أهمية تحرير المعنى في تدبير الخلاف في المواسم الدينية عند غير المسلمين التهنئة والتحية بين المتشابه والمحكم

تمهيد:

ليست أزمة التعامل مع غير المسلمين في مواسمهم الدينية بمسألة جديدة ولا مستغربة، ذلك لأن قوما اضطربوا في عيدهم إذا وافق يوم الجمعة، وفي مولد نبيهم أحرى أن يضطربوا في أعياد غيرهم، كيف وقد رأينا وسمعنا من يفطر وحده قبل أذان المغرب، بناء على نظره الخاص أن الشمس غربت، وقد أصبحت الشمس التي تتسع لأكثر من مليون أرض كأرضنا، وتغيب أمامنا أصبحت خلافا.

أولا: خلافات فقهية أم أزمات معرفية:

 فهذا يعني أننا نعيش أزمة داخلية تعكس صراعات  معنوية داخلة البيت السني، فليس الأمر مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو ميلاد عبد الله ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام.فقد مضت أحاديث كثيرة ومقالات وفيرة فيما يتعلق بعلاقة المسلمين بالكافرين في مواسمهم الدينية، وبعد متابعتي لبعضها ولا أقول جميعها، وجدت أن الأمر بحاجة إلى التمييز بين الشرعي والعادي في تقرير الحكم أولا، وما بينته في مقالتي السابقة في أسس التهنئة والمباركة في المناسبات الدينية والعادية لغير المسلمين، يحتاج إلى مزيد من البيان بناء على الأسئلة والتعليقات ذات العلاقة بالمقالة.

ثانيا: أصلان محكمان يرد إليهما النزاع:

وحاولت بيان الحكم الشرعي  من حيث استناده إلى أصل، وميزت بين مشاركة تتناقض مع عقيدة المسلم وشريعته، مما هو نفاق في السلوك وبما يخالف الشريعة، وبين ما هو من العاديات كزيارة المريض، والعزاء، والمناسبات المعتادة، وما هو من حسن القول والعمل الذي أمرت به الشريعة بعنوان الوالدية في الوالدين ولو كانا كافرين، والقول الحسن بعنوان الإنسانية، الذي هو ديدن المسلم.

ثالثا: المتشابه سبب الخلاف:

اعلم أن الخلاف ينشأ من المتشابه، ولما ردت الشريعة المتشابه للمحكم فهذا يعني أنها قطعت دابر الخلاف، وذلك برد المتشابهات المحتملة إلى المحكمات القاطعة، فعندما تقول التنهنئة والمباركة والتحية، لا بد من تفسيرها وفق المحكمة فقد تتضمن التهنئة محرما ونفاقا وقد تكون في قصد المكلف من باب حسن القول المأذون به شرعا، كقول المسلم كل عام وأنتم بخير، ومن هنا يكون الواجب هو تحليل القول نظريا، وليس حشد ما في الكتاب مع نسيان الواقع وتجاهله، ولا بد من تفسير المتشابه على ضوء الـمُحكَم.

رابعا: آية واحدة مـُحكمة جمعت الأصلين الشرعيين:

وقد جمعَت الآية الكريمة الأصلين السابقين في بناء الحكم وهذه الآية وهي قوله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) 15، سورة لقمان.وعليه نكون أمام حكمين:تجوز المشاركة في العاديات وهي الأمور العادية من أمور الدينا ، ومنعت الآية ما يخالف الشرع، في الأصل الأول: ( فَلَا تُطِعْهُمَا )، والأصل الثاني: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا )، ودور الفقيه أن ينزل كلا من هذين الأصلين كلا في محله.

خامسا: تنزيل الحكم على محله المتردد بين أصلين:

لابعد أن يتقرر الحكم الأصلي السابق وهو: تجوز المشاركة في العاديات ، وتمنع فيما يخالف الشرعيات، نبدأ بتنزيل الحكم على محله في الواقع، مما يعني أن الحكم الشرعي كلي ينطبق على صُور كثيرة في الواقع، بينما هو حكم واحدا، فنشأ الإشكال في تحديد محل الحكم بسبب التردد في معنى: تهنئة، احتفال، تحية، مباركة، مما يعني أن محل الحكم فيه خفاء، وتردد أحيانا بين أن يكون عاديا وأصلُه قوله تعالى :  (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا )وبين أن يكون مخالفا للشريعة ويتنزل عليه قوله تعالى: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا).

سادسا: محل الحكم واضح في التحريم:

أما ما هو من الواضح فهو المباركة في عقيدة نصت الشريعة بقطعياتها وضرورياتها على بطلانها وهي ولادة ابن الله، وأن الاحتفال بالثالوث مع اعتقاد الإيمان بالإله الواحد، هو من المحرمات في الفروع، ولا أظن أن مسلما عندما يحتفل أو يشارك فهذا يعني أنه يعتقد بالثالوث وينقض إيمانه بسورة الإخلاص.

سابعا: محل الحكم واضح في الإباحة:

أما في العاديات كالعزاء وعيادة المريض، فهذه واضح فيها أنها أمور عادية، وهي في العفو الإلهي وإن خالف فيها بعض الفقهاء، لكنها في دائرة العفو بسبب الخلاف المعتبر.

ثامنا: منشأ الإشكال التردد في محل الحكم وليس في الحكم نفسه:

1-إن الإشكال هو خفاء محل الحكم أحيانا، بحيث يكون مترددا بين أن يكون عاديا أو مخالفا للشرعي، ومثل ذلك قول : كل عام وأنتم بخير، فهي من جهة قول حسن، ويتكرر من المسلمين وغير المسلمين في المناسبات، فأصبح ظاهرة عامة لا تخص المسلمين دون غيرهم.

2-فأصبحت المقولة كالأقوال الحسنة من صباح الخير، ومساء الخير، وكبقية التحيات التي لا إشكال فيها، من حيث معناها الظاهر، فنقول للمسلم في عيد الفطر كل عام وأنتم بخير، وهي لا تعني بداية عام أو نهايته، وكذلك في الأضحى وهو 10-ذي الحجة وليس هذا بداية عام ولا نهايته، مما يعني ضعف ارتباط هذه الكلمة في زمن دون آخر، وهي على ظاهرها في ذلك، فرأس السنة كرِجْليها ويدَيها، ولا تأثير للزمن.

تاسعا: الأصل أن يجري على الناس عرفُهم في كلامهم:

1-وعليه فإن كلمة كل عام وأنتم بخير تخضع لعرف المتكلم لا على عرف السامع، والعبرة به مراد المتكلم لا مراد السامع، فالسامع عليه أن يفسر الكلام على وفق مراد المتكلم على مراد السامع.

2- ولكن مراد المتكلم يحتمل تخصيصه بالعرف، ولم أجد عرفا يخصص كلمة : كل عام وأنتم بخير سواء من القول أم الفعل، بل معنا المقولة:  هو كل خير يحب للإنسان، أما لو أردنا أن نحمل الخير هنا على عرف الشرع، فالخير في عرف الشرع هو الأعمال الصالحة ، والشر هو المعاصي، لأن معنى الإيمان بالقدر خيره وشره، أي العمل الصالح هو الخير، والمعاصي هي الشر، وليس على  العرف القولي الحاضر بين الناس بأن الخير هو ما يحبه الإنسان ويسعد به.

عاشرا: هل هناك عرف اجتماعي يخصص كل عام وأنتم بخير؟

1-ولكني لما لم أجد عرفا مجتمعيا مطردا من الأفعال ما يخصص مقولة : كل عام وأنتم بخير، فبقيت على ظاهرها، وأن شبهها بالعاديات أقوى، وتصلح أن تكون محلا ليتنزل عليها قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) 83، سورة البقرة.

2- ولا يتنزل عليها قوله تعالى في الشرعيات: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)، لأن عبارة كل عام وأنتم بخير عامة مستوعبة لكل خير، ولا أخير من الإسلام في عرف الشرع، أما عرف الناس فلا مخصص له لاشتراك المسلمين مع غيرها في استعمالها، ولا أرى عرفا قوليا أو عمليا يخصص ذلك.

حادي عشر: إنما الأعمال بالنيات بشرط موافقة الظاهر للشرع:

فإذا جاز ظاهر القول للكافر: كل عام وأنت بخير، وحسن النية فلا إشكال، ولكن ربما رأى بعض الدارسين والباحثين أن كل عام وأنتم بخير تتضمن اعتقادا شركيا لو قالها المسلم في زمن دون آخر، فهذا أمر اعتقادي يسأل عنه صاحبه، لا أن يكون حكما عاما على الناس، بأن يقوم بعض الناس بإقامة محاكم تفتيش على النوايا، مع أن القول الظاهر لا يتضمن ذلك، ولا عرف مخصص للقول، لأن العرف لا بد أن يطرد حتى يخصص.

ثاني عشر: تمييز العادي من الشرعي:

1-وأن قول كل عام وأنتم بخير من التحية، مثل صباح الخير، ومساء الخير، وكيف حالة، وطمئني على صحتك، فهي من حيث المعنى معنها وبها أشبه وألصق، وإنما لكل امريء ما نوى.

2-لذلك لا بد من التمييز بين إقامة الاحتفالات وتقديسها دينيا، وبين التحية التي قلت بجوازها، وهاته التحية هي : كل عام وأنتم بخير، وكما حذرت سابقا من الكلام الفكري الانطباعي الذي يتحدث يالشعور والعموميات، دون رد الفرع إلى أصله، وإجراء الأقيسة اللازمة في محالها.

3- وقد ردَدْت كلمة التحية: كل عام وأنتم بخير، إلى أصل الكتاب، ثم أجريت أقيسة المعنى وأقيسة الشبه، للتأكيد على نفي الكهنوت الديني الذي يقرر أحكاما من غير منهجية، وأنا في هذا ليست مجتهدا، لأن العامي مِثليْ لم يجتهد في أصل الحكم، بل كان اجتهادي هو تحقيق مناط، والاجتهاد بتحقيق المناط لا ينقطع حتى قيام الساعة، لأنه تنزيل للحكم على محله، وليس إنتاجا للأحكام نفسها، كما يصرح بذلك الإمام الشاطبي، والحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات علاقة: 

التمييز بين الفكري الانطباعي والفقهي الأصولي وكلمة في المنهج

التعامل مع غير المسلمين في مناسباتهم الدينية والدنيوية

 وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

25-ربيع الآخر-1440

1-1-2019

الطريق إلى السنة إجباري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top