العدالة بين قبيلة جُرهم وقبائل الحداثة الغربية…ماء زمزم نموذجا

تمهيد:

نعلم قصة هاجر وولدها إسماعيل عليهما السلام وكيف أن الله تعالى أنعم على الأم وولدها بنبع ماء زمزم بينما كانت تسعى بين جبلَي الصفا والمروة بحثا عن الماء لولدها إسماعيل، وتركها زوجها إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع، ومَا أن علمت قبيلة جرهم بوجود الماء حتى استأذنت هاجر المرأة الضعيفة في النزول عند الماء فأذنت الأم على شرط أن يبقى الماء لها، وقد قبلت قبيلة جرهم بهذا الاتفاق، وتناست القبيلة قوتها وكثرة عددها، وأنها كانت قادرة على نزع الماء عَنْوة من المرأة ورضيعها حسب موازين القوة، ولكن يبدو أن قبيلة جرهم كانت تتمتع بحس قوي في العدالة والحق، وأنها تؤمن بقوة الشرعية لا بشرعية القوة عندما أبرمت اتفاقها مع سيدتنا هاجر عليها السلام.

أولا: كيف تفكر الحداثة الغربية في السيطرة باسم العدالة:  

بعد تناقل وسائل الإعلام ظهور ثروة مائية لا تنضب في الصحراء، سال لعاب الرأسمالية على هذه الثروة، وأكد المستشار الاقتصادي المستنير بالحداثة بأن توزيع الموارد في العالم هو توزيع عشوائي، وإن لكلٍّ أن يسعى لمصلحته كما يشاء بحسب ما تسمح له القوة، وبما أن الهيمنة على الماء مصلحة فهي حق بصرف النظر عمن يجلس على الماء أيا كان، فالقوة هي السلطة المطلقة في تقدير الحق الذي هو عبادة المنفعة المُقدَّسة بحسب دين الليبرالية الغربية، وفي حال وضوح الأهداف والتخطيط للهدف، لم يبق إلا الإخراج المسرحي الإعلامي للهيمنة على الماء، ثم التنفيذ.

ثانيا: بوق حقوق الإنسان جاهز للمهمة:

تظهر على إحدى القنوات الحرة المعنية بحقوق المرأة والطفل أخبار تفيد بأن طفلا بواد مجهول، يبكي من الجوع والعطش وأكدت الأخبار أن الطفل كان يبكي  بينما كانت أمه تمارس رياضة الجري  بين جبلين، وقد بثت مشاهد حية تؤكد انشغال الأم الرياضة والرشاقة على حساب طفلها الرضيع الذي فقد حنان أمه، وأن على لجان حقوق الإنسان أن يقوموا بواجبهم تجاه هذا الطفل المسكين، ومن ناحية أخرى أكدت الأنباء الواردة من الوادي أن أب الطفل قد تركه صغيرا بلا طعام ولاشراب ولا مسكن ولا أي رعاية، وهذا يؤكد ضرورة  أن يتدخل المجتمع المتحضر بصفته الوكيل الحصري  للقيم الإنسانية القائمة على الرحمة والعدالة.

ثالثا: المثقفون الهمَل والدور المشبوه:

دعا المثقفون الهمل إلى اجتماع عاجل لمناقشة أسس العدالة والإنسانية، لإقامة مجتمع العدالة والمساوة، وكان الطفل إسماعيل –عليه السلام- هو شعار المؤتمر، وتنادوا مصبحين لتحقيق العدالة الغائبة في مجتمعهم البُدائي العربي، وأن المجتمع العربي لا بد أن يهتم بالقيم الإنسانية الرفيعة، وأن يدع التخلف، ولا بدل من اللحاق بركب الحداثة والإنسانية، وأن ما فعلته أم الطفل لا يليق بدور الأم حسب معايير الحداثة والمجتمع المدني الذي يؤمن بحق الرعاية والعناية بالطفل، وأنه لا بد من التدخل لحماية قيم الحداثة والحضارة، في مواجهة المجتمع الذي ما زال يرزح تحت العادات والتقاليد البالية.

رابعا: يبدو أن المشكلة ليست في الأم فقط!

 ولكن بعض المداخلات في المؤتمر تقول إن مشكلة الأم هي في زوجها وليس فيها هي، وهي أيضا مظلومة من زوجها الذي تخلى عنها بواد غير ذي زرع، وأن زوجها كان يُعرف بالتشدد الديني، فهو لا يؤمن إلا بإله واحد وينكر عقائد الآخرين ويسميها شركا، مما أثار الكراهية في المجتمع، ومع ذلك لم يكتف بمخالفة الرأي العام والمجتمع بل هو متهم أيضا بتحطيم آلهة الآخر، دون أي اكتراث للعيش المشترك، وقيم التسامح والإنسانية، بالرغم من الإنسانية والعدالة ألقته في النار حتى تحافظ على قيم المجتمع! إلا أنه خرج من النار دون أن يحترق، وقد تم تحويل النار للتحقيق من أجل الكشف عن الجينات المضادة للحريق في جسم إبراهيم وعلاقتها المشبوهة مع النار! وبعد انتهاء التحقيق سيتم تحذير البشرية من خرافات المجتمع البدائي الذي ما زال يؤمن بالخرافة ويعتقد أنها معجزة!

خامسا: ساعة الصفر للتدخل من أجل حقوق الإنسان!

1-أعلن الراعي الأول لحقوق الإنسان أن حياة الطفل أصبحت مسألة حياة أو موت، وأن القيم الإنسانية المشتركة والمساواة والعدالة في المجتمع “المدني” أصبحت مهددة، وإن التأخير لم يعد محتمَلا، وتم اتخاذ قرار على عجل باقتحام ماء زمزم لإنقاذ الطفل الرضيع ومحاكمة أمه وأبيه أمام العدالة، بسبب التفريط بحقوق الطفل البريء، إلا أنه قد وردت أنباء عن اختفاء الطفل وأمه في ظروف غامضة، وقد أبدى ممثل حقوق الإنسان قلقه العميق والبالغ على مصيرهما المجهول، وصرح بأن هذه خسائر جانبية لا تخلو منها معركة، ويتم احتسابها كأخطاء حرب وخسائر جانبية.

2-ولكن المؤكد أنه قد تم وضع اليد على الماء لحماية البيئة والتأكد من الماء لم يصب بالتلوث نتيجة استخراج الماء بوسائل بُدائية، أما ما تم تداوله في الإعلام من الاتفاق على منح امتيازات خاصة للشركات المملوكة لأصدقاء حقوق الإنسان، فهو غير صحيح وما زال الوقت مبكرا لطرح هكذا أمور على الطاولة، والواقع  هناك تداول حول بيع الماء بالسعر العادل الذي يناسب جميع الفئات تحقيقا للعدالة والمساواة.

سادسا: التحليل الحداثي لموقف قبيلة جرهم:

إن قبيلة جرهم قد فوتت على نفسها فوائد كثيرة عليها وعلى أفرادها، وهي لم تستعمل نقاط القوة لديها مع المرأة الوحيدة، حيث كان من الممكن السيطرة على الماء بكل سهولة، وقد خسرت قبيلة جرهم بسبب انعدام التخطيط للمستقبل، وعدم وضوح الرؤية الاقتصادية للفترة المقبلة، لذلك تعتبر هذه القبيلة فاشلة بكل المقاييس، وهي ما زالت بحاجة لابتعاث أبنائها للدراسة في مدارس الغرب الحداثية لتتولى رعاية مصالحها كما ينبغي، وتخرج من مجتمع الخرافة إلى مجتمع العدل والمساواة.

سابعا: التحليل الإسلامي لموقف قبيلة جرهم:

إن الكعبة التي هي بيت الله تعالى الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، سيطوف به النبيون والمؤمنون والمؤمنات، ولن يجعل الله تعالى بيته الآمن ومطاف النبيين والمؤمنين قائما على أرض مسروقة، ولا مياه منهوبة، فهو بيت أسس على التقوى والعدل من أول يوم، لأنه سيبقى ملهم العدالة للبشرية جمعاء، وليس فيه شائبة ظلم، في أساسه الذي بني عليه، وهو بيت إبراهيم الحليم الأواه المنيب، وسيبقى هذا البيت المِحج الذي تهوي إليه أفئدة المؤمنين المتطلعين لحياة طيبة في الدنيا والآخرة، وويل لمن أراد بيت إبراهيم عليه السلام وأهله بسوء، وإن البيت الذي أقيم على العدل والتقوى من أول يوم، أولى بالعدالة والحق من أصحاب وهم العدالة المزيفة القائمة على الأرض المسروقة، وما فلسطين وغيرها منا ببعيد، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أم أن صعاليك الغزو الثقافي والمثقفين الهمَل لا يكادون يفقهون حديثا.

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

صبيحة الجمعة المباركة

24-ذي الحجة-1438

15-9-2017

عمان المحروسة

1 thought on “العدالة بين قبيلة جُرهم وقبائل الحداثة الغربية…ماء زمزم نموذجا

  1. يوليو 21, 2018 - مثنى الراوي

    مقالة رائعة وممتعة ومفيدة وهادفة وقيمة جزاك الله خيرا ونفع بك العباد والبلاد فأنت تستخرج كنوز العلم ودرره كما استخرج اسماعيل ماء زمزم من الارض الطيبة بقدمه باْذن ربه عز وجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top