الجزء الثالث: عودة إلى مقولة لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم التزام وِرد من الأذكار، هل هو سنة أم بدعة؟

ذكرت سابقا أمثلة على أصل الحقيقة الشرعية الذي يحمي العبادات من تدخُّل يد العبث والابتداع فيها، وهي ثابتة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله، ومنضبطة غاية الانضباط، بخلاف مقولة العدم  “لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم”، أما  اليوم فسأعرض أمرا حدثت ويحدث بسببه جدل في مساجدنا، وهو: ماذا لو حدد مسلم لنفسه وِردا من القرآن الكريم يراجعه كل يوم، جزءا أو جزأين أو غير ذلك،  وأقدِّم مثالا على الأمر المطلق عن القيد، وكيف يمكن فهمه في ضوء أصول أهل السنة والجماعة، الذين ألزمهم الله كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها.

أولا: ما معنى الأمر المطلق:

1-إذا قلتَ لأحدهم اشرب ماء، فهذا يعني أنه يتحقق الامتثال للأمر بشرب جرعة واحدة، أو جرعتين، أو كأسا أو كأسين،فيكون المأمور عندئذ قد امتثل الأمر شرب قليلا أم كثيرا، وكذلك لو قلت له كل، فأكل لقمة أو لقمتين أو ثلاثة، فإنه يكون قد أتى بالمأمور به على الوجه المطلوب.

2-ومثال آخر، لو أن والدا  أمر أبناءه بأن يحضروا لها كتابا،فبادر الأبناء إلى أمر أبيهم، فجاء ولد بكتاب فقه، والثاني بكتاب تفسير، والثالث: بكتاب أدب ولغة، فكلُّ ولد من الأولاد الثلاثة مطيع ومبادر إلى إجابة أبيه وممتثل لأمره، وعليه؛ فإن الأمر بالشرب والأكل والإتيان بالكتاب في الأمثلة السابقة، يتحقق بأي فرد من أفراده غير المحدودين، وهذا يعني أن الأمر المطلق يتنوع تحققه في الواقع، ولا يقتصر على شربة أو شربتين ولا لقمة ولا لقمتين، ولا كتاب فقه أو تفسير، وكل من الممتثلين للأمر في الأوامر السابقة مطيعون بالرغم من اختلافهم عن بعضهم في تطبيق الأمر الموجه إليهم.

ثانيا: مثال الأوامر  الشرعية المطلقة:

1- أمرنا الله تعالى بتلاوة القرآن الكريم، فقال تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) سورة النمل، والأمر بتلاوة القرآن ثابت بالنص الشرعي، دون تحديد قدْر معين، بل كل امريء له أن ينتخِب من الذكر المطلق قرآنا أواستغفارا أو تسبيحا وِردا يوميا له، وبما أن الأمر مطلق، فإن المطلق يتحقق بأي فرد من أفراده، لأن الشرع لم يـَحُدّ له حدًّا، بل جعله مطلقا، وأكمل الله تعالى لنا الدين، فلا يجوز لأحد أن يقيد ما أطلقه الشرع إلا بدليل من الشرع نفسه.

2-ومثال آخر على المطلق أمْر الشرع بالاستغفار والتسبيح وسائر الأذكار المطلقة فهذه جميعا لم يحد لها الشرع حدا بل أطلقها عن العد والحد، وندب للإكثار منها، فمن استغفر في اليوم مائة مرة فحسن، ومائتين فأحسن، وإن زاد فـنِـعِـمّـا ما هي، وكلما زاد كان أحسن، وينتخب المسلم من هذه الأذكار ما كان أصلح له عددا ووقتا ونوعا، بناء على أن الشرع أطلق في ذلك للمسارعين والمتنافسين على طريق السنة.

ثالثا: ماذا يترتب على الأمر المطلق؟

هذا يعني أن المسلم إذا اختار جزءا يتلوه يوميا أنه قد أتى بأحد أفراد المطلق، ومن اتخذ وردا من القرآن قدْر جزأين قد أتى بأحد أفراد المطلق المأمور به شرعا، وكلهم آت بأحد أفراد المطلق وكلهم مستمسك بكلام ربه ومتشبث بكلام نبيه، وكلهم في طاعة ورضا الله تعالى، وبما أن هذا الأمر سنة في يومه، ولو التزمه شهرا أو سنة، يكون قد التزم الأمر الشرعي وهو متبع ما دام أنه يأتي بأحد أفراد المطلق، ولو داوم على هذه الطاعة فهو مستمسك بالسنة مدوام عليها، وهو أمر طلبه الشارع، وحث عليه ففي الحديث الصحيح عند مسلم عن سعد بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت:قال رسول الله: ” أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل “، فثبت بذلك أن من التزم ذكرا من الأذكار المطلق كتلاوة القرآن الكريم، أو التسبيح، أو التهليل التي لم يحد لها الشارع حدا، فإنه أتى بالسنة ابتداء، فإن داوم عليها والتزمها، فيكون قد أتى بسنة أخرى وهي المداومة على الصالحات، كما هو ثابت في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

رابعا: متى تقع البدعة في الأمر المطلق؟

بما أن البدعة هي طريقة في الدين مخترعة ويقصد بها صاحبها زيادة التقرب إلى الله، فإن القصد له مدخل كبير في البدعة، فمن اعتقد أن قراءة جزء من القرآن يوميا هو سنة بخصوصه، فهذا يعني أنه قيد المطلق الذي أطلقه الشرع، وتصبح الزيادة على الجزء في نظر المبتدع غلوّا في الدين، مما يعني أنه أحدث في الشرع ما ليس منه، أما  لو سئل الثاني المتبع للسنة الذي جعل ورده جزءا من القرآن لِـم فعلت ذلك؟ فيقول: هذا ما يسمح به وقتي وعملي، ولا أعتقد أن هذا الالتزام سنة بعينه، فعندئذ يكون متبعا للسنة، وآتيا بأحد أفراد المطلق، لأنه لم يقيد ما أطلقه الشرع كما فعل الأول المبتدع، ولا يكون الثاني محدِثا في الدين بل هو متبع وعلى خير وسنة، لأنه يأتي بأحد أفراد المطلق، مثل الأبناء المطيعين والآكلين والشاربين الذين مر ذكرهم.

خامسا: ماذا لو جئنا إلى مقولة لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟

على افتراض تطبيق هذه المقولة على أنها مصدر أو منهج في فهم السنة، فسيترتب على القول بها ما يأتي:

1-يصبح  التزام ورد يومي من تلاوة القرآن ممنوعا شرعا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يتقيد بجزء أو جزأين أو ثلاثة أو عشرة، ثم بناء على هذه المقولة تتحول السنة التي أحد أفراد الأمر الشرعي المطلق، إلى بدعة مذمومة، وانقلبت الطاعة إلى معصية، ويصبح النهي عن السنة طاعة، ورُدَّت بهذه المقولة الأحكام الثابتة بالعموم والمطلق، وأصول الاستدلال الشرعية.

2-إذا توهم أحدهم أن هذا الالتزام للورد اليومي من القرآن الكريم، أو التزام ألف تسبيحة مثلا، أو خمس مائة استغفار يوميا، هو بدعة لم يفعله رسو الله -صلى الله عليه وسلم، فإن المداومة تتحول من مداومة على طاعة إلى مدوامة على بدعة، وهي بالتالي بدعة على بدعة.

3-وعليه؛ بعد تحويل السنة المندرجة تحت أمر مطلق إلى بدعة، وزيدت عليها بدعة المداومة على البدعة، مما يعني أن المتبع للسنة أصبح مبتدعا ومصِرًّا على بدعته المذمومة شرعا، ويترتب على ذلك تفسيق أهل الذكر والطاعة، وكان الأحق بالذم شرعا هو مَن يرد السنة النبوية المأمور بها شرعا بالنصوص الثابتة، أما مقولة البشر–لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم –  أصبحت بديلا للسنة، ترد بها السنة، وهي مقولة اجتثت من فوق الأرض ما لها قرار في أصول الاستدلال، بل هي مِعوَل تهدم به السنن وتُـحوَّل إلى بدع، وردت بذلك أوامر الله تعالى وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم.

وربما يقول أحدهم ليست بدعة لأن المقتضي للفعل غير موجود، وهو شرط لوصف العمل بأنه بدعة، وهنا ندخل في كلمة المقتضي التي ما زلت أنتظر تعريفها وتعيين المقتضي هل هو عقلي أم شرعي، فإن كان عقليا فإن العبادات لا تثبت بهذه العقول، وليس العقل مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية، بل هو ناظر في أدلة الشرع وكاشف عن الأحكام فيها، وإن كان المقتضي شرعيا فلا بد أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بينه فإن بينه فإنها يكون مما بينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يصح أن يدخل في الترك، بل هو إما سنة قولية أو فعلية أو تقريرية، هو البيان الشافي الوافي والمحجة البيضاء فكيف يقال عما بينه قولا فعلا أنه قد قام المتقضي على تركه وتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إمكان الفعل وعدم المانع؟!

سادسا: المداومة على السنة ليست بدعة:

من الواضح أن من التزم ذكرا من الأذكار المطلقة التي دعا إليها الشرع كالأمثلة السابقة، آخذ بكلام ربه وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم، فقد يقول قائل: إن هذا الالتزام الدائم بالورد هو البدعة وليس العمل نفسه بدعة، وأن على الذاكر أن يفعل ويترك حتى لا تكون سنة متبعة وتصبح بدعة، وهذا -مع الأسف- يعني أنّ على الذاكر أن يذكر الله تعالى ويترك السنة، حتى لا يقع في البدعة!! وهذا منتهى التلبيس على المسلم بسبب تلك المقولة : لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وسوَّلت لهم أنفسهم بهذه المقولة ترك السنة حتى لا يقعوا في البدعة، وهذا من عجائب الخلَف في هَجْر السنة خوفا من البدعة، ولو أنهم استمسكوا بالسلف ومنهجهم، ما وقعوا في حمأة هجر السنة خَوْفَ البدعة.

سابعا: المداومة لا تعني اعتقاد الورد المعين سُنّـة بنفسه:

يتوهم بعض الإخوة أن التزام الطاعة والمداومة عليها تجعلها بدعة، بمعنى أنه ما داوم على قراءة جزء في اليوم، فهذا يعني أنه قد اعتقد أن قراءة جزء من القرآن يوميا هي سنة بعينها، وليست أحد أفراد المطلق، ولو سئل هذا الذاكر لله تعالى لكان أحسن، ولكن نسمع المحافظ على الورد المشروع يقول: هذا ما يناسب وقتي وطاقتي وعملي، ولا أعتقد أن المداومة على الجزء اليومي هي سنة بعينها، ومن هنا فإن صاحب الورد اليومي لا يضيف شيئا للشريعة، فكيف يتهم المداوم على الطاعة، بأنه قد أحدث في الشرع ما ليس منه: ثم يُشهر في وجهه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ويوظف الحديث لرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدلا من رد البدع في الدين، بسبب التوظيف الخاطيء للحديث.

ثامنا: ما الحكمة الشرعية من الأمر المطلق؟ (الخصوصية تحت سقف الشريعة):

شرع الله تعالى لنا عبادات قائمة على الامتثال الكامل، كأداء الصلوات المفروضات في أوقاتها، فلا بد أن تكون كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- صحة وكمالا، وهذه لا اختيار فيها للناس، وهي جزء من نظام الحياة المشترك لتجانس المجتمع، وهي دعائم المجتمع الإسلامي، ولكن الذي خلق النفس الإنسانية أعلم بها، وترك لها مجالا للخصوصية والاختيار في الطاعات المطلقة التي مر التمثيل بها، فذاك مقبل على الكتاب تلاوة وحفظا، وذاك فتح الله عليه باب الاستغفار، وآخر قسم الله تعالى له من التهليل والتحميد ما شاء، وهنا تتتحق الخصوصية للعبد السائر على درب السنة، بحيث يستطيع أن ينتخب من عبادات التطوع ما هو أصلح له في دنياه وآخرته، ويتنوع صلاح كل منهم بذكر مشروع، أما في حالة معارضة هذه السنن المطلقة في الشرع بمقولة: لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم، تتعطل الحكمة والسنة والرحمة وصلاح الناس بالمداومة على العبادات المشروعة، ويصبح المنكر معروفا والمعروف منكرا.

تاسعا: مقولات خطيرة على الشريعة:

من هذه المقولات، تخصيص الشريعة بالعقل، أو نسخها بها، أو قصرها على التاريخ، ولكن هذه المقولات واضحة العَوَر من الناحية الشرعية، ولكن أخشى أن تكون مقولة (لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم) وجعلها مصدرا للشريعة ومنهجا فيها، فتنة زبَّاء ذات وَبَر، فقد جاء في تهذيب اللغة للأزهري:  وَيُقَال للدّاهية المنكَرة: زَبَّاءُ ذاتُ وَبَر، …وَسُئِلَ الشعبيُّ عَن مَسْأَلَة غامضة فَقَالَ: زَباءُ ذاتُ وبر، لَو وَرَدَتْ على أهل بَدْرٍ لأعضَلَت بهم، أَرَادَ أَنَّهَا مُشكِلة، شَبّهها بالناقة الشّرود لغموضها ا.هـ ولا شك في خفاء هذه المقولة وخطورتها على كثير من الشباب المسلم، الذين نعرف حرصهم على السنة، ولكنهم وقعوا فيما خافوا منه، وأصبح حالهم كمُجِير أم عامر، وهي أنثى الضَّبُـع تؤويها إليك وتحسن إليها، ثم تأكلُك.

يفضل الاطلاع على القراءات السابقة، وهي:

الجزء الأول:  مدى حجية مقولة (لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم)… وتساؤلات في أصول أهل السُّنة

الجزء الثاني: عودة إلى مقولة لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم أصل الحقيقة الشرعية ورفع اليدين في دعاء التشهد!!!

وكتبه الفقير إلى عفو ربه غفر الله له ولوالديه

د. وليد مصطفى شاويش

في عمان المحروسة ، الجمعة المباركة

8-4-2016

2 thoughts on “الجزء الثالث: عودة إلى مقولة لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم التزام وِرد من الأذكار، هل هو سنة أم بدعة؟

  1. أبريل 8, 2016 - غير معروف

    اللهم افتح ابواب الخير على اخي العزيز الدكتور وليد….تلميذك الشيخ ابراهيم بني حمد الافتاء

  2. أبريل 8, 2016 - WALID

    ولك مثلما دعوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top