إجماعات الشريعة في مواجهة الباطنية الجدد وملاحظات في المنهج الحجاب، الميراث، عذاب القبر …

أولا: تمهيد:

كتبت سابقا حوارا حول عقيدة عذاب القبر، في ضوء النصوص الشرعية، مما يعني أنني كتبت في الجزئي الخاص لا في الكلي المنهجي، وأحببت أن أكتب الآن نقاطا في المنهج، نظرا لأن الصَّراعات التي يخرج بها محبو الغرابة والإدهاش هي نتاج اختلال في المنهج، وليس محمد شحرور، وعدنان إبراهيم وغيرهم إلا نتاج اختلالات منهجية، وليس في إشكالات جزئية، وإن الحسم معهم يكون من داخل المنهج، لا من خلال النصوص التفصيلية الظاهرة المحتملة، بل إن محاولة الحسم من داخل النص ذي الدلالة الظنية، سيبقي باب الشك والسجال مفتوحا، ولكن الصحيح هو الكشف عن المنهج الكلي التي تنخرط في الجزئيات، لا الغرق في حرب الجزئيات.

ثانيا: الشُّبه الفكرية اليوم نتاج هيمنة عولمة المادة:

في الحقيقة نحن اليوم نحن أمام حالة مختلفة، فبعض من ينكر عذاب القبر لا يعرف شيئا عن المعتزلة وآراءهم الكلامية، بل لا يحسن أن يعرف أسماء المعتزلة أو يقرأ سطرا في كتبهم، وفي الواقع نحن أمام فلسفة مادية حسية دنيوية غربية، تتحكم في وضع مناهج البحث والنظر، ويتأثر بعض طلاب الجامعات بتلك المناهج القائمة على المادة والشك.

     فمثلا يزعم بعض منكري الغيبيات مثل عذاب القبر ووجود يأجوج ومأجوج أن المسح الجيولوجي والأجهزة الدقيقة تنفي هذه الغيبيات، أما موضوع الحجاب فهو أكبر مؤشر على أننا أمام حالة فكرية لا علاقة لها بتاريخ الطوائف، إذ إن إنكار الحجاب يأتي في سياق العولمة الثقافية التي تريد أن تمارس القص واللصق، لإنتاج إسلام حسب الطلب، يتسول أصحابه اللجوء الثقافي على أعتاب العولمة، عبر خديعة الرأي والرأي الآخر، وحرية الإبداع التي لا تراها في المختبر، وإثارة الكراهية، واستخدام هذه المقولات جُـنَّـة للصَدِّ عن الحقائق الشرعية.

ثالثا: إخضاع النص الشرعي لطريقة القَسّ مارتن لوثر:

بناء على حرية الرأي والتعبير،  يتم إخضاع النصوص الشرعية التي في أغلبها ظنية الدلالة، أي  لها معنى راجح وهو الظاهر المتبادر ومعنى مرجوح وهو التأويل، حيث يتذبذب هؤلاء الماديون في تلك النصوص المتشابهة، لخدمة فلسفتهم المادية القائمة على الشك في الغيب والنص الديني، ويتأثرون بطريقة القس مارتن لوثر في تفسير النص الديني بما يقع في النفس، ولا يوجد حقيقة مسلَّمة، بل كلٌّ له ما يشاء من القناعة في النص الديني، مما يعني أننا أمام واقعة جديدة من حيث المنهج، لكنها متوافقة مع أقوال عُرفت في تاريخ الإسلام، وعليه فهؤلاء المنكرون للحجاب ليس لهم أصل تاريخي، ولكنهم ظاهرة لوثرية ديكارتية تنام وتستيقظ في الشك.

رابعا: لا تنظر للجزئي وعليك بالكلي:

إن مسألة إنكار الحجاب، أو عذاب القبر، أو التلاعب بآيات الميراث، أو إبطال رسالة الإسلام بالقول بإيمان الكافرين الذين بلغتهم الدعوة صحيحة وعاندوها، كلها تقوم على طريقة واحدة، هي إخضاع السلوك الإنساني للتفسير المادي، فالشذوذ الجنسي بزعمهم- فرضته الجينات، وأما الأفكار فهي تفاعلات كيماوية، والحروب حتمية بشرية، والفقر جبرية اقتصادية، هذه كلها قائمة على فلسفة مادية، تريد هدم جزئيات شرعية يترتب بعدها إضعاف كليات الإسلام الجامعة للأمة، لأن الهدم يسير وفق حالة نمطية أدمنت على الشك والإنكار، تشك دائما ولا تثبت شيئا، فهي حالة لا أدرية سوفسطائية، تريد أن تفرض نفسها على منهجية الشريعة، وتحويلها إلى وجهة نظر شخصية، ورؤية فردية، تتسول على أعتاب العولمة الغربية، وصالحة لتكون جزءا من تلك العولمة.

خامسا: وفيما يأتي أكتب نقاطا مختصرة في المنهج:

إن تحول الغرب إلى إرساء عطاء الهدم لمقاولي التفسير الاعتباطي للنص الشرعي، بدلا من المستشرقين كان طورا متقدما في خبرة الهدم، بعد فشل القصف العشوائي للمستشرقين من الخارج، فجاءت محاولة الهدم من داخل النص الشرعي، مما يعني أنه لا بد من الانحياز إلى كليات واضحة صالحة لرد جميع التفاسير الاعتباطية، التي يقدمها متعهدو الإبداع، ومقاولو ثقافة الهدم، وفيما يأتي أعرض نقاطا في المنهج، صالحة لتعطيل جرافات العولمة الي يقودها بعض الملتحين أحيانا:

سادسا:يعتمد مقاولو الهدم على ظاهر نص ويهجرون ظاهر نص آخر:

1.   إن دلالة النصوص الشرعية ظنية تحتمل معنى راجحا متبادرا ومعنى آخر مرجوحا متأولا.

2.   إن مراد الله تعالى لا يظهر بنص واحد بل بمجموع النصوص، وهذا المجموع هو الذي يحدد المراد الإلهي.

3.   كل نص شرعي لا بد أن يأخذ مركزه الصحيح بين جميع النصوص الشرعية كما لوكانت لوحة فسيفساء لا تغني قطعة عن أختها ولا تصلح إلا في محلها، ضمن الإطار العام لكليات الشريعة، التي تمثل الإطار الخارجي للوحة.

4.   تتعدد اجتهادات المجتهدين بحسب دلالات النصوص الظاهرة وتأويلها، فإن اتفقوا على معنى فهو إجماع، وهو يمثل أيضا كليا رئيسا من هذه الصورة، وتفسير النص مع خرق الإجماع، هو إخراج النص من إطار الصورة الكاملة، وهو ضرب من العبث .

سابعا: الغلو في الظاهر هجر لظاهر آخر:

إن الطريقة التي شاعت في المجتمع السني بناء على ظاهرة  فقه الدليل، مع إقصاء المنهج الفقهي الأصولي، أدى إلى تفسير النصوص الشرعية تفسيرا نفسيا، ولما كانت دلالات نصوص الكتاب والسنة ظاهرة قابلة للتأويل بمعنى آخر مرجوح كالعام ظاهر والخاص تأويل، تم هدم النصوص بسبب كونها محتملة لمعنى راجح ومعنى مرجوح، وكان الحسم ممكنا من داخل أصول الفقه لا من داخل النص ظني الدلالة، وأصبحت حالة فقه الدليل مع إقصاء المدرسة السنية في مذاهبها الأربعة أصولا وفروعا، هي حالة فراغ عام أدت إلى نشوب صراعات داخل البيت السني واستيراد ألقاب الطوائف خارج البيت السني إلى داخل البيت السني، وظهرت  اتهامات خوارج، مرجئة، جهمية، مشركين، في مساجدنا، ناهيك عن الصراع المخترع بين الصناعتين الفقهية والحديثية، نتيجة محاولة الفتوى من داخل النص الظن وإقصاء أصول الفقه والمذاهب المتبوعة، مما أدى إلى تضارب الظواهر، وفشو التدين الفردي المتضارب.

ثامنا: تفجير النص الشرعي من داخل البيت السني:

إن المرحلة السابقة كانت من داخل الوسط السني، وأدت إلى تفجير نصوص الكتاب والسنة، وإفقادها فعاليتها، بسبب عزلها عن المدرسة السنية الفقهية والأصولية في مذاهبها الأربعة، وأصبح التدين الفردي فريسة العولمة نتيجة التوافق في الطريقة بين اللوثرية الغربية  بعيدا عن الإجماعات العقدية والأصولية والفقهية،  في المدرسة السنية الفقهية، ولم يكن التفسير النفسي يتجاوز الحكم من ظاهر النص بما يستقر في النفس.

تاسعا: المرحلة السابقة تأهيل لمرحلة التفسير الباطني:

 وقد أهّلت مرحلة الغلو في الظاهر  في داخل البيت السني إلى الجرعة الأعلى، بسبب شيوع الحالة في الفردية في النص، والعجز عن الجمع بين النصوص والأقيسة، أدت إلى ظهور موالي المستشرقين وعتقاء الغزو الاستعماري، لإعادة إنتاج إسلام متوافق مع مواصفات العولمة الغربية في التدين، حيث يتم توجيه الضربة إلى ثوابت وازنة في الفقه الإسلامي: كالغيبيات ومنها عذاب القبر، وإخضاعها لفلسفة المادية الغربية في الغرب، والحجاب بوصفه هوية مضادة للفكر اللاديني ونظرته للمرأة، والميراث بوصفه متعارض مع النظرة الاقتصادية الرأسمالية الغربية، التي تنظر إلى الأسرة على أنها وحدة اقتصادية، وأن أعضاء الأسرة هم شركاء في بقالة.

عاشرا: كيف يتشكل الإجماع:

1.   يتشكل الإجماع من مجموع دلالات النصوص بالإضافة إلى مجموع اجتهادات المجتهدين.

2.   بعد تشكل الإجماع من مجموع النصوص واجتهادات المجتهدين تنتقل النصوص الظنية واجتهادات الفقهاء الظنية أيضا إلى مرحلة القطع.

3.   يصبح بعد ذلك الإجماع أول النظر للمجتهد، قبل النظر في نصوص الكتاب والسنة، فإن وجد إجماعا حرم الاجتهاد، لأنه إن وافق الإجماع فتحصيل حاصل، وإن خالفه فاجتهاده باطل.

حادي عشر: مثال من الحس على طريقة تشكُّل الإجماع:

يمكن أن أشبه النصوص الظاهر القابلة للتأويل بين العام والخاص مثلا، بقضبان حديد البناء الذي يقبل الثني والقطع، فإذا صُبَّت عليه اتفاقات أئمة الاجتهاد أصبحا جسرا صُلبا لا يقبل الثني بالمرة، أما اجتهادات المجتهدين بلا مستند شرعي فهي كالإسمنت بلا حديد سهلة الكسر، وعليه، فإن الإجماع هو مجموع النصوص الظاهرة مع مجموع اتفاقات المجتهدين، فهو  لا يقبل الثني ولا للقطع، وهذه الإجماعات هي الأعمدة والجسور الأساسية التي تحمل بناء الشريعة، والتعرض لواحد من هذه الجسور والأعمدة كافٍ لهدم البناء كله.

ثاني عشر: الإجماعات هي سور لحماية أشجار النصوص الظاهرة المحتملة:

فإذا علمت ما سبق بيانه:

1.   تصبح الإجماعات أسوارا حامية لظواهر النصوص من العبث، وأسيجة مانعة من التسلل لثوابت الأمة.

2.   تمثل الإجماعات رماحا ذات أسِنّة حادة لحماية ظواهر النصوص، وتمنع من تحويل الإسلام إلى حالة السيولة، أو الحالة الغازية، بحيث يصبح قابلا للثني والطي، والزيادة والنقص، حسب رغبة الباطنية الجدد.

3.   ما يحدث الآن من العبث في العقيدة والشريعة، هو نتيجة القفز عن أسوار الإجماعات، والتسلل في ليل الجهل بالإجماعات إلى أشجار النصوص الظنية واختطافها، وتحويل الشريعة إلى رأي شخصي ووجهة نظر من خلال دلالة الظاهر المحتملة.

4.   أعمدة الإجماع قادرة على الوقوف في وجه جرافات العولمة الثقافية، وإن اللجوء للإجماعات كاف في وقف نزيف اختطاف النصوص فرادى، والتلاعب بظواهرها، ومحاولة حسم مادة النزاع من خلال النصوص الظاهر المحتملة مستحيل، ولا يكون إلا بالعودة للمحكَم.

ثالث عشر: هدى الله الأمة بالظاهر المحتمل:

بما أن النصوص ظاهرة تحمل معنى راجحا ومرجوحا، فقد هدى الله الأمة للإجماع بتلك الظواهر، مما يعني لا مشكلة في الظاهر إذا تم التعامل معه بمنهج العلمي فهو يوصل إلى الاتفاق، وإذا أردت المزيد فانظر التقنين الفقهي في المذاهب الأربعة، وهذا التقنين الفقهي فيما يعرف بالمتون الفقهية، هو نتاج النظر العلمي المنهجي في النص الظاهر المحتمل، وفي ضوء الإجماعات، وهنا تظهر حكمة الشارع في إنزال أدلة ظاهرة محتملة، تستثير عقول العلماء للبحث وبقاء باب الاجتهاد العلمي مفتوحا.

رابع عشر: يا ليت لنا مثلما أوتي القانون:

بالرغم من أن الأمة وصلت إلى إجماعات مهمة بواسطة مجموع تلك النصوص القابلة للتأويل، فإن هذه النصوص الظاهرة المحتملة نفسها كشفت المنافقين والذين في قلوبهم مرض، الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، من أعداء المحكم، وبعد أن ظهرت فوضى الفتوى على يد غلاة الظاهر بسبب هجران المدرسة الفقهية السنية بمذاهبها الأربعة، وتركوها وراءهم، أصبح الناس يقولون: يا ليت لنا مثلما أوتي القانون، فهو قاطع غير محتمل.

ولكنهم تناسوا محكمات الشريعة وعلى رأسها الإجماع، فهؤلاء نقول لهم ارجعوا وراءكم إلى مذاهبكم الأربعة فالتمسوا نورا، قبل أن يضرب بينكم بسور له باب، وإن رد النصوص الظاهرة المحتملة إلى الإجماع، هو رد المتشابه إلى المحكم، وإن المعاندين للإجماعات والعاملين على هدمها، يريدون أن يتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

خامس عشر: الخلاصة:

وعليه فإن الإجماع على عذاب القبر جسدا وروحا، والحجاب والمواريث إلخ…،  هو المحكم الذي تشكَّل من مجموع ومجموع اجتهادات المجتهدين، في مجموع النصوص الشرعية، وهو المحكم الذي يجب أن ترد إليه ظواهر الكتاب والسنة في عذاب القبر وغيره، وهو الذي يقطع النزاع عن الرد إلى الله ورسوله، وليس ظواهر النصوص المحتملة، لذلك يجب أن نحرس الإجماعات التي فيها قطع المنازعة، فإن هدمت  فهذا يعني أن لصوص المتشابه قد نفذوا إلى الظاهر المحتمِل، وعندها ندخل في حرب استنزاف لا نهاية لها في فهم الظاهر المحتمل، وستستمر تلك الحرب حتى نرجع إلى أسوار الإجماعات، ووقف تسلل لصوص المتشابه من عند سور الإجماعات قبل الوصول إلى النص الظاهر.

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

الجمعة المباركة

21-ربيع الأول-1440

30-11-2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top