون مع الحنفية على التعليل من حيث المبدأ، وأن الأصناف المذكورة في الحديث، ليست متعينة شرعا، وفهموا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نبه بهذه الأصناف لأنها هي الغالبة في المدينة المنورة في حينه، والاقتصار عليها دون الالتفات للمعنى والعلة هو تقصير في حق الشرع ومعناه، وتفويت مقصده بكفاية المساكين، الذين يعيشون على الأرز كما هو واضح في المثال محل البحث.

خالد: لا بد من النظر في المعنى الذي شرعت من أجله الأصناف الواردة في الحديث.

وليد: ما رأيك لو قلنا: إن المعنى هو سد الحاجة والكفاية للفقراء بغالب طعام البلد، ويتعين في الفلبين مثلا أن نلاحظ الكفاية، وأنها لا تكون بالأصناف الواردة  في الحديث، ولا تكون إلا في الأرز، أو القيمة النقدية.

خالد: نُخرج الأرز، لأنه أوفق بالمعنى وبعلة الحكم بالإغناء للفقراء في هذا اليوم، ولكننا لا نعـدِل عن الأعيان مثل الأرز إلى القيمة.

وليد: إذا كنا قد لاحظنا المعنى والعلة، وهي تحصيل الكفاية والغنى، أليست هذه العلة والمعنى من الشرع نفسه، أم هي اختراع من عندنا؟

خالد : بل هي من الشرع، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

وليد: إذا كان الأمر كذلك، فمن أين قيدت بضرورة الاقتصار على إخراج الأعيان، مع أن الشرع لم  ينص على التقييد بالأرز مثلا؟

خالد: لأنه طعام، أما النقود فليست طعاما.

وليد:  حسنا، ذكر البخاري معلقا في صحيحه: باب العروض في الزكاة، (وقال طاووس: قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة) فهذا دليل شرعي على جواز الانتقال عن الأعيان الواجبة في زكاة المال إلى ما ليس بواجب وهو العروض، من الثياب، وهو ما اختاره الإمام البخاري، يقول ابن حجر في فتح الباري لابن حجر (3/ 312): (أي جواز أخذ العرض وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة والمراد به ما عدا النقدين قال بن رشيد، وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل).

      فقد انتقل معاذ رضي الله عنه من أخذ  الشعير الذي وجبت فيه زكاة المال، وهو- أعني الشعير- مذكور أيضا في حديث صدقة الفطر، وانتقل عن الشعير في زكاة المال التي هي ركن من أركان الإسلام، إلى الثياب، وقال هو خير لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، وهو في زكاة المال، فَـلِمَ لا تخرج صدقة الفطر بالقيمة النقدية، إذا كان هذا أنفع للفقراء، مع أنني أيضا أُقِرُّ بأن اجتهاد الجمهور في الاقتصار على الطعام له وجه قوي في التعبد، وللقيمة النقدية وجه قوي في مصلحة الفقير، فلنأخذ بكل ما جاء عن السلف، ويخير المسلم في ذلك، وكلاهما ليسا مخالفين للنص الشرعي، بل في معناه وعلته،  وهل تستطيع أن تقيم دليلا قطعيا من الشرع على أن الإخراج بالقيمة شاذ في الدين، وقد تبين لك أن له أصلا في زكاة المال، وصدقة الفطر؟

خالد: طبعا لا يوجد دليل، بل هو قول معتمد على أصول شرعية كما ذكرت قبل قليل، في فعل معاذ في زكاة المال، التي هي ركن من أركان الإسلام.

وليد: هل قول من قال القصد هو الكفاية ويتحقق بالقيمة النقدية التي يشتري بها الفقير في الفلبين الأرز، محتمل للصواب عندئذ، وقائله معذور إن أخطأ، نظرا لعدم وجود دليل قطعي بنفي القيمة النقدية أم هو آثم، لأن القول بمعنى كفاية الفقير ولو بالقيمة هو قول شاذ لا يبرأ به عند الله تعالى.

خالد: بل القول بالقيمة النقدية محتمل للصواب، لعدم وجود قَطْع في تعيين الطعام، ونفي القيمة النقدية.

وليد: إذن المسألة اجتهادية، فقولك بمنع القيمة النقدية في صدقة الفطر صواب، ولكنه يحتمل الخطأ،  وخطأ القول بالقيمة النقدية في نظرك قول يحتمل الصواب، ولكل أصل شرعي ظهر فيه قصد الشارع، خصوصا وأن من فقهاء السلف أجازوا الانتقال من إخراج زكاة الفطر عينا، إلى إخراجها نقدا، فعن أبي اسحق قال: أدركتهم وهم يعطون في صدقة الفطر الدراهم بقيمة الطعام، انظر (المصنف لابن أبي شيبة) وأبو إسحق أدرك عليا -رضي الله عنه- وجماعة من الصحابة، ويحكي فعل السلف في وقته، ومعلوم أن أبا حنيفة إمام أهل الكوفة هو وراث علم الصحابة في العراق، وهم علي بن أبي طالب، وابن مسعود رضي الله عنهما، وأبو إسحق يتكلم عن عرف من أعراف السلف، جاءت به مدرسة الحنفية في الاجتهاد، التي أخذت العلم دراية عن السلف وهم الصحابة في الكوفة.

خالد: نعم هذا صحيح، وما نقلته من فعل السلف هو اجتهاد معتبر، فيه أجر من الله تعالى.

وليد: يكون المخطيء على فرض اعتبرتَ قولك صوابا له أجر واحد، يعني من قال بإخراج القيمة النقدية له أجر واحد.

خالد: نعم لأنه اجتهد، وهو قول مرجوح، في نظر من قال بعدم جواز إخراج القيمة من المجتهدين.

وليد: إذا أعطى الله من أخرج القيمة النقدية أجرا على فرض خطئه، هل هو طائع لله تعالى وعمل معروفا أم عاصٍ.

خالد: بل طائع لله تعالى، وأثبت الله له أجرا.

وليد: ما حكم من أنكر على المعروف الذي جعل الله فيه أجرا؟

خالد: لا يجوز، لأنه عندئذ منكِرٌ على الشرع وأدلته وفعل السلف.

وليد: وعليه، يكون إخراج زكاة الفطر نقدا، أو عينا، هما خياران تحت سقف الشريعة، ويعطيان للصائم فسحة من الخصوصية في الاختيار تحت سقف الشريعة، ومحاولة الوصول إلى القطع في مسائل الاجتهاد يتنافى مع كونها اجتهادية ولو كانت قطعية ما تعدد فيها اجتهادات السلف، والإنكار على من أخرج زكاة الفطر بالقيمة هو إنكار على السلف وعلى أدلتهم وهو أيضا إنكار على إذن الله تعالى بتعدد الاجتهاد فيه، وجعل فيه أجرا أو أجرين.

خالد: على الأقل، لا ينبغي الإنكار على اجتهادات السلف، الذين هم أعلم هذه الأمة، وأن فهمهم مقدم على فهم غيرهم، وعلينا أن نقدر فهم السلف بالإخراج طعاما.

وليد: الأولى بالإنكار هم الذين يمنعون زكاة المال عن الفقراء، وكانوا سببا لكثير من الفتن والمفاسد في مجتمعنا.

خالد: الأفضل مراعاة اجتهادات السلف، ولا ننكر على الاجتهاد المعتبر، الذي لم يخالف ضوابط الاجتهاد، وإخراج الزكاة عينا خروج من الخلاف لأنه محل اتفاق بين الجميع.

وليد: هل يجوز ذم من يخرج الزكاة بالقيمة النقدية بعد ثبوت ذلك عن بعض السلف الصالح.

خالد: لا بد من أن تتسع صدرونا لتعدد اجتهاد السلف، ويجب أن نحذر من التعصب المذهبي المذموم، لأنه أحادي النظرة، ويظن أنه على صواب وأن القول الآخر ضلال، والصحيح أننا نتقلب في نعمة الله تعالى في تعدد اجتهادات السلف، تحت سقف الشريعة، وأن إنكار الاجتهاد المعتبر الثابت عن السلف الصالح هو طعن في مرجعية أهل السنة والجماعة، وإثارة للتعصب المذهبي الذي يفرق بينهم.

وليد: لو أنني رأيت من ينكر على من يخرج الزكاة بالأعيان المذكورة، لأعلمته أنه لا ينكر على الجمهور بل هو منكر على أدلة الشرع التي استدل بها الجمهور، وأنا أعتقد أن خير منازلنا في العلم اليوم هو أن نفقه ما جاءنا عن السلف، الذين استطاعوا بناء مدارس فقهية علمية متكاملة في الحديث والفقه والأصول.

خالد: حسنا سأخرج صدقة الفطر بالقيمة النقدية، مراعاة لمصلحة الفقير!!

وليد: وأنا سأخرجها طعاما!!!

خالد: إذن أوقعتني في الفخ!!

وليد: إذن سأخرجها أنا نقدا، وأخرجها أنت طعاما!

خالد: اتفقنا!

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

ليلة الجمعة المباركة

1-7-2016

4 thoughts on “حوار معي أخي (18) هل تخرج صدقة الفطر عينا أم نقدا وتحريم الإنكار على الاجتهاد المعتبر

  1. يونيو 11, 2018 - غير معروف

    بارك فيك دكتور على هذا الحوار والذي يفهم منه عدم الانكار على الرأي الآخر ما دام دائراً في دلالات الشرع. ولكن السؤال اذا كانت الادلة التي للمخالف ثبتت أنها ضعيفة كيف يكون القول بذلك. ومثال ذلك مسألة قراءة الفاتحة اذ يقول الحنفية بعدم قرائتها على المأموم خلف الامام استدلالاً بحديث ضعيف وهو ” من كان له امام فقراءة الامام له قراءة” مع الشكر.

  2. يونيو 11, 2018 - أسامة

    بوركت

  3. مايو 24, 2019 - Drsharaf80@gmail.com

    فتح الله عليك وزادك الله علما وفقها

  4. مايو 25, 2019 - غير معروف

    نقاش رائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top