حدث معي وإن تعجب فعجب عيدهم إذا وافق يوم الجمعة

تمهيد:

كما أكدت دائما أن الاجتهاد المعتبر لا يجوز إنكاره وإبطاله، ويُحمَد الخلاف والنظر عندما يكون في إطار الاستدلال، لا الجدال والإبطال، ومثالنا اليوم إذا وافق العيد يوم الجمعة، فالجمهور أن الجمعة لا تسقط، وعند سادتنا الحنابلة رخصوا في حضور الجمعة، لمن صلى العيد، وهو اجتهاد معتبر أيضا، مع العلم بأن إقامة الجمعة واجبة على الإمام صلى العيد أم لا، وحديثي هو فيما حدث من شذوذات لا يمكن أن تنسب إلى مدرستنا الفقهية السنية في مذاهبها الأربعة.

أولا: إغلاق مسجد الجمعة في وجه المصلين:

زرنا أحد الأقارب في يوم العيد الذي وافق الجمعة، وحسبنا وقتنا على أن نصلي الجمعة في المسجد المجاور لنا، وبعد أن خرجنا لأداء الجمعة، ووقفنا بباب المسجد وكان مغلقا، وإذا بشيخ المسجد يمر بنا، فقلنا له اقتربت صلاة الجمعة، فلوَّح لنا بظهر يده، وقال: شيخ! ما في صلاة جمعة اليوم، اليوم عيد! ولكن الشيخ الذي منع الجمعة في بيت الله تعالى، جهل أو نسي ما يأتي.

ثانيا: ماذا نسي منكرو الاجتهاد المعتبر:

1-نسي الشيخ أن صلاة الظهر لم تسقط عمن صلى العيد، فيجب عليه أن يصلي الظهر، ولكن الشيخ أغلق الباب في وجوه المصلين ظهرا وجمعة، وهذا لم يعرف إلا في عهد الحروب الإجرامية على المسلمين، ليعلم المسلمون خطورة الفتاوى الشاذة والشيوخ الجهال عليهم وعلى دين الإسلام.

2-نسي الشيخ أن من المسلمين مَن لم يصل العيد، وأن الجمعة في حقه واجبة عليه باتفاق، فماذا يفعل هؤلاء المسلمون وقد أغلق الشيخ الجاهل المسجد في وجوه المصلين ظهرا وجمعة؟! أم أن الشيخ يأخذ بفتوى هدم صلاة الظهر أيضا إذا وافق العيد يوم الجمعة، وقد بينت سابقا أثر الفتاوى الشاذة في هدم أركان الإسلام. 

ثالثا: منكرو الاجتهاد المعتبر بين عيد الفطر وعيد الأضحى:

1-إبطال اجتهاد الجمهور في عيد الفطر:

يقل الضجيج الموسمي في حكم إذا وافق عيد الفطر يوم الجمعة خلافا لعيد الأضحى، ذلك لأن الأمر في عيد الفطر يبقى مترددا بين كون الشهر 29 يوما، أو 30 يوما، فيبقى المتربصون بالموسم على قلق، من معركتهم بسبب الشك في وقوع العيد يوم الجمعة، وأنه قد يكون مفاجئا يتعذر معه شحذ الحناجر فترة كافية لضمان كسب المعركة، ولعل في معركة صدقة الفطر عينا أم نقدا متنفسا بديلا عن معركة الجدل إذا وافق عيد الفطر يوم الجمعة، حسب التقويم الفقهي للمسائل الموسمية، مع اعتقاد الجمهور أن اجتهاد الحنابلة رأي معتبر في الدين وليس باطلا، فما فائدة السعي في إبطال الاجتهاد المعتبر في المذاهب الأربعة سواء كان مذهب الحنابلة أم مذهب الجمهور في هذه المسألة، واستنزاف عقول المسلمين، فيما لا طائل وراءه لأن مسائل الاجتهاد قائمة على الظن وليس القطع.

2- إبطال اجتهاد الجمهور في عيد الأضحى:

أما في عيد الأضحى فمسألة موافقة العيد يوم الجمعة محسومة، بسبب الإعلان المبكر للأول من ذي الحجة، ويتخلل ذلك خطبة جمعة تمثل ميدانا حيويا للخطبة العصماء بأنه إذا وافق العيد يوم الجمعة تسقط صلاة الجمعة دون بيان شروط سادتنا الحنابلة، يعني تسقط فقط دون بيان التفاصيل، وأن الذين يقولون بوجوب الجمعة قولهم باطل لا دليل عليه، وتدور رحى هذه المعركة عشرة أيام حيث يتحول يوم الحج الأكبر إلى يوم الجدال الأكبر، حيث تصل المناكفات مداها الأبعد، بسبب ضيق الصدر بالاجتهاد المعتبر، مع أنه لا يجوز الدخول إلى إبطال الاجتهاد المعتبر سواء كان اجتهاد الحنابلة بسقوط الجمعة عمن حضر العيد، أم مذهب الجمهور الذي يوجب الجمعة ولو صلى العيد.

من هنا نبدأ لوأد الضجيج الإعلامي في المواسم الدينية:

إن اجتهاد المذاهب الأربعة معتبر، وانعقد عليه الإجماع أنه بين أجرين للمصيب وأجر للمخطيء، ولا يجوز السعي في إبطال القول المعتمد فيها، فبالرغم من أن مذهب الجمهور: الحنفية والمالكية والشافعية يوجبون الجمعة ولو صلى المسلم صلاة العيد، فإنه لا يجوز إبطال اجتهاد ترخيص الحنابلة في صلاة الجمعة لمن صلى العيد،  أما الإمام فعليه أن يقيم الجمعة، وهو قولهم المعتمد، وإن المشكلة ليست في مدارسنا الفقهية الأربع بل هي في حالة الارتجال والجرأة في مسائل الشريعة، كنسبة القول للحنابلة بالترخيص مطلقا، دون تفصيل، لا سيما أنهم نصوا على وجوب إقامة الجمعة على الإمام، وربما يكون سبب إغلاق مسجد الجمعة يوم العيد بسبب سوء الفهم في الأدلة الشرعية، ولو أنهم ردُّوا الأمر إلى الذين يستنبطونه منهم، ما وقعوا في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

29-رمضان-1439

14-6-2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top