أهمية علم الصرف في استنباط الحكم الفقهي هل كلمة (يِسْعِد الله) كفر أكبر

حدثني أحد الإخوة أنه بينما كان في الحافلة، وإذا بأحد اليافعين يوزع مطوية فيها جملة من الألفاظ التي لا يجوز تداولها فيما يعرف بالمناهي اللفظية، ولفت انتباهه كلمة يسعد الله، حيث كتبت في قائمة الكفر الأكبر المخرج من الملة لما تنطوي عليه من معنى أن الإنسان يؤثر في الخالق بأن يسعده، ومن خلال المتابعة في فضاءات التوصل، رأيت هذه المقولة تتكرر فيما يسمى المناهي اللفظية، بين قول بأنها كفر أكبر أو أنها قبيحة أو لم يرد بها الشرع، مع ديباجة معتادة من التهويل والتخويف من الله تعالى لكل من ينطق بهذه العبارة، فأحببت أن أكتب رسالة قصيرة في ذلك.

أولا: والله أنبتكم من الأرض نباتا:

أحاول في مقالتي هذه أن أتكلم بالأمثلة لا بالقواعد المجردة، ففي قوله تعالى السابق، أنبتكم من الأرض نباتا، أي وقع فعل الإنبات ثم حصل أثر الإنبات وهو النبات، أي صار المعنى حصل فعل الإنبات ثم حصل أثره وهو النبات، ولو قال والله أنبتكم من الأمر إنباتا، لكانت إنباتا مؤكدة للفعل، ولا تفيد حصول أثر الفعل وهو النبات، ويقال كذلك في قوله تعالى، (وأنبتها نباتا حسنا) أي حصل الإنبات الحسن وحصل أيضا أثره وهو  النبات الحسن، ونقول هنا: الإنبات مصدر، والنبات هو اسم المصدر.

ثانيا:( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ) (37، أل عمران)

والتقبل هنا وقع ثم وقع أثره وهو القبول، والقبول اسم للأثر الذي يجلبه المصدر تقبل، وهو مزيد فائدة للتأكيد أن أمر الله كان مفعولا، فجاء بتقبل وأن أثره حصل بلا شك وهو القبول، وما قلته في قوله تعالى( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) أقوله في قولها تعالى (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)، فقد وقع  المصدر وهو الإنبات  فترتب عليه أثره وهو النبات، ولذلك علاقة بالعقيدة في الإرادة الإلهية، ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) (47، النساء)، وهو أن إرادة الله نافذة وأن الله تعالى فعال لما يريد.

ثالثا: ما علاقة ما سبق  بمقولة (يسعد ربك):

1- (يِسعد ربك) فعل مضارع بكسر ياء المضارعة على لغة قبيلة كلب، والمصدر هو السَّعد، والسعد من ألفاظ التعبد في الإحرام، في قولنا: (لبيك وسعديك)، ويفسر النحاة ذلك بقولهم إسعادا بعد إسعاد، كما يعبر عنه النحاة، وأن التثنية على علامة التكرار، مثل حنانَيك، ودوالَيك، ولبيك.

 2-وقد ثبت أيضا فرح ربنا بتوبة عبده في صحيح البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم: لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة، ومعه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده “.

3-وهذا يعني أن  السَّعْد ومشتقاته مثل الفعل يِسعِد حاصلة في الدعاء الثابت شرعا يردده عامة المسلمين في حجهم وعمرتهم ، وأن المعنى أُسعِدك يارب فيحصل السَّعد، كما هو الحال في (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا)، فحصل النبات من أثر  الإنبات، وفي مثالنا حصل السعد من أثر الإسعاد.

جاء في لامية الأفعال لابن مالك:

وافتحْه متَّصلا بغيره ولغيـ   …ـر الياء كَسْرا أجِز في الآتي من فعِلا

    فكَسْر الياء لغة لبعض بني كلْب، وقُريء في الشاذ بـ (يـِألمون كما تِـألمون)، بكسر الياء والتاء،  وهنا يِسعد بكسر الياء من سَعِد على وزن فَعِل كما عبر ابن مالك رحمه الله، ولا تثريب على هذه الكلمة شرعا ولا لغة، فهذا مما أصابت فيه العامة الشرع وفصيح اللغة، والعامة أهدى من الغلاة سبيلا،  ومن الجفاة أقوم قِيلا.

رابعا: الغلو في ظاهره التنسُّك وفي باطنه التهتُّك:

إن الغلاة أسرفوا في الجرأة على الشهادتين وعلى دين المسلمين، وأفسدوا على المسلمين مواسمهم الدينية، فالكفر والإيمان عندهم وضعية نفسية لا قواعد فيها، ولو أنك صادرت منهم كلمة كافر ومبتدع لتحولوا إلى عاطلين عن العمل، بمعنى أن هدم المجتمعات الإسلامية السنية أصبحت حالة نمطية، جعلت من الإسلام والإيمان محل شك، وأصبحا من الرأي والرأي الآخر،  وهذا مع الأسف وفر فراغا وعدما في التفكير، يكون مقدمة لفشو الإلحاد، مما يؤكد أن الغلو في الدين هو مقدمة للإلحاد فيه، وأن الغلو والتحلل يتخادمان، وأن الغلو في ظاهره التنسُّك وفي باطنه التهتُّك.

شرحي على لامية الأفعال لابن مالك (الطُّرة)، وقالوا عنها تعب شهر وندامة دهر. 

الطريق إلى السنة إجباري

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

12-رمضان-1440

17-5-2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top