الجزء الأول: ما سبب الاضطراب في الفتوى حاليا؟ ليس الخطأ في الكلي كالخطأ في الجزئي تكفير المسلم تارك الصلاة تكاسلا نموذجا

كتبت سابقا في مسألة تكفير تارك الصلاة تكاسلا، وأن مدارس فقه السلف الأربع متفقة في أن مجرد الترك تكاسلا لا يخرج من الملة، وبينت قيود مذهب الإمام أحمد في الرواية المعتمدة، وهي أن الترك نفسه ليس كفرا، ولكنه يكون كافرا بعد أن يدعوه نائب الإمام للصلاة، فيأبى ويفضل أن يُقتل على أن يصلي.

وليس حديثي اليوم في الجزئيات ونقاش الأدلة التي استدل بها أئمة السلف في موضوع تارك الصلاة تكاسلا، فقد وضحته سابقا، ولكن الذي سأتساءل عنه اليوم هو: لماذا هذا الارتباك في كثير من أحكام الشريعة، والتفرق في الدين، ومنها مسألة ترك الصلاة تكاسلا، مع أن مدارس فقه السلف الأربع لا تعتبر مجرد الترك تكاسلا خروجا من الإسلام، وهذا يستدعي بعض الأسئلة:

ما الذي حمل المجتهدين من أئمة السلف على عدم تكفير تارك الصلاة بالرغم من وجود نص ظاهر صحيح  يصرح بكفر تارك الصلاة مطلقا دون تمييز بين جاحد ومتكاسل؟

ولِم شاع في الخلف القول بكفر تارك الصلاة تكاسلا وهجرت أقوال مدارس فقه السلف الأربع؟

فهل هجَر سلفنا الصالح الحديث –حاشاهم- أم أن الخلف الذين كفروا تارك الصلاة تكاسلا  عرفوا من الشرع ما لم تعرفه مدارس فقه السلف العلمية، وأين هو مكمَن الخلل فعلا؟ وهذا ما سأحاول الإجابة عليه، هل الإشكال في المنهج وكليات الاجتهاد؟ وبناء عليه فإن علينا أن ننتظر الكثير من الأخطاء بل الخطايا،  أم هو خطأ في مسألة بعنيها، وهو خطأ في جزئي ويمكن أن نغلق ملفها وننتهي منها؟!

أولا: التوضيح بمثال على الكلي والجزئي في الواقع:

1-إذا كنت لا تعرف جامعتك التي قُبلت فيها، وأردت الذهاب إليها للمرة الأولى، وقيل لك هناك لافتات على الطريق، وعليك أن تتبع تلك اللافتات، واحدة بعد أخرى، فإنك ستصل إلى المراد وهو الجامعة، وحين تسلك  الطريق متتبعا تلك العلامات المنصوبة على الطريق للوصول إلى الجامعة، فإنك ستجد إحداها توجهك يمينا والأخرى يسارا، وغربا وشرقا وجنوبا حتى تصل مرادك وهو الجامعة.

فكل لا فتة من تلك اللافتات المنصوبة لتدلك على مرادك هي بمثابة دليل جزئي، لا يكفي وحده أن يوصلك للمراد، ولكن عليك أن تتبع اللافتات الأخرى أيضا، وإن وقفت على علامة واحدة منها فإنك لن تصل أبدا، وكذلك حبات الفيسفساء لن تشكل اللوحة الجميلة إلا إذا جمعها الكلي بشكل متناسق، وعندئذ تظهر الصورة المتكاملة، بعد جمع الجزئيات في إطار جامع، وهذا توضيح الحزئي.

2-أما الكلي فهذا يعني أنك يجب أن لا تعتمد لافتة بعينها وتقف عندها، بل عليك بالأخذ بجميع العلامات المنصوبة على طريق الجامعة واحدة تلو الأخرى حتى تصل لمرادك،  هذا يعني أن الكلي هو كخيط السبحة الذي ينظم حباتها في شكل متناسق وجميل، فإن انقطع سلكها تناثرت حباتها، وفقدَت اتساقها وجمالها، والكلي أيضا كجمع حبات الفسيفساء، بحيث تعطي الصورة المرادة منها، فإن جمعت بغير اتساق ونسق كان شكلا مشوها، باختصار الكلي هو الذي سيرتب الجزئيات في صراط مستقيم متآلف.

 ثانيا: مثال الكلي والجزئي في الشريعة:

1-إن أدلة الشريعة التفصيلية من آية أو حديث، كحبات السُّبحة المزركشة، وحبات  الفسيفساء الجميلة، وعلامات الطريق الهادية إلى المراد الإلهي، فهي من حيث هي لا يظهر المراد  الإلهي من دليل واحد، كما أنك لا تصل لجامعتك من لا فتة واحدة، بل إن المراد الإلهي يكون باتباع جميع اللافتات الموصلة لمراد الشارع، وأن العكوف على جزئي من جزئيات الشريعة يعني عدم الوصول لمراد الشارع، الذي لا يتضح إلا باتباع جميع اللافتات على الطريق، وأن الاكتفاء باتباع واحدة منها لا يوصل للمراد الإلهي، والعاكف على دليل واحد لا يُلام في استمساكه بدليل واحد؛ لأنه آخذ ببعض الحق، بل يلام في هجره الأدلة الأخرى،لأنه لم يصل إلى مراد الله تعالى بسبب عدم جمعه أدلة الشريعة التي ينظِمها الكلِّي، ويصبح جمع الأدلة بالنسبة للمجتهد، بمثابة خيط السبحة الناظم لحباتها، وجمع حبيات الفسيفساء في الشكل الجميل، وإطار الصورة الجامع لشتاتها.

2-وهذا الجمع بين نصوص الشرع هو مهمة المجتهد في الشريعة، الذي يجمع أدلة الشريعة التفصيلية من آية وحديث، ثم يجمع بين الحزئي التفصيلي والمقصد الشرعى ومآلات الأفعال، يعني قبل أن يبدأ المجتهد بنظم حبات السبحة الجزئية في خيط الكلي يراعي ما يأتي:

أ-وضع مقاصد الشريعة نصب عينيه، قبل الاجتهاد، وهذا هو الكلِّي الأول.

ب-الجمع بين الأدلة الجزئية، وهي النصوص الشرعية الدالة بمجموعها على مراد الله تعالى، كمجموع اللافتات بالنسبة للطالب للوصول للجامعة.

ج-النظر في المآلات (العواقب والآثار المترتبة على تطبيق الحكم الشرعي).

د- ثم ينظِم المجتهد الكليات الثلاث في الكلي النهائي، الذي يظهر فيه مراد الله تعالى ورضاه، ويكون هو الحكم الشرعي الذي هو مراد الله تعالى.

ثالثا: المشكلة اليوم هي في الاختلال بين الكلي والجزئي:

1-اختلال الجمع بين الأدلة هو اختلال في كُلِّي:

عندما تنظر في حالة الارتباك والتضاد في الفتوى في واقعنا المعاصر وتتأمل فيها، ترى أن سبب الشقاق هو التعامل مع الأدلة التفصيلية آية أو حديثا داخل غرفة مغلقة أمام النصوص الأخرى، فعلى سبيل المثال، من كفر تارك الصلاة تكاسلا، حمل أحاديث في الكفار ونزلها على المسلمين بسبب اختلال في كلي، وليس لأنه لا دليل عنده،  بل عنده دليل وهو: حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة “، لكن القائل بتكفير المسلم تارك الصلاة تكاسلا، لم يستكمل عناصر الاجتهاد الماثلة في الكلي: وهو الجمع بين الأدلة، وهذا يعني أنه طرح أدلة أخرى، كالطالب الذي وقف عند لا فتة واحدة من اللافتات الموصلة للجامعة، ولم يستكمل النظر في اتباع اللافتات الأخرى، وسأقتصر هنا على دليل واحد محكم غير قابل للتأويل والنسخ يثبت إسلام تارك الصلاة، قد هجره الذي كفَّر المسلم تارك الصلاة تكاسلا، وهو ما يأتي.

 – اختلال الكلي (الجمع بين الأدلة) في تكفير تارك الصلاة تكاسلا:

جاء في صحيح مسلم  عن أبي سعيد الخدري …. فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير  فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا … فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما … يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه…

وهذا الحديث الطويل عند مسلم يبين أن شفاعة الله تعالى تنال من المسلمين الذين لم يعملوا خيرا قط في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه) ولكن ذلك يكون بعد شدة من العذاب تنالهم، ومعروف أن هذا الحديث محكم لا يقبل النسخ ولا التأويل، وهو أن شفاعة الله تعالى التي هي أعظم شفاعة تدراكت مَن لم يصل قط، ولم  يعمل صالحا قط، وبالإجماع أن الجنة حرام على الكافرين، لا يخرجون منها أبدا، تبين أن تاركي الصلاة تكاسلا هم مسلمون، ويُحمل ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من إطلاق الكفر عليه على كفر النعمة لا كفر الملة، جمعا بين الأدلة في السنة، وأنه لا يجوز طرح الدليل الشرعي حيث أمكن الجمع وهذا هو جوهر عمل المجتهد.

2-الاختلال الكلي الثاني: عدم تفسير النص المتشابه على ضوء النص المحكم:

معنى هذا الكلي أنه إذا ورد نصان شرعيان أحدهما محتمل والآخر غير محتمل في محل البحث وهو هنا ترك الصلاة، فلا بد من تفسير المحتمِل (المتشابه) على ضوء المحكم غير المحتمل (المحكَم)، والحديث المصرح بكفر تارك الصلاة محتمل لتركها تكاسلا وتركها جحودا، ومن ثم هو متشابه، أما حديث الشفاعة فهو محكم مصرح بدخول تارك الصلاة الجنة بعد دخوله النار، وحديث الشفاعة محكم غير قابل للتأويل لأن جاحد وجوب الصلاة كافر بإجماع، فتعين أن يكون حديث الشفاعة في التارك تكاسلا، للإجماع على أن الكافر كفرَ ملة لا يدخل الجنة، وبناء عليه يجب حمل حديث جابر في كفر تارك الصلاة على الجاحد، جمعا بينه وبين الحديث المحكم وهو حديث الشفاعة، وفي حالة حمل الحديث المصرح بكفر تاركها على التارك تكاسلا، يعني رد حديث الشفاعة، وهنا تم ضرب الأدلة الشرعية بعضها ببعض، بسبب الاختلال بين الكلي والجزئي، خلافا لما فعله السلف من الجمع بين الكلي والجزئي في تفسير المتشابه (المحتمل) على المحكم (غير المحتمل) .

3-الاختلال الكلي الثالث: التكفير من غير إجماع:

من المعلوم أنه لا تكفير إلا بإجماع على أن الفعل يكفر صاحبه كسبِّ الله ورسوله، والاستهزاء بهما على سبيل المثال، وتارك الصلاة تكاسلا لا يكفر بمجرد الترك على مدارس فقه السلف الأربع المتبوعة، التي تمثل جماهير المسلمين، فكيف يمكن مخالفة هذه المدارس المتبوعة بأقوال شاذة تهدم الكليات وتصبح هي الأصل وتصبح مدارس فقه السلف نسيا منسيا.

     وقد تركت كليات عديدة رغبة في الاختصار، ويلاحظ أن من كفّر المسلم المقر بوجوب الصلاة، التارك لها تكاسلا، قد حطَّم العديد من كليات الشريعة في الاجتهاد وأهدر نصوص الشريعة وجهود أهل الحديث، ولوأنه اتبع مدارس فقه السلف لوافق الدليل، ولو أنه أصاب الدليل لوافق مدارس فقه السلف رضوان الله عليهم أجمعين، ولكنه جنحت به الأدلة لعدم مراعاة الكليات، فخالف الدليل، وخالف السلف، وحطَّم كليات الاجتهاد في الشريعة، وترتب على قوله آفات اجتماعية لا تخفى، وكان خيرا له أن يراعي كليات الاجتهاد وهو أن يستكمل النظر في جميع اللافتات الهادية على المراد، أما لو أنه جمع الأدلة، وتقفى آثار السلف، وحافظ على أصول الاجتهاد، ما وقع فيما وقع فيه، من خطيئة تكفير المسلم، وما يترتب عليها من آثار.

رابعا: ماذا يترتب على اختلال الكلي مع الجزئي في الاجتهاد:

وضَّحت أن الكلي: هو اجتماع مقاصد الشريعة، مع النظر في الأدلة التفصيلية وجمعها، وفي مآلات الحكم الشرعي، ولا شك أن مثال الصلاة حصل الاختلال فيه في كلي، ألا وهو عدم الجمع بين الأدلة حيث تم تنزيل حديث في الكافر الجاحد على المسلم المتكاسل بسبب رد حديث الشفاعة لأبي سعيد رضي الله عنه، وهذا يعني الآتي:

1-إهدار جهود أهل الحديث الذين أفنَوا أعمارهم في حماية الحديث وحراسته، وبعد أن قاموا بواجب السنة خير قيام في حراستها، جاء بعد ذلك نظر لم يراعِ الجمع بين الأدلة، بل أخذ بظاهر دليل ورد آخر نتيجة لذلك، مما يعني أن الاختلال في الكلي في الاجتهاد، يهدم جهود أهل الحديث الذين جمعوا الصحيح وبينوه، وهذا ليس في الصلاة فحسب، بل هو طريقة منهجية في اتباع ظواهر اللفظ ورد نصوص الشريعة الأخرى.

2-إشاعة الاضطراب في الفتوى، ويصبح كل واحد آخذا بدليل طارحا الآخر وهكذا، وكلّ معه بعض حق، ويصبح كل واحد ينكر على الآخر بسبب إهدار الكلي والتحجر على دليل وطرح آخر، وهو الذي يجمع النصوص، ويظهر انتظام الشريعة، مثل القِدَّة (كالمسطرة) التي يستخدمها البناء ليخرج بناؤه مستقيما صحيحا.

3-بما أن الآخذ بدليل والهاجر لآخر هو مستمسك بظاهر نص، فإنه يضفي على شخصه شرعية النص، ومع انتشار هذه الحالة يصبح المجتمع الإسلامي مضطربا بسبب هذه التناقضات، ويتساءل العامة هل ديننا بهذا التناقض؟! ويتطرق الشك للشريعة بسبب فوضى النظر في الأدلة وعدم استكمال مراحل الاجتهاد وعناصره.

4-إقحام الاختلال على الشريعة إجباريا بسبب عدم استيفاء عناصر الاجتهاد في المقاصد والجزئيات والمآلات، وضياع المرجعية السُّنية الواضحة، بسبب التفرق والنزاع، مع أن الكتاب والسنة في نفسهما بيان واضح، وليس فيهما بل في المتأخرين الذين تفرقوا واختلفوا بسبب عدم إعطاء الاجتهاد حقه ومستحَقه.

5-ظهور الجماعات المتضاربة بحجة أن كلا واحد معه نص، ولكن مع الأسف لم يتم النظر إلى الكلي الناظم للأدلة، ولم تستكمل عناصر الاجتهاد، وحسب كل منهم أنه على شيء، ولكنه قد هجر نصوصا شرعية أخرى.

6-إن الحكم على الأدلة الشرعية كتابا وسنة بالرد أشد من الحكم في دماء الناس وأموالهم، ذلك لأنه حكم على كلام الله تعالى وكلام رسوله، والجرأة على ذلك أدت إلى شيوع التفرق في الدين الذي نراه اليوم.

خامسا: اجتهاد مدارس فقه السلف الأربع اجتهاد جماعي معتبر :  

يتضح أن المدارس الفقهية الأربع التي لم تكفر بمجرد ترك الصلاة قد استكملت عناصر الاجتهاد جميعا وهو الجمع بين الأدلة، وهي آخذة بزمام الكلي الجامع بين الأدلة وتأولت ما ورد في كفر تارك الصلاة من نصوص على وفق نصوص شرعية أخرى، وليس اتباعا للهوى، فهُم أعملوا الأدلة جميعا، فما ورد في الكفر حمل على حقيقته في الجاحد، وعلى كفر النعمة غير المخرج من الملة في المسلم المتكاسل، توفيقا بين حديث جابر وحديث أبي سعيد السابقين على سبيل المثال، فهم أعملوا جميع الأدلة، ولم يطرحوا واحدا منها، أما الذين كفَّروا المتكاسل فقد أخَلُّوا بالكلي، وهو الجمع بين الأدلة حيث ردوا حديث أبي سعيد في شفاعة الله تعالى لمن لم يعملوا خيرا قط من أهل الإسلام.

النتيجة: إن كثيرا من الاضطرابات في الفتوى لدى الخلَف، هي نتيجة اختلال في كليات الاجتهاد، وليس لتضارب الأدلة الشرعية، وهذا الاختلال سينتج لنا فتاوى مضطربة بصفة مستمرة، وينتج التفرق في الدين  بسبب الإخلال في كليات الشريعة في مبحث الاجتهاد، ونصوص الشريعة لا علاقة لها بهذه الفرقة.

ملاحظات:

مقالة ذات علاقة: حوار مع أخي (15) هل تارك الصلاة تكاسلا كافر، أم مسلم من أصحاب الكبائر؟

وكتبه الفقير إلى عفو ربه

د. وليد مصطفى شاويش غفر الله له ولوالديه

عمان المحروسة

صبيحة الجمعة المباركة بتاريخ: 6-5-2016

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top