أهمية التمييز بين الفتوى والقضاء والسياسة الشرعية …عدد ركعات صلاة التراويح نموذجا

ما يحدث من صراعات في مواسم دينية مختلفة، يوضح أن ثغرة في الكليات الشرعية أدت إلى مثل هذا الشقاق، وقد برزت في الآونة الأخيرة ضجة جعلت من إلزام أئمة المساجد بأداء عشرين ركعة في التراويح، مشكلة المشاكل، تناولها الكثير من الإخوة بالنقد، أو بالاستغراب، أو بالتأييد، ولم تكن هذه الضجة لتحدث لو سلمت التصورات حول علاقة كل من العلم الشرعي، بالفتوى، وبالقضاء، وبالسياسة الشرعية، وفيما يأتي بيان ذلك:

أولا: العلم الشرعي:

يمثل العلم الشرعي الخزان الذي لا ينضب في إمداد الواقع بالأحكام الشرعية، فهويناقش الفقه بحسب المسائل، يعني يبحث بحثا موضوعيا بحسب أصول استنباط الحكم الشرعي مع المقارنة، ويوفر احيتاطيا علميا قيما من الأحكام الشرعية التي تتسم بأنها علمية، خضعت للتحرير والتدقيق من قِبل جهابذة الفقهاء والمحدثين، ويتجلى ذلك في المذاهب الفقهية الأربع، التي تعاقبت عليها يد التعليل، والتدليل، والتأصيل والتمثيل، وهذا الخزان العلمي، له منافذ ثلاثة على الواقع، هي: الفتوى، والقضاء، والسياسة الشرعية.

ثانيا: المنافذ العلمية الثلاثة على الواقع:

1-مَنفذ الفتوى:

أ-الفتوى بحسب حال السائل:

يلجأ المفتي إلى الاختيار خزان المسائل العلمية، ويجب عليه أن يتقصى حال المستفتي، ويختار ما يصلح للمستفتي من الاجتهادات المعتبرة، ويحذره من الفتاوى الشاذة في الدين، ويمكن أن تختلف الفتوى هنا بحسب: السائل، من حيث قصد المستفتي، وبلده، وزمانه، وحاله من التقوى، كتعدد إفتاءات النبي صلى الله عليه وسلم، للسائل أي الأعمال أفضل، فمرة قال: الجهاد في سبيل الله، ومرة بر الوالدين، ومرة الصلاة على وقتها، فهنا تتعدد الإجابة بحسب السائل، هل له والدان أم لا، قادر على الجهاد أم لا وهكذا.

ب-الفتوى بحسب نية السائل:

وهي بحسب نيةالسائل، وأقواله، وتكون الإجابة خاصة بالسائل، ولا يحق للمستفتي الاحتجاج بها على الغير، لأن الفتوى مبنية على أقوال السائل ونيته، بينما في العلم الشرعي يكون الحديث بحسب المسائل، بصرف النظر عن خصوصية السائل وأحواله، لذلك تعتبر الفتوى بابا مهما في مراعاة خصوصية السائل، بشرط عدم شذوذ الفتوى، وأن يقصد المستفتي البراءة في الآخرة، ويصدُق فيما يقول.

2-مَنفذ القضاء:

أ- القضاء بحسب البينات:

أما القضاء فلا يتوقف على نية الخصوم، بل يُبنى على البينات والحجج والقرائن، وبابه البراءة في الدنيا، فعلى سبيل المثال، لو سأل أحدهم إن أبي كبر وفقد الذاكرة، وأنا أريد أن أتصرف في مال أبي بما يصلحه، نقول له هذه مسألة قضائية وليست من باب الفتوى، لأنها تتوقف على التقارير الطبية والشهادة، وهذا بابه القضاء، لأنه حُكْم في أموال الغير، وهو الأب، خلافا للفتوى فهي على نية المستفتي وقوله.

ب-القضاء يكون بين اثنين على وجه الإلزام:

 أما القضاء فهو على وجه الإلزام خلافا للفتوى، ويكون القضاء في خصومة بين طرفين، أو الحق الشرعي مثل الجرائم المتعلق بالحدود، وهو حق الله تعالى، وما من حق لله تعالى إلا للعباد فيه حق، ولكن جعله الله له حتى لا يتلاعب الناس به.

3-مَنفذ السياسة الشرعية:

يلاحظ أن مَنفذ الفتوى خاص بالفرد الواحد، وأن القضاء بين اثنين، أما السياسة الشرعية فهي عامة في شأن المجتمع العام، وهي نظر في المصالح العامة، ودرء للمفاسد والشرور التي تحدق بالمسلمين، فيجب على جهة الاختصاص التصرف بما يحسم مادة النزاع بين الناس، ويجلب لهم المنافع والرخاء، بما يعينهم على دنياهم، ليتبلغوا بدنياهم التي فيها معاشهم إلى آخرتهم التي فيها مَعادهم.

ثالثا: منفذ السياسة الشرعية في العبادات:

يتسع منفذ السياسة الشرعية في المعاملات، والجنايات، لكنه يضيق في جانب العبادات للمدخل الكبير في النية والتعبد فيها، ولكن ما كان في العبادات له صبغة الشأن العام، بحيث يدرأ مفسدة عن المسلمين أو يجلب مصلحة لهم، فيجب على صاحب السياسة الشرعية التدخل، لحسم مادة الفساد، وجلب خِصْلة الصلاح، مثل تقرير بداية رمضان وعيد الفطر، وتعيين الخطيب يوم الجمعة إذا تنازع الناس في ذلك، ومثل ذلك في زمننا تجرؤ بعض أئمة المساجد على جمع الصلاة بسبب المطر، متذرعين بفتاوى شاذة خارجة على المرجعية السنية المعتبرة في مذاهبها الأربعة، ولم تحظ تلك الآراء بالتحرير والبحث العلمي.

رابعا: ماذا بخصوص تراويح رمضان:

1-الأصل عدم تدخل السياسة الشرعية:

في أصل الحالة الصحية لن تجد خلافا في تراويح رمضان، فمن صلاها إحدى عشرة ركعة، أو ثلاثا وعشرين ركعة، فله سلف صالح، ولا داعي لمشرط السياسة الشرعية للتدخل، لو بقي الأمر دائرا في وعي المسلمين لأهمية تعدد الاجتهاد المعتبر، واعتقاد أن الكل في نعمة من الله وخير، فيبقى ذلك أمرا اجتماعيا بحتا، لا مدخل لصانع القرار في السياسة الشرعية، لعدم ظهور مفسدة عامة موجبة للتدخل.

2- متى يكون التدخل مصلحة شرعية:

أ-فشو الشقاق بين المسلمين:

أما إذا فشا الغلو في التبديع، وتم إقحامه على الاجتهادات المعتبرة للسلف الصالح، وتوهم بعض الناس أن واحدا من الاجتهادات المعتبرة بدعة، فهذا يعني أن الـمُـغالي في التبديع، سوف ينكر العشرين ركعة مثلا، ويراها ضلالة، مما يؤدي إلى فُرقة بين المسلمين في مساجدهم، بسبب وهم البدعة، ويزيد الأمر خطرا عندما تقحم البدعة هنا على فعل السلف الثابت بصلاتها عشرين ركعة، مِن فعل عمر رضي الله عنه والسلف الصالح، وما عليه المذاهب الأربعة المتبوعة عند أهل السنة والجماعة، فيبدأ غلاة التبديع بالتشنيع على المسلمين، وتفريق صفوفهم، والتجاسُر على تضليل المصلين، وقد يكون السبب ليس التبديع، بل أمزجة المصلين المختلفة ذاك يريد التطويل، وآخر يريد التقصير، وذاك يريد ثمانية وآخر يريد عشرين.

ب- وزير الأوقاف صاحب الولاية الشرعية:

في هذه الحالة يخرج الأمر من كونه فتوى تتعلق بالحالة الفردية، إلى حالة مجتمع عامة وتوجب على صاحب الولاية أن يتدخل بما يراه صالحا للمسجد وأهله، وبما أن صاحب الولاية هو وزير الأوقاف، فلا بد أن يستخدم صلاحياته، ويحدد العدد الذي يراه صالحا للناس، مادام الاختيار يقع ضمن دائرة الاجتهاد المعتبر، فإذا تلاشت حِدة الخلاف، وحُسمت مادة الخصومة، يمكن أن يرد الاختيار لإمام المسجد، والتوافق مع المصلين.

خامسا: ماذا يفعل الناس في ضوء السياسة الشرعية:

 وخير منازل العلماء والعامة في هذا الأمر، أن يكونوا ناصحين مؤتمنين على الدين والدنيا، بعيدا عن لغة الولاء والمعارضة، وإن فتح لغة الحوار والمراجعة لا يعني إهدار الالتزام بالقرارات ضمن دائرة السياسة الشرعية، لأن السياسة الشرعية لا تقوم على القطع، وهي خالية من اليقين أصلا، ومن الطبيعي أن تختلف فيها الآراء، ولكن الآراء لا تسقط الإلزام والاحترام للقرار، وقد بينت في مقالة سابقة آليات إنكار المنكر إذا جنح صاحب السياسة الشرعية عن طريق الصواب.

 سادسا: تدخُّل الحاكم في السياسة الشرعية لا يُغير الأحكام الأصلية:

يختار الحاكم من خزان العلم، ومن الفتاوى المعتبرة شرعا ما فيه صلاح المسلمين، ولكن اختياره هذا لا يؤثر في صحة الاجتهادات التي لم يخـترها في سياسته، بل تبقى على الصحة، لأنه لا يقضى على مذهب بمذهب آخر، ولا باجتهاد على اجتهاد آخر، كما فعل أبو جعفر المنصور مع الإمام مالك، حيث أراد أن يحمل أبو جعفر المنصور الناس على موطأ مالك، فهذا لا يصح، لأنه كان في دائرة العلم والإفتاء، ويريد المنصور أن يبطل الاجتهادات الأخرى حيث تدخل في البحث العلمي، ولم يكن فعله من السياسة الشرعية.

سابعا: لا مدخل للسياسة في خزان البحث العلمي:

ولا مدخل للسياسة في إنتاج الحكم الفقهي الأصلي، كما بينته في خزان العلم الشرعي، وقد أبى ذلك مالك رضي الله عنه عندما عرض المنصور فرض الموطأ على الناس، لأنه هدْم للاجتهادات المعتبرة لبقية المجتهدين، خلافا للسياسة الشرعية، فهي لا تهدم الاجتهادات الأخرى، بل هي اختيار الحاكم من الاجتهاد المعتبر، ولا تعارض بين الفتوى والاختيار منها، وإن اصطناع التعارض داخل العلم الشرعي ومحاولة إخضاعه إلى صراع الولاء والمعارضة هدم للشريعة، وتفرُّق في الدين، ولا يخلو ذلك من فساد، لأن الدين هو الذي سيخلصنا من الشقاق، فما الذي يصلحنا إذا أقحمنا الشقاق على الدين.

ثامنا: قرارات السياسة الشرعية خالية من القطع عارية من اليقين:

مهما حاولنا إضفاء صفة الصواب أو الخطأ على قرارات السياسة الشرعية فستبقى ظنية محتملة، وقابلة للتغيير حسب معطيات الواقع المتغير، وتغيير السياسة الشرعية لا يعتبر تغييرا في الدين، لأنها بنيت على مراعاة وقائع متغيرة، وتغييرها يكون بحسب التغير في المعطيات التي بنيت عليها السياسة الشرعية، وتبقى رقابة الأمة قائمة على منفذي السياسات الشرعية، وخطط الإصلاح، ويجب أن نحذر من حالة الاستنزاف الفكري إذا طلبنا القطع في السياسة الشرعية، فهو طلب للقطع فيما لا قطع فيه.

أسباب اضطراب الفتوى في مسائل الدولة والسياسة(نَظرة فقهية أصولية)

 

وكتبه عبد ربه وأسير ذنبه

د. وليد مصطفى شاويش

عميد كلية الفقه المالكي

20-شعبان-1439

6-5-2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Scroll to top