اشتراط الحول والنصاب في الزكاة

الصوتية 39: اشتراط الحول والنصاب في الزكاة:
من شروط الزكاة ملك النصاب، وهو الحد الشرعي الذي إذا بلغه المال وجبت فيه الزكاة، ولكل نوع من الأموال نصاب، فنصاب الإبل خمس وتضم الإبل ذوات السنام الواحد إلى البخاتي وهي ذات السنامين، ومن الشياه أربعون، وتضم الماعز إلى الخراف، ويُعَد الصغير والكبير، والنصاب في البقر ثلاثون ويعد العجل الصغير، ولكن من عنده ثلاث من الإبل وعشرون من الشياه، وخمس وعشرون من البقر، فلا تجب عليه الزكاة، لأن هذه الأجناس مختلفة لا يضم بعضها إلى بعض، ومن الفضة مائتي درهم فضة، ودرهم الفضة يساوي 3.9 غم، وعشرون دينار من الذهب، ودينار الذهب يساوي: 4.25 غم، والمعتبر الذهب الخالص عيار 24، حيث يضرب وزن الذهب في عياره مقسوما على 24، ومسألة حساب النقود القديمة من الذهب والفضة أصبحت مسألة تاريخية وقد حل محلها العملة الورقية، ويقدر نصاب العملة بنصاب الذهب الخالص 24، وعروض التجارة تقيم بنصاب الذهب كذلك بالنسبة للنصاب، فإن زادت العروض على نصاب الذهب وجبت الزكاة، ولا تحسب المقتنيات من حاسوب، ورفوف، وحول عروض التجارة هو حول أصل المال، أما نصاب المزروعات فهو خمسة أوسق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وتبلغ تقريبا بالوزن 650 كغم.
الشرط الثاني: حولان الحول: وهو السنة القمرية وتقل عن السنة الشمسية بعشرة أيام تقريبا، وكل ست وثلاثين سنة هجرية تساوي خمسا وثلاثين سنة شمسية، فمن أخذ بالتقويم الشمسي في الزكاة أضاع زكاة سنة في كل خمس وثلاثين سنة تقريبا، واتفق العلماء على أن المزروعات لا يشترط لها الحول، ووقتها هو وقت الحصاد لقوله تعالى: وآتوا حقه يوم حصاده، أما المعادن فعند الاستخراج، وكذلك الركاز وهو دِفن الجاهلية، وهي الدفائن التي عليها علامات الجاهلية، فيخرج منها الخمس، أما الدفائن التي عليها علامات المسلمين، فهذا حكمه حكم اللقطة، ولا يجوز أخذه إلى بنية دفعه في منافع المسلمين، من المساجد والمستشفيات، ولا يشترط لحول في الركاز والمعادن لتمام النعمة فيها، بخلاف التجارة فلا تتم النعمة إلى بالنماء وتقليب هذه الأموال في التجارة واشترط الحول.
ملك رجل النصاب من النقود وحال عليه الحول وهو بيده، ونما منه ربح باتفاق العلماء أن هذا الربح يزكى مع أصل المال، لأن الربح يضم للأصل، ولا يشترط مضي حول على الربح، ويكتفى بالحول للأصل، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وهذا إذا كان الربح والمال من الجنس نفسه، كالنقود، دولارات ودنانير، فتعتبر العملات جميعا جنسا واحدا، وإذا ملك رجل ألفي دينار في الأول من محرم ولم تبلغ نصابا، وقلَّبها في التجارة، وبلغت في العام المقبل نصابا، فتجب فيها الزكاة عند مالك ولو لم تكن نصابا عند بداية الحول وهذا في التجارة حيث تولد النصاب والربح من المال الذي كان أقل من النصاب، ولكن ماذا لو ملك إنسان النصاب وراتبه الشهري ألف دينار، والراتب هو أجرة ليست متولدة من التجارة بالمال الذي هو أقل من نصاب، فإذا قلنا ملك النصاب انعقد الحول، وعند أبي حنيفة حول هذه الرواتب هو الخمسة آلاف ولو لم تتولد من الخمسة آلاف، ثم نأتي السنة التالية ونقول له على مذهب أبي حنيفة تضم الرواتب ولا تستأنف لكل راتب حولا جديدا، وحولها جميعا حول الخمسة آلاف التي ملكت فيها النصاب، وهذا مذهب أبي حنيفة أسهل في التطبيق المعاصر.
بعض الناس لهم تصرف غريب وهو إخراج الزكاة فور استلام الراتب، وهو من الورع الذي ليس من الدين، ويجوز ذلك على الصدقة النافلة، أما على أنه زكاة مفروضة فهذا لا يجوز، لأنه غير موافق للشرع، وهو غلو في الدين، وهو أن يبلغ حدا لم يبلغه الشارع، ولا يؤخذ الشرع بمحض العقول، بمعنى النظر بالذوق الشخصي.
أما الشافعية فيمن ملك النصاب وله استفادات كرواتب، فيستأنف لكل استفادة من الرواتب حولا جديدا وتزكى عند رأس الحول لكل راتب مثلا وليس حول الخمسة آلاف، ولو لم يبق منه نصاب، لأنه ملك النصاب بالخمسة آلاف، وكذل لو امرأة جاءها مهر، أو بدل خُلْع لرجل، أو دِيَة، وهذه كلها استفادات غير متولدة من الخمسة آلاف في المثال السابق.
مثال: ملك رجل خمسة آلاف في 1 محرم، هذا الرجل يأتيه راتب شهري كل شهر ألفا دينار، في السنة أحد عشر شهرا في السنة القمرية إذا كانت الرواتب على آخر الشهر الشمسي كما هو معتاد، وورث عن أبيه عشرة آلاف دينار، وخالع زوجته على خمسة آلاف دينار، وبلغت نفقاته على أولاده عشرة آلاف دينار، نأتي بسلة سنوجب فيها الزكاة ،وسلة أخرى لا زكاة فيها، 5000 وديعة+ 22000+ 5000 خلع+ 10000 ميراث وتطرح منها النفقة 5000 دينار، الباقي 32000 دينار،وهذا على مذهب أبي حنيفة في ضم الاستفادات إلى أصل المال.
نحن لا نسأل أحدا عن حركة المال خلال العام، ولكن هل يجب أن يبقى ملك النصاب مستمرا، بمعنى يقطعه النزول عن النصاب، فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن النصاب ينقطع إذا قل عن النصاب في طرفي الحول وذلك في غير مال التجارة (سيأتي الحديث عن الحول في مال التجارة)، وذهب الحنفية إلى أن العبرة بطرفي الحول، بصرف النظر عن جميع الحول، والزكاة شكر للنعمة والغني والفقير كلاهما مبتلى، وابتلاء الغني أشد، لأن المال سبب من أسباب القوة التي تؤدي إلى طغيان الإنسان، والغني المزكي هو المستفيد من الزكاة لأنها تتطهره من الشُّح، والشح هو منع أصحاب الحقوق حقوقهم، واعتبر الشافعية أن الزكاة أقوى الديون، فمن مات وعليه دين الزكاة ، تخرج الزكاة وتقدم على سائر الديون، لأن فيها حق الله وحق العبد، وهي أموال الفقراء تخرج من التركة، وأموال الزكاة هي مستحقات على الغني وتعد ديونا، وتسقط عن المال على أنها ديون حالة، ومع الأسف الشديد أن الزكاة هي ديون الفقراء اختلطت بأموال الأغنياء، وهذه أموال الفقراء والمرضى، وأعْدَل حرب شنتها البشرية بعد رسول الله صىلى الله عليه وسلم حرب أبي بكر على مانعي الزكاة، وهي تكفل الاستقرار، قال تعالى: (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)، وكان العرب مزهوين بهذه التجارة، يقول الله لهم: (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) فَسَدُّ الحاجة هو مقدمة الأمن، والزكاة هي سبب الأمن، ويجب أن تُـحيا، وربما نجتهد في العبادة، ولكن ننسى أخت الصلاة وهي الزكاة، فكيف تصلي ولا تزكي، والاختبار في العبادات المالية أخطر، وقد يمنعها الإنسان إلا أن تتداركه نعمة من ربه، فمن المسارعين إلى العبادة البدنية -للأسف- متقاعس في الزكاة، مع أن الزكاة نفعها مُتَعَدّ، وكثيرا ما نسمع العدالة الاجتماعية، فترى غنا فاحشا وفقرا مدقعا، لأن الثروة حبست عند الغنى الفاحش، ويتحول الإنسان مجرما بعد أن كان بسيطا بريئا ولكن الحاجة هي التي أدخلته في باب الحرام، ولو سدت حاجته لأغلقنا بابا من أبواب الشر، وأفضل من الانشغال في موضوعات موغلة في التفرع، ونحن بالزكاة ندفع القليل لتحقيق الاستقرار الكبير، أفضل من منع القليل ثم تدفع للاستقرار الكثير، والزكاة تعظم المنفعة لأنها تعظم المنفعة للفقير حيث يشتري ضروراته، وهي لا تشكل منفعة للغني في استهلاكها، ولكنها تعظم منفعة للغني في رضا الله، ففي الزكاة تعظيم للمنفعة للفقير والغني معا، وعلينا جميعا أن نبادر للحث على هذه الفريضة.
والله هو الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top